Al-Quds Al-Arabi

الفيديو الكارثي للرئيس التونسي

- محمد كريشان٭ ٭ كاتب وإعلامي تونسي

■ فيديو لم تتجاوز مدته ســتا وثلاثين ثانية لكنه انتشر في اليومين الماضيين انتشار النار في الهشيم:

الرئيس التونسي قيس سعيّد يسلم في مكتبه بقصر قرطاج مدير التشريفات الرئاسية خطابا، انتهى للتو من توقيعه وتجفيــف حبره، ليتكفل بإيصاله إلى رئيس الحكومة هشام مشيشي ردا على رســالة هذا الأخير التــي يطلب فيها تحديد موعد أداء الوزراء الأحد عشر اليمين الدستورية أمامه، والذي تأخر لأكثر من أسبوعين.

كان يمكــن لهــذه اللقطــة القصيــرة أن تمر، وللرســالة الملفوفة في ورق مقــوّى، كما تعرف الرســائل فــي القــرون الماضيــة، أن تصل إلى صاحبها دون أن تثير مــن الجدل إلا ما يثيره أي فعل سياسي آخر، لكن ما حدث شيء آخر مختلف تماما عرّض الرئيس ســعيّد ومقام الرئاسة إلى تعليقات لا أول لها ولا آخر. ولكن لماذا؟

ببســاطة، لأن الرئيس ارتأى أولا أن تســجّل كاميرا الرئاســة ما قام به، رغم أن لا شــيء غير عادي فيــه، وأن يقع تنزيله في موقع الرئاســة الرســمي قبل ســحبه لاحقا، وثانيا لأن الرئيس اختار أن يتوجه إلى مدير التشــريفا­ت، الواقف أمامه بين مُكذِّب ومُصدِّق، بلهجة خطابية صارمة ولغــة فصحى متقعِّــرة لا محل لها مــن الإعراب في موقف بســيط هو من صميــم وظيفته، وفيه يرد رئيس على خطاب لرئيــس الحكومة لا أكثر

ولا أقــل. الموقف فــي النهاية ليــس إعلان حرب أو اســتقالة يجب أن تســجله الكاميــرا كلحظة تاريخية كبرى.

بمجرد نشر هذا الفيديو اشتعلت كل صفحات التواصــل الاجتماعــ­ي في تونس بشــتى أنواع التعليقات الساخرة، بل وامتد ذلك إلى صفحات ومواقع وحســابات عربية تعاملــت معه بمزيج مــن التندر والاســتغر­اب والحســرة. هذا يقول إن هــذه «الرســالة يفترض أن ترســل بالحمام الزاجــل» وهذا يقــول إن «اللقطــة مأخوذة من فيلم الرسالة» والآخر يقول إنها «ومضة لمسلسل رمضاني جديد» وهــذا يعلق بالقــول «ياله من رياء وتكلف وضياع وقت» وآخر يشــبّه ما فعله الرئيس بشــطحات القذافي الراحل، وآخر يعلق بحســرة فيكتب «بين فصحى الرئيس التونسي وعاميّة الرئيــس اليمني عبد ربه منصور ضاعت الحكمة والمقدرة على القيادة ورســم السياسات واستشراف الحلول .»

ما كان أحوج الرئيس ســعيّد إلى كل هذا وهو لم يمض فــي موقعه إلا عام واحــد ونيف ؟! فقد وصلت الأمور من نقد بعض سياســاته ومواقفه إلى الســخرية مما يقوم به أو يقوله، وهذا تحّول مؤســف. نقد الأداء السياســي لأي مسؤول أمر وارد ومعروف، بل ومطلوب، لكن الاستهزاء مؤلم ومسيء لشخص الرئيس نفسه ولموقع الرئاسة وللبلاد برمتها.

واضــح الآن وضــوح الشــمس، أن الرئيس التونســي لا يمتلك أبدا مستشــارين سياسيين أصحاب كفاءة، ولا مستشارين إعلاميين يعرفون أصــول الاتصــال السياســي وأهميــة الصورة وخطورة الانطباع الذي يحصل بتراكم متواصل من الصعب تغييره.

لا فائــدة في العودة إلى القيمة السياســية أو الإعلاميــ­ة لنزول الرئيس إلى الشــارع متجولا، أو ذهابه إلى ســوق للخضــار، أو تأديته صلاة الجمعــة في «حي التضامن» الشــعبي وما تبعها من دخوله في مشــادة مع أحد المصلّين، ولا إعلان قصر قرطاج عن طرد بريدي مســموم وصل إليه دون اقتناع كبير بهذه الرواية التي لا ســند لها، فقد أثار كل ذلــك من الجدل ما أثــار، بين معجب بتصرفــات الرئيس ومنتقد لهــا، لكن لا مفر الآن مــن التوقف عند الضرر الكبيــر الذي أحدثه هذا الفيديو القصير الأخير لأنــه مثّل نقلة نوعية في تصرفات يبدو أن الرئيس اســتمرأها ولا أحد من المحيطين به نصحه بعبثيتها وتهافتها.

أغلب الرؤساء المحترمين في العالم تحيط بهم كفاءات تزن أهمية كل خطوة سياسية وتبعاتها، ومختلف ســيناريوه­ات التعامل معها، كما تزن، بكثير من الحــذر والتروّي، متى يتحدث الرئيس وأين وكيف وماذا يقول ولمن يوجه رسائله ولأي غرض فلا يتركونه أســيرا لأهوائه أو انفعالاته، لأنه ببســاطة لا يمثل شــخصه بل مجمل الدولة

وســمعتها فــي الداخــل والخارج.

هناك إجمــاع الآن، بعد حديث مع عدد من الزملاء الصحافيــن التونســيي­ن، أن الرئيس ســعيّد لا يمتلك من هــؤلاء أحــدا وأنه لا يفعل، للأســف الشــديد، إلا ما يراه هو دون توجيه أو نصح، بل إن مديــرة ديوانه الآتية إلى عالم المســؤولي­ات الأولى فــي الدولة، دون تجربة لا في السياســة ولا في الإعلام، هي المهندســة الحقيقية لظهوره الإعلامي وبالتالي فهي مسؤولة كذلك عن عثراته المتكررة. هي مثلا من لا تسمح للصحافيين بدخول القصر للقيام بعملهم مكتفية بما يســجله مصور القصر دون غيره قبل تنزيله في صفحة الرئاسة، بحيث لا يبقى للصحافيين من خيار إلا اعتماد ذلك المصدر لا غير بعــد أن تكون هي من رتّبته، صوتا وصورة، على مزاجها.

كان الكاتب الكبير الراحل محمد حسنين هيكل يقول دائما، في معــرض انتقاده للرئيس الراحل حسني مبارك، إنه لا بد من الحرص على التفريق بــن مقام الرئاســة وشــخص الرئيــس، وبين الوظيفــة والدور، لكن المشــكل عندنا في تونس أن الحابل اختلط بالنابل فأنتج مشهدا مسيئا آن الأوان لدق ناقوس الخطر من كارثية استمراره.

 ??  ??
 ??  ??

Newspapers in Arabic

Newspapers from UK