Al-Quds Al-Arabi

دول المعجزات لم تنته

- ٭ أكاديمية مصرية

■ مقولة «العبرة بالخواتيم» تشير إلى أن مآل الأشياء والأشخاص والــدول قد يختلف عــن البدايات. ولــو وبالنظر لدولــة الصين، فتلك المقولــة تنطبق عليها حرفيًا؛ فقد اســتطاعت بجــدارة الصعود لمرتبة، ليس فقــط لمصاف العالــم الأول، بل أيضــاً لمصاف الــدول العظمى، أضف إلى ذّلك أنها تفوقت عليهم. والصين بلد الأســرار والأســاطي­ر، لا يمكــن التنبؤ بكنهها؛ فقد اســتطاعت أن تجمع شــتات نفســها من الدمــار، وفي نحو ســبعين عامًا صارت تناطح أكبــر دولة عظمى على زعامة العالم.

ومن الجدير بالذكر أن الصين قاســت ويــات الاضطهاد والإذلال من قبــل جارتها اللدودة اليابــان، التي أذاقتها مآســي تفوق ما فعله هتلــر بأوروبا. فقــد عانت الصين من حــرب مريرة مــع اليابان دامت لفترة ثماني ســنوات، وانتهت بانتصار مأســاوي، بعد أن كانت على شفا اليأس من التخلص من قبضة اليابان. خرجت الصين من الحرب «مهلهلة»؛ فالمجتمع الصيني الغفير العدد، انفرطت حبَّات عقده، وصار في حالة من الفوضى العارمة، فبات من شبه المستحيل السيطرة عليه مرة أخرى، إلا بوجود قبضة حديدية تمسك زمام الأمور.

أمــا الدولــة، فكانت في حالة يرثــى لها؛ لتدمير الجــزء الأعظم من البنية التحتية، ففي الســنوات الأولى من الحــرب، دأبت اليابان على قصف المــدن الصينية غيــر المأهولة. وفــي العام الأخيــر من الحرب، قصفــت الطائــرات الأمريكية شــمال وشــرق وجنوب الصــن؛ لأنها مناطــق واقعــة تحت ســيطرة الاحتــال اليابانــي. وكانــت العاقبة، تشــريد ســكان هذه المناطق، لدرجــة أنه صار هناك عشــرات الملايين من اللاجئين الصينيين. ولم يجد الشــعب الصيني الغفير العدد قوته؛ لتراجع المحاصيل الزراعية. ومن ثم، انتشرت المجاعات في العديد من المناطق، وباتت الصين حطامًا.

ومــن ثمّ صار انتصار الجيش الصيني علــى اليابان، ليس ذا أهمية عظمى؛ فالبلاد خربــة، فانهار الجيش بعد أن انهــزم الملايين منه، أما القــوات الباقية المنتصرة فســلَّمت نفســها للحزب الشــيوعي، الذي صارت له اليد العليا في ما بعد والمســمى بـ « تشــونجوو جوميندانج »

‪Zhongguo Guomindang ( GMD‬.) ولــم تكــن اليابــان هي الخطر الوحيــد الداهم للصين، فقد هيمن الجيش الأحمر الروســي على إقليم منشــوريا، لدرجة أنه اعتقل نحو نصف مليون من المجندين الصينيين واتخذهم عبيدًا يعملون بالسخرة.

وتســببت أيضا ســنوات الحــرب الثمانــي، وهيمنة اليابــان على الصــن، في خلــق فئة نفعيــة وجــدت أن مصالحها تكون مــع العدو )اليابــان(. فعمــدت إلى إقامــة شــراكات وأعمال لا يمكــن تصفيتها بســهولة. وبعد هزيمة اليابان، كان يُلقَّب هؤلاء بالخونة، وتم تجريم أغلبهم ومحاكمتهم علانيةً حظيت بتغطية إعلامية واسعة. ومن ناحية أخرى، عانت الصــن من صدع في الجبهة العســكرية، لوجود قوات عســكرية صينية - ليســت بالقليلــة - تابعة لليابان وتحــت إمرتها. وبسبب عددهم الغفير تم تســريح الغالبية العظمى منهم، في حين تم الإبقاء على بعضهم بســبب حاجة الوطن لما يمتلكونه من خبرات. أما من كان له علاقات مريبة مع الجانب الياباني، فتم التشــهير بهم على أوسع نطاق، مثل ما حدث مع الكاتبة إيلين تشانج ‪Zhang Ailing‬ ما يعنــي أن انتقام الصين ممن وصمتهم بالخونة لــم يكن من ذاك النوع الخشن في كل الأوقات.

وبغــض النظر عن كل هذا، كانت أهم العوائق المكبلة للصين، انهيار الاقتصــاد بأكمله؛ حيث هبطت الأســعار لأدنى معدلاتها بعد الحرب، بعد أن أفرج محتكرو الســلع عن ما اكتنزوه من بضائع دفعة واحدة. لكن لم يســتمر الوضع ســوى شــهرين فقــط، ثم بدأت الأســعار في الارتفاع الســريع، ومعها تبددت أوهام اســتئناف عمليات التصنيع، وحلم الانتعاشة التجارية، كما كان الوضع في ما مضى.

