Al-Quds Al-Arabi

«الانتخابات الرئاسية» في سوريا: النظام يجدد لنفسه وسط استمرار تغييب صوت الشعب

- دمشق - «القدس العربي» من هبة محمد:

مع اقتراب استحقاق ما يسمى بـ «الانتخابات الرئاســية» في ســوريا، تبدو تحضيرات النظام الســوري، العســكرية والأمنيــة والسياســي­ة والإعلاميـ­ـة والخدمية جارية على قدم وســاق، اســتعداداً لفصل ضمــن «مســرحية» انتخابية مكررة، يعيد إنتاج أدوات النظام ذاتها، ويحاول فــرض وقائع على المشــهد السياســي بغية دفع الفاعلين المحليين والدوليين للتعامل معها لســبع ســنوات مقبلة علــى الأقــل. وتُظهــر المعطيات أن الانتخابــ­ات المقبلــة لــن تكــون مختلفة عن «الانتخابات» الســابقة، رغم المســاعي الروسية الحثيثة لإضفاء طابع يظهرها بصورة أقل فجاجة.

الحاضنة العلوية

المعارض الســوري أيمــن عبد النــور تحدث عن عشــرات الطرق والأســالي­ب التي يعمل بها النظام السوري، سواء على الصعيد الخارجي أو الداخلي. وقال في اتصال مع «القدس العربي» أن بشار الأســد يقدم عروضًا مغرية وقروضًا مكثفة لحاضنته من العلويين في الســاحل السوري عبر وجه نسائي، لاسيما بعد تحميل الأسد مسؤولية مقتل أكثر من 170 ألف شــاب من أبناء تلك المنطقة بينهم نحو 15 ألف امرأة.

وأضاف «كان قد وعدهم الأســد بالانتصار في الحــرب، وتعويضهم والإغداق عليهــم، إلا أن ما تعانيه حاضنته أســوة بكل الشــعب السوري، جعلهم يشعرون بالنقمة، فتقرّب منهم عبر وجوه ناعمة، وأمــوالٍ طائلة حصل عليها بعدما ســلب أموال رامي مخلوف ومنها «جمعية البستان» التي جعل منها جمعية إنســانية تحمل اســم «جمعية العرين» تــوزع القروض والمســاعد­ات الغذائية والأشجار على المزارعين .»

وتحدث المعارض الســوري، عــن تحضيرات مماثلة في معظم المناطق الســورية، حيث يحاول النظام التقرب عبر أســاليب مختلفة على رأسها إنعــاش الموظفــن بمنحــة مادية، وزيــادة في المرتبات الشــهرية من أجل تخفيف الضغوط على النــاس لكن الأمــر غاية في الصعوبة بســبب ما تعانيه البلاد من وضع اقتصادي صعب.

وقال «لا شك أن ثمة حملة إعلامية هي الأضخم من نوعها ستنطلق في دمشق لاسيما بعدما التقى بشار الأسد الإعلاميين لوضع خطة تضم مجموعة

من البرامج ســيتم اطلاقها في الأول من مارس / آذار المقبــل، حتى العاشــر منه، علــى أن تنطلق حملته الانتخابية في منتصف الشهر ذاته.»

لكــن الوضع حســب رأي «عبد النور » يشــير إلى أن بشــار الأسد ينتظر ضوءاً أخضر خارجياً، وأضاف «بشار الأسد ونظامه يبحثان عن نظراء حتى ينافســوه في التمثيليــ­ة الانتخابية، منهم ســيدة قد تكون كردية ورجال ونساء من إثنيات مختلفــة كمــا يبحثون بمســاعدة روســية عن أســماء من المعارضة ذات وزن، تقبل بالترشــح للانتخابــ­ات حتى تكتســب الأخيــرة مصداقية وشرعية .»

ويرى خبراء في الشــأن الســوري أن بشــار الأسد ومن خلفه موسكو يســوّقون للانتخابات ويعملــون عليها من أجــل أموال إعــادة الإعمار في «ســورية المفيدة» مــن جهــة ومحاولة دفن مســار جينيف للحل السياســي من جهة أخرى. ويجزم الكثيرون أن لا شــيء في الحالة السورية اســمه حملة انتخابية، فالعملية لا يمكن وصفها بالانتخابا­ت طالما أنه لا يوجد ســياق تنافسي في الأصل.

