Al-Quds Al-Arabi

متاهة «العشائر والاستثمار» في الأردن

- بسام البدارين٭ ٭ إعلامي أردني من أسرة «القدس العربي»

■ راقبــت باهتمام قصة النائــب والمصنع في الأردن. لفتت نظري مســألتان فــي غاية الأهمية لا بد مــن التوقف بعمق علــى محطتيهما قبل أي استنتاج من أي نوع.

المســألة الأولى لها علاقة بتفحص أدلة وقرائن ملموسة على وجود حاضنة اجتماعية ومناطقية لا بل عشائرية أيضا، لا تقف عند حدود تفهم سلوك نائب المنتخب عمليا، عندما يتعلق بأي مشادة مع مستثمرين في منطقته، بل تدعم مثل هذا الاتجاه وتســنده وقد تعتبره في بعــض الجزئيات أقل صخبا مما ينبغي، وينطوي على تقصير بســبب رســوخ الثقافة التي تعتقد في المجتمع بأن رجال الأعمال والمال لا يقومون بواجبهم.

ليس ســرا هنا وجود نظرة اجتماعية وســط شــرائح متعــددة تلحــق أصحاب المــال بركب المحتالــن والنصابــن، وأحيانــا اللصــوص والفاسدين الذين شاركوا نخبة من رجال السلطة والسياسيين في دعم وإسناد نهب الشعب وزيادة رقعة الفقراء.

وفي حال الرغبــة في تقديم اتهــام أقل وطأة ســاهم هؤلاء بنظرة أوســاط في المجتمع لا يمكن الاستهانة بها، لا بل المطلوب وطنيا حوارها وفهم خلفية منطقها بالتأسيس لنظرة فوقية للمجتمع، وأهــل المناطق التــي يقيمون فيها اســتثمارا­تهم لا تحتــرم النــاس ولا تقــدر احتياجاتهـ­ـم ولا تقوم بالنتيجــة بواجباتها المتعلقة بالمســؤول­ية الاجتماعية.

ما الذي يدفع شــرائح مــن المواطنين لكل هذا الارتيــاب بنخبــة المســتثمر­ين ورمــوز القطاع الخاص؟

ســؤال في غاية الصعوبــة والأهميــة، وأنا شخصيا متأكد بأن من يملكون المال من الأردنيين وراكموا أرباحهم على هذا الأســاس طوال عقود، يفتقدون للجرأة على تقــديم إجابة على مثل هذا السؤال.

لا أحد يستطيع حتى أن يفكر بالإساءة لسمعة العشــائر أو ثقافتها، ذلك خط أحمر لدى الجميع. لكن وجود حاضنــة اجتماعية تدعــم كل أنماط الارتياب من المستثمرين محطة مقلقة وتحتاج إلى قراءة واعية وحصيفة بعيدة عن التشنج والاتهام المعلب، مع أن نمو الاحســاس وسط بعض أبناء المناطق والعشــائر بهذا الارتياب يصل في بعض الحالات إلى تشنجات أشبه بجدع الأنف، بمعنى المجازفة بالتضحية بوجود اســتثمارا­ت جديدة، أو حتى برحيل اســتثمارا­ت كانت قائمة لأن رأس المال بالإضافة إلى جشــعه المفتــرض أن لا يدخل المجازفات وبإمكانه ببســاطة الانسحاب، عندما تضايقه أي عشيرة أو أي منطقة ولأي سبب.

تبــدو القصــة أقرب إلــى متتالية هندســية حلزونيــة ومتاهــة لا أحــد يعرف مــن المخطئ والمصيب فيها، فالمسالة قد تتعدى وجود حاضنة في البيئة الاجتماعية تدعم الضغط على المصانع والشركات، خصوصا في أوقات الحاجة والجوع والفايروس باتجــاه التشــكيك بدوافع ونوازع

ووطنيــة رأس المــال، وهو تشــكيك لا يفيد أحدا لأن رأس المال باختصار وببســاطة يريد أن يربح ولا يريد من أي جهة التغزل بوطنيته، والمســألة الوطنيــة لا تعنيــه، ولا ينبغــي أن تعنيه عندما يتعلق الأمر بحسابات الربح والخسارة.

ومن الخطأ عند الجمهور الاعتقاد بأنه يتوجب أن تعنيه، والعكس أيضا غير مفيد، فبدلا من اتهام رأس المــال أو حرمانه من تلــك الوطنية، الأفضل التفاهم معه والتحاور في المشكلات واحتياجات المناطق وأهلها. والأفضل طبعا ودوما التأســيس لما اقترحتــه على رئيــس مجلس النــواب وهو وضع بروتوكول يحدد المسؤولية الاجتماعية في اســتثمارا­ت المناطق، لأن العشائر بكل حال وفي غالبية المواقع، احتوت الاســتثما­رات ووفرت لها الحماية وتعاونت معها.

المسألة الثانية على شــكل كمين كبير، فمراقبة منصات التواصل الاجتماعي ودراســة تعليقات الناس، لا تقف عند حدود وجود أنصار كثر لفكرة الضغط على المســتثمر­ين، بل تصل إلى منحنيات متعرجة مزيفة أساســها فكــرة أن التحرش في بعض المناطق عشائري بالاستثمار­ات، وأن سبب هذا التحرش هــو الأصل والمنبــت وانتماء تلك الاستثمارا­ت لمكون اجتماعي محدد دون غيره.

لا يمكنني القــول اطلاقا بــأن المصنع أو رأس المــال أو الاســتثما­ر يهاجــم في بعــض المناطق ويمارس عليه الاســتقوا­ء لأنه يمثل الأردنيين من أصل فلســطيني أو من أصل قوقازي، فرأس المال

أصلا لا يهتم لا بفلســطين ولا بــالأردن ولا بجماعة مطــاردة الإمبريالي­ة عبر الخيول.

رأس المــال يريــد أن يربح، وفي حالات الاسترخاء الوطني الأخلاقي، بعدمــا يراكم أرباحه يمكنــه أن يرمي الفتات هنا أو هناك تحت عنوان القضايــا الوطنية. بالمقابل الخشونة مع رأس المال واتهامه ليست حلا، وحال حصــول «خلاف» أو تجــاوز لا علاقة للعشــائر بالأمر.

لا يمكن الموافقة طبعا علــى فكرة اقتحام نائب منتخب لمصنع ثم مطالبته موظفا صغيرا بالوثائق وكشف الموظفين.

ولا يمكن الموافقــة على مجازفة مســتثمر ما، مهمــا بلغــت خدماتــه الجليلة للاقتصــاد، على الاعتقاد بأنه يســتطيع أن يتصرف في أي منطقة أو وسط أي عشــيرة دون احترام أوضاع الناس واحتياجاته­ــم ودون تقديــر مــا تعنيــه عبارة المسؤولية الاجتماعية.

باختصار رأس المــال حتى عندما يعتدى عليه لا يمثل مكونــا دون آخر. والاعتداء عندما يحصل بالتأكيد ليس عشــائريا، فلتبــرد الرؤوس قليلا ونبحث عــن معالجة أخلاقية بــدون تمثيل لمنع الاحتكاك.

 ??  ??

Newspapers in Arabic

Newspapers from UK