Al-Quds Al-Arabi

مَنْ قَصف ملجأ العامريّة؟

- ٭ كاتب عراقي

■ تمــرّ في هــذه الأيام ذكرى مــرور ثلاثة عقــود على مجزرة قامــت بها طائرتان أمريكيتان عندمــا أحالت ملجأ يضم أكثر من 400 نفــس إلى فــرن قضى كل مــن فيه نحبه في ثــوان معدودة. ورغم أن الســنين تنســينا كلّ شــيء، لكن حرارة فقد الأعزّة في الفؤاد تســتديم وتقوى مــع العمر. بالعكس، النســيان يكون في بعض الأحيان أداة قوية للتذكر.

ســكنتُ حيّ العامريّــة مدة 25 عاماً، وعرفت جميع شــوارعها ومبانيهــا وأشــجارها. في تلك الســنين لــم أكن أعــرف الطريق إلى مركــز المدينة، حيث المطاعم والســينما­ت والحانات، وكانت سعادتي هي في تجوالي بين الكتب في البيت، وفي وقت الراحة أنســابُ مثل الســائح الذي يكتشــف كلّ يوم طرقــاً جديدة، في عالمه الجديد. الحياة تبدأ في سن الثامنة عشرة، وتنتهي في هذا العمر. لا يمتلئ القدح بأكثر مما يحتويه، ولا قطرة. بالنســبة لي: فاض قدحي بهواء العامرية، وبمائها، وبالأهلون...

مسجد أم المعارك

يقــع الحيّ عنــد الحدود الغربية لمدينة بغداد، وســمّي نســبة إلى مدينة عامرية الفلوجة التي تبعد 40 كيلومتراً غرب العاصمة بغــداد. يحدّ الحيّ من الجنوب طريق المطار الدولي، من الشــمال حــي الخضراء، حيــث اتخذ صدام حســن من أحد بيوتــه مقراً ســرياً طوال حرب الخليج الثانية، وتحوّل هذا البيت بعد الحرب إلى مسجد أم المعارك، وهو الاسم الذي أطلقه صدام حسين على هذه الحرب. إلى الشــرق من بلــدة العامرية يقع حيّ الحمراء ـ أو القضــاة ـ وتمتد الأرض في الغرب منبســطة إلى مدينة الفلوجة، ثم الرمــادي. تأسســت العامرية في ســبعينيات القرن الماضي، وتتكــون من محــات عديدة سُــمّيت تبعــاً للمهن التي يســكنها الموظفــون، الذيــن تم توزيــع الأراضــي الســكنية لهــم فــي عهد الرئيس الراحل أحمد حسن البكر، وقام هؤلاء ببنائها عن طريق تســهيلات مصرفية: حــيّ الإعلام، حــيّ الأطباء، حيّ الشــؤون الاجتماعية، وغيرها. تبلغ مساحة البيت 600 متر مربع، الطرقات فسيحة، والمدارس والحدائق والمستوصفا­ت التابعة للحيّ توفّر لســاكنيه عيشــة شــبه مثالية. باختصار، العامرية بلدة تسكنها الطبقة المتوسطة، الغنية بكل ما تملك.

يختــرق الحــيّ شــارع طويــل للغايــة يُدعــى في الســجلات الرسمية: شارع البصرة، لكن اسمه الشائع والذي يعرفه الجميع هــو شــارع العمل الشــعبي، لأن أعمال شــقّه وكســائه وتبليطه أنجزهــا طلاب ومعلمــون وأســاتذة جامعات، في تلك الســنين التــي كان هوس الحكومة الرئيس فيها هــو تقليد خطوات بلدان اختارت النظام الاشــتراك­ي. يقســم الشــارع البلــدة إلى نصفين متســاويين تقريباً، واحد غربيّ حيث جهة مدينة الفلوجة، وآخر فــي الجهة المقابلــة، حيث تــذوب الأزقة والشــوارع تدريجياً في أحياء العاصمة.

في أثنــاء الحــرب العراقية الإيرانيــ­ة بنــت الحكومة ملاجئ يتجــاوز عددها العشــرين في أنحــاء العاصمــة المترامية، وهي تتشــابه من ناحية التصميم والبناء، نفذّتها جميعاً شركة كوريّة - على الأغلــب- في العامريّة يوجد منها اثنــان، ملجأ يقع غرب

شارع العمل الشــعبي، وهذا الملجأ هو الذي تمّ قصفه. الآخر يقع في الجهة الشــرقية من الشــارع، وهذا بقي ســليماً من أيّ ضرر طوال سني الحرب، مثل بقية ملاجئ العاصمة.

في تلك الأيام السعيدة كنّا نســكن أنا وأهلي وأخوتي وكثير من أقاربي في العامريّة في بيوت مستقلة تشبه الفلل. وفي الليلة التي قُصــف الملجأ فيها كنــتُ جندياً في جبهة القتــال، وأذاعت وكالات الأنبــاء الخبــر. كانت الإجــازات ممنوعة، ولا تســتطيع التحــرك من الوحــدة إلّا بأمر عســكريّ، كما أن الشــوارع خالية مــن أي وســيلة نقــل، لأن الوقود معدوم بســبب تدميــر مخازن ومحطــات تصفية الوقود، بقصف الطائــرات الأمريكية ـ وكانت تدعى قوات التحالف، وقد اشــتركت معها طائــرات تابعة لدول عربية ـ العجلات الوحيدة التي تسير في الطرق البرية هي التابعة للجيش، وكانت هذه صيداً سهلاً لطائرات التحالف.

مضــى النهــار الأول بعد قصــف الملجأ، وأنا في أســوأ حال. كانــت الهواتــف متوقفة بالطبــع، ولا يوجد فاكــس أو إيميل أو غيــره. مــا الحلّ؟ كيف الســؤال عــن مصيــر أهلي؟ دبّــر لي آمر الوحدة من أجل الوصول إلى بغداد «مأمورية إسعاف» أي مهمة نقل جريحٍ من وحدتنا الطبية إلى مستشــفى الرشــيد العسكري فــي العاصمة، وتمّــت الرحلة أثنــاء الظلام، ومن غيــر مصابيح إنــارة تجنبــاً للقصــف. ســاءت حالة الجنــدي الجريح بســبب طــول الرحلة، وكان النزف يــزداد في كلّ دقيقــة. عند منتصف الطريق، أي بعد خمس ســاعات تقريبا من السير البطيء قصدنا مستشــفى الكوت العســكري، وتزوّدنا بقنانٍ إضافية من الدم، وفي الصباح الأول بلغنا العاصمة. ســلّمتُ الجنديّ المصاب إلى