Al-Quds Al-Arabi

بين «الكاظمي» ورغد صدام حسين... دمشق مغلقة والضفة الغربية «محدودة»... أين يذهب «التاجر الأردني»؟

- عمان – «القدس العربي» من بسام البدارين:

هــل يســتطيع الأردن فعلاً توفير فرصــة ثانية للبقاء لشــخصية كاريزماتية عراقية من وزن رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي؟

قد لا تبدو الإجابة ســهلة على ســؤال من هذا النمط، ليس بســبب اختبــار قدرة وهوامــش المناورة أمــام الأردن في المعادلــة العراقية، ولكن بسبب تعقيدات الساحة العراقية نفسها، التي تؤثر على ميزان المصالــح، لا بل تؤثر على وضــع الاقتصاد الأردنــي بصورة خاصة مادام هامش الاختراق التجاري - وتحديداً أمام الأردنيين - ضعيفاً جداً، وبقرارات أمريكية واضحة في العمق الســوري، ومحدوداً جداً للغاية، وبقرارات يمينية إسرائيلية في الضفة الغربية.

فــي عشــاء سياســي مرصــود قبل أشــهر، ســأل وزيــر التجارة والصناعة الأسبق وأحد أكبر أقطاب القطاع التجاري الأردني الحاج حمدي الطباع، الملحق التجاري في الســفارة الأمريكية عن «تعويض القطــاع التجاري الأردني بفتح أســواق الضفة الغربيــة مادام القرار الأمريكي يغلق التعاون التجاري مع النظام السوري.»

وقتهــا، لمــح الدبلوماسـ­ـي الأمريكــي - ويمكن هنــا ملاحظة أنه يتحــدث باســم إدارة الرئيس الراحــل دونالد ترامــب - إلى أن على التجار الأردنيين البحث عــن بدائل، مصراً على التحذير من الخضوع لعقوبــات أمريكيــة فــي حال الإصــرار علــى التعاون مع الســوريين وعندما تعلق الأمــر بعبارة «اضغطوا على إســرائيل وافتحوا أمامنا أســواق الضفــة الغربيــة» كان جــواب الملحــق التجــاري الأمريكي كالتالــي: «هذا موضوع فوق صلاحياتــي». مثل هذا الحوار مفيد في محاولــة فهم الدلال الذي تحــاول حكومة الأردن مطــاردة الكاظمي تحديداً بكميات منه، قد تكون مفيدة لاحقاً وقد لا تكون.

وهو دلال بالمعنى السياســي يحاول في الأثناء مســاعدة السفير الأردنــي في بغداد علــى إنجاز اختراقــات لصالح التجــارة الأردنية مع العــراق عبر سلســلة تفاهمات مــع الكاظمي، الــذي حظي بدلال الأمريكيــ­ن في الماضــي القريب ويغرق الأردن فــي تدليله أيضاً على أمــل. والذي يســتهدف معادلته وفرصتــه الآن وبوضوح هو اللوبي الإيراني في معادلات برلمان بغداد، مما يفســر إصــرار رئيس اللجنة البرلمانيـ­ـة العراقية التي تحمل اســم الشــهداء والضحايا، عبد الإله النائلي، على العودة إلى الورقة الموســمية التي يعود لها كلما حاولت العلاقات التجارية والاقتصادي­ة مع الأردن النمو أو الصعود مجدداً، وهي ورقة كريمة الرئيس العراقي الراحل رغد صدام حسين.

بعيداً عن قصة السيدة رغد وتســجيلها لمقابلات كثيرة تتهم فيها إيران لصالــح محطة وفي العاصمة الأردنية عمــان، يمكن القول بأن الأردن مهتم جداً بالاســتثم­ار في خبرته العميقة بالعشائر والمناطق السنية العراقية لصالح تجديد فرصة الكاظمي إذا ما اتجهت الإدارة الأمريكيــ­ة الجديــدة إلى تجميــد محاولات إنعــاش الربيــع العراقي وبرزت مجدداً معادلة انتخابات ومحاصصة سياسية.

باختصار، لا تخفي مؤسســات عمان حرصهــا على رغبتها في أن تشكل رافعة تعزز من فرصة لاعب رشيق وديناميكي مثل الكاظمي.

في المقابل، يبدو الكاظمي نفسه وفي ظل الحملة التي بدأت تتشكل ضــد تجربته وفرصته في عمــق معادلة القوى الإيرانيــ­ة النافذة في العراق، مجبراً على تســجيل اختراقــات جديدة تحت عنوان التقارب مــع الســعودية والأردن، والتفاعل مع الإغراء النــاتج عن فكرة إعادة إدماج حكومة العراق بمحيطها وجوارها العربي. لافت جداً سياسياً أن مشــروع إدماج العــراق مجدداً هو من العناصر المشــتركة أو التي تشــكل اهتماماً ثنائياً بين الأردن والســعودي­ة، فيما يغازل الكاظمي الطرفين بذكاء. لافت أكثر أن عمان والرياض «لا تنسقان» في مسألة الكاظمي.

لكــن مصالــح الأردن الاقتصاديـ­ـة والتجاريــ­ة، وخصوصــاً بعد تداعيــات الفيروس كورونــا وضمور التبادل التجــاري والصادرات ثــم ارتفاع كلفة الشــحن التجاري، عالقة تماماً بــن أحضان حكومة الكاظمي، فهو الشــخصية التي تمكنت من تحويل قنوات الخصومة والعداء للأردن ومصالحه في عمــق البيروقراط­ي العراقي إلى حالة الحيــاد أو الاتجاه المعاكس أحياناً بعد أكثر من 15 اتفاقية على الأقل وقعتها حكومته مع الأردن منذ أكثر من عام ونصف.

لــدى رئيس الــوزراء الأردني الحالــي الدكتور بشــر الخصاونة، توجيهات واضحــة مرجعياً بالعمل مع العراق أكثر، لا بل بمســاندة ومســاعدة فرصة الكاظمي أيضاً دون أن توجد ضمانات من أي نوع على أن الغطاء السعودي والأردني؛ بمعنى «الجوار الإقليمي السني» يســتطيع فعلاً تقــديم خدمــات حقيقيــة للكاظمي وطاقمــه، تضمن له البقاء في الســلطة أو العودة إليها، أو تســاعده في الاشــتباك مع المعادلة الإيرانية تحديداً، التي تراه «أمريكياً أكثر مما ينبغي.»

ليس ســراً أن «القدس العربي» ســمعت الرئيــس الخصاونة عدة مــرات، وحتى قبل تشــكيله للحكومة في عمان، يتحــدث عن العراق ومصــر باعتبارهما المحور الأساســي في اســتراتيج­ية الثقل أردنياً، فالمصالــح مع المحيــط المصــري والعراقــي والســعودي والخليجي وليس مع المحور التركي أو الإيراني أو حتى الاسرائيلي.

تلــك تبدو معادلة مســتقرة فــي البوصلــة الأردنية تفســر حجم الحماســة، ليــس للكاظمي فقــط، ولكن لمشــروع التكامــل التجاري الثلاثــي مع مصر والعراق، الذي تشــاء الصدف -وهي على الأرجح دبلوماسية بامتياز- أن يطرح وينضج ويتفاعل، لا بل يتكون بمعزل عن السعودية والإمارات وعن غيرهما من الحلفاء الأهم.

هــل تنجــح عمان بتقــديم خدمات نوعيــة للكاظمــي؟ الإجابة قد يحصل عليها المراقبون بعد الفاصل.

Newspapers in Arabic

Newspapers from UK