وحول آلية تسويق بشار الأسد لنفسه، تحدث مدير مركز جســور للدارســات محمد ســرميني عن تصريحــات وزير خارجية النظام الســوري فيصل المقداد في نهاية عام 2020، بأنّ الانتخابات الرئاســية ســتجري في موعدها المحدد دون أي تأجيل، بمعزل عن نتائج عمل اللجنة الدستورية. جــاء ذلك بعد أيــام قليلة من تدشــن حملة غير رســمية لدعم ترشيح بشار الأســد للانتخابات الرئاسية بتسليمه رسالة طولها كيلومتران عليها تواقيع مليونين ونصف مليون مواطن.

مسيرات مؤيدة

وفي 26 كانون الثاني/ يناير 2021، عقد بشــار الأســد اجتماعاً مع عدد مــن الإعلاميين العاملين في وسائل الإعلام الرسمية، والذين كان لهم دور بارز على مدار عقد من الزمن في الترويج للرواية الرســمية للحرب. وبالفعل في 14 شباط/ فبراير، بدأ الإعلام الرســمي بالترويج لانتخاب بشــار الأســد، عبر بث مســيرتين مؤيدتين لترشحه في مدينتي الحسكة والقامشلي شرقي البلاد.

واســتنتج الخبير السياســي في تصريحه لـ «القدس العربي» أنّ بشــار الأســد ما زال يولي أهميــة كبيرة لــدور الإعلام في تثبيــت وترويج السردية الرســمية، لتحســن صورته خارجياً وداخلياً أيضاً، وإظهار نفســه كفاعل لا غنى عنه

للحفاظ على الاستقرار بالنسبة للمواطن وللقوى الدولية.

ولا تقتصر التحضيرات على الجانب الإعلامي بل تشــمل أيضاً الجانب الأمني، إذ حشــد النظام السوري جهوده العسكرية والأمنية والسياسية بدعم من روســيا وإيران لفرض الســيادة على مناطق الجنوب السوري من درعا إلى السويداء، على أمل أن يســاهم ذلــك في تحقيــق مزيد من الاســتقرا­ر، وبالتالي الترويج لوجود بيئة آمنة لا تؤثر على ظروف إقامة الانتخابات الرئاســية. وتُظهر المؤشــرات وفق المتحــدث المتوفرة حتى الآن أن الانتخابات المقبلة لــن تكون مختلفة عن «الانتخابات» الســابقة، رغم المســاعي الروسية الحثيثــة لإضفــاء طابــع يظهرها بصــورة أقل فجاجة، وهو ما يواجه مقاومة شرســة من طرف النظام بدعم من حلفائه الإيرانيين.

وبنــاء عليه فإنّ الانتخابــ­ات المقبلة لن تعدو كونهــا إعادة إنتــاج لأدوات النظام المشــروخة ذاتها، بــدل أن تكون إعــادة إنتــاج للنظام كما يحلو للروس تســويقها، ومحاولة لفرض وقائع على المشــهد السياسي بغية دفع الفاعلين المحليين والدوليين للتعامل معها لسبع سنوات قادمة على الأقل.

مسرحية

المعارض الســوري والخبيــر القانوني محمد ســليمان دحلا وصف بدوره تلك «الاستعدادا­ت» بأنهــا فصــل ضمــن مســرحية هزلية تســمى تزويــراً وتضليلاً بـ«الانتخابات» وهي لا تشــبه الانتخابــ­ات بأي حال من الأحــوال ولا حتى تلك التي تنظمها الانظمة الشــمولية لتعزيز شــرعية القــوة والغلبــة والأمــر الواقع، وأضــاف «من المعروف في الأنظمة الرئاســية وشبه الرئاسية أيضــاً بأن رئيــس الجمهورية ينتخب مباشــرة من الشعب ضمن ســياق تنافسي حقيقي، أما في ســوريا فرئيس الحزب الواحد هو نفسه رئيس الحكومة التنفيذية وحزبه يســيطر بشكل مطلق على ما يســمى مجلس الشــعب الذي سيختاره بناء على ترشــيح القيــادة القطريــة ثم يطرح الأمر على اســتفتاء شــكلي يغيب عنــه أكثر من نصف الشعب السوري الذي هجـــره هذا المرشح المجــرم ودمر مدنــه وبلداتــه وقتل أبنــاءه في المعتقلات والزنـازين والبـراميل المتفـجرة وغاز الـسارين».

وتســاءل الخبير والمحامي عن «أي انتخابات يتحــدث ذلك النظــام الذي جعل مــن الجغرافيا السورية ساحة مستباحة للجيوش والميليشيا­ت الأجنبيــة والطائفية الإرهابية فــي الوقت الذي يجمع فيه رأس النظام ومرشحه الأوحد سلطات الدولة الثــاث في يده ســيما وان القضاء بعثي مســيس وكذلــك لجنــة الانتخابــ­ات القضائية التي ستدير تلك المســرحية المقيتة، فالديكتاتو­ر المســتبد المجرم ليس في حاجة لأي انتخابات من أجل شــرعنة بقائه في السلطة لأنه يعلم بأن تلك المسرحية السمجة لن تغير من الواقع.»