وحتــى تتمكــن الصين مــن القبض على زمــام أمور شــعبها، الذي أصبــح متنــازع الأهــواء، وأن تتقــرب مــن جارهــا اللــدود الاتحــاد الســوفييت­ي بشــكل غير مباشــر، كان لدعــوة ماو تســي تونج Mao

Zedong مفعــول الســحر؛ فقد جمع حوله جميع أطياف الشــعب من خلال تأســيس الحزب الشــيوعي الصيني، الذي حكم البلاد من عام 1949 إلــى يوم وفاتــه في 1976. بيد أن الحالــة الاقتصادية للصين لم ترتــقِ، وباتــت الصين في مصــاف الــدول الفقيرة المتخلفــة؛ خاصة بســبب مركزية الدولة، ومنع تملك المشــروعا­ت الخاصــة، لكن النقلة النوعية التي بدلت مصير الصين، كانت تولِّى دينج شــاو بينج Deng

Xiaoping زمــام الحكــم بداية من عام 1978 وحتــى وفاته في 1989. فقــد عمل إصلاحات أيديولوجيـ­ـة واقتصادية تعيد هيكلة الصين، ما مهــد لها الطريــق لترتقي لمرتبة «قــوة عظمى». وكانــت أولى خطواته الإصلاحية السماح للأفراد بتملك مشروعات خاصة والاستفادة من أرباحها، وكذلك فتح الدولة أمام الاســتثما­رات والشراكات الأجنبية. ولجذب الاســتثما­رات ألغى تقريباً الضرائب على الشركات الأجنبية وأنشــأ لهم أربع مناطق حرة تتمتع بتسهيلات غير مسبوقة. ومن ثم، وجد المســتثمر­ون أن الصين فرصة من الواجب اغتنامها؛ فالمســتثم­ر هناك تتوافر لديه خامات صناعية زهيدة السعر، وأيد عاملة بالملايين، ومنخفضــة الأجر، لدرجة أن ما يتقاضاه طاقــم بأكمله يوازي تقريبًا أجــر عامل واحد في بــاده. وأهم من كل هذا وذاك، أنها أكبر ســوق لتصريف المنتجات التي يتم تصنيعها؛ لوجود سوق استهلاكي قوامه في ذاك الوقت أكثر من مليار نســمة. فتسابقت الاستثمارا­ت الأجنبية لدخول هذا الســوق، خاصة الأمريكية التــي أرادت التمتع بالضرائب الملغــاة علــى الصــادرات والــواردا­ت من قبــل الحكومتــن الصينية والأمريكية.

وللاســتفا­دة من الأيدي العاملة، التي لا تطالــب بالحقوق وقادرة على العمل في أســوأ الظروف، أضف إلى غــض الحكومة الطرف عن الاشــتراط­ات البيئية، التي تكلِّف أصحاب الاستثمارا­ت أموالا طائلة، نقلت الولايات المتحدة صفــوة تكنولوجيته­ا المتقدمة بأكملها للصين، ودربت أعــدادا غفيرة من العمال من الصفر، ليــس فقط على المهارات الصناعيــة والتكنولوج­ية، بــل أيضاً على الأنظمة الإدارية، شــجعهم على الإقــدام على تلك الخطوة مــا يُجْنَى من أرباح طائلــة. أما الصين كدولــة، فاســتفادت بــكل ما نُقــل إليهــا، وتعلمت طريق الاســتقلا­ل وطريــق تطوير قدراتها الإبداعية من خلال النســخ والتقليد في بادئ الأمــر، إلــى أن تفوقت وخلقت تكنولوجيات لم تســتطع أي من الدول المتقدمــة، وعلى رأســها الولايات المتحدة الوصــول إليها، وأكبر مثال «تقنية الجيل الخامس من الإنترنت.

الصين مصنع العالم والمعجزة الاقتصاديـ­ـة والتكنولوج­ية الثابتة الأركان ـ علــى عكــس اليابان ـ بنــت اقتصادها وتميُّزهــا العالمي على أكتــاف أرقى تكنولوجيــ­ات الغرب؛ فقد قدمــت الأرض والمادة الخام والعمالــة، نظيــر الاســتفاد­ة من عقول وعلــوم لم تكن لتســبر غورها ولــو بعد مئات الأعوام. معجزة الصين هي «الاســتكان­ة والاســتفا­دة والانتقــا­م المقــن» مطبقــة بذلــك نظريــة: «داري علــى شــمعتك تظل مشتعلة».

 ??  ?? د. نعيمة عبد الجواد
د. نعيمة عبد الجواد

Newspapers in Arabic

Newspapers from UK