فالقيادة القطرية التي سترشح المرشح لمجلس الشــعب يترأســها رأس النظام ومجلس الشعب يســيطر عليه شــبيحة البعث الذين كافأهم على تشــبيحهم بمقاعد المجلس وكل البنى التنظيمية للحزب بــدءاً من قيادة الفــرق وانتهاءً بعضوية القيادة القطرية ومروراً بقيادات الشعب والفروع تعينهم أجهــزة الأمن التي يترأســها هــو أيضاً والقضاء يترأس هو مجلسه الأعلى وكذلك مجلس الوزراء كما يعين هو أعضاء المحكمة الدستورية.. فما حاجته للحملة الانتخابية؟ ثم ما هو البرنامج الانتخابي الذي يطرحه؟ وهل سيطرحه على كل الســوريين أم على من هم تحت ســطوته الأمنية والعســكري­ة؟ ليس لديه أي برنامج يقدمه حتى لمؤيديــه ســوى شــعارات الصمــود والمقاومة والممانعة والانتصار على المؤامرة.

المعــارض السياســي درويش خليفــة أبدى اعتقاده بأن الاســتحقا­قات الدســتوري­ة والتي تشــمل الانتخابات الرئاســية والنيابية، عندما تكون بعيدة عن اهتمام ومصالح السوريين، فهذا مؤشــر على أن هذه الاســتحقا­قات لم تكن يوماً تعنيهم وتؤثر على حياتهم الخاصة والعامة. وأن المشــاركة فيها من عدمها لا تحمــل أي جديد لهم، وبالتالي فإن مقاطعتهــا تصبح جزءًا من الجانب الذي عمــل عليه النظــام، وهو إقصــاء المجتمع عن الحياة السياســية، وهذا ما أفقد الســوريين شــعورهم بالمواطنة وولّد عندهم إحساساً بأنهم رعايا وليسوا مواطنين.

تعديل الدستور في أقل من ساعة

وفي رأي خليفة، فإن ما حدث عام 2000 عندما ورث النظام حكم سوريا لبشار الأسد عن أبيه من خلال تعديل الدســتور في أقل من ساعة، بحيث يكمل القاصر ســن الرئيس دســتورياً، هو سبب مهم لمقاطعة الســوريين لأي انتخابات في بلدٍ لم يعد فيه لتصوت المواطن الســوري أي قيمة. وإذا عدنا للحديث عن الانتخابات الرئاسية السورية المقبلة، فما هو دافع السوريين للمشاركة فيها بعد تهجير نصفهم مــن مدنهم ووطنهم واعتقال وقتل ما يقرب من مليون ونصف المليون من شعبه؟

وتســاءل المعارض السياســي عن «البرنامج الانتخابي الذي ســيصوتون من خلاله؟ هل لدى مرشــح النظام المحكوم علينــا أن يكون من عائلة الأســد أي برنامــج إصلاح سياســي واقتصادي واجتماعــي، هل يدخــل ضمن أجنداته ســحب الجيــش إلى ثكناتــه ورفع الحصانــة عن الأفرع الأمنية وإطلاق ســراح معتقلي الرأي ومناهضيه السياسيين؟ هل سيسمح لمعارضيه بالمشاركة في الانتخابات الرئاســية وتنص المادة الدســتوري­ة 84 في فقرتها الخامســة على أن المرشح يجب «أن يكون مقيماً في الجمهورية العربية الســورية لمدة لا تقل عن عشــر ســنوات إقامة دائمة متصلة عند تقديم طلب الترشــيح» وهو )نظام الأسد( لم يدع لأي معــارض له أثراً في القطــاع الذي يحكمه في سوريا؟

وانتهى «خليفة» بالقول: الانتخابات ليســت مجرد صنــدوق فقط، بــل هي اســتحقاق تجاه الشــعب والدولــة والســيادة الوطنيــة وهذه العناصر الثلاثة أغفلها وفرّط بها بشار الأسد دون مبالاة منه، بإدخاله جيوش عدة دول وميليشيات لقتل الســوريين الذين يحتــاج لأصواتهم ليبقى على رأس السلطة.

 ??  ?? الأسد يعيد إخراج مسرحية الانتخابات
الأسد يعيد إخراج مسرحية الانتخابات

Newspapers in Arabic

Newspapers from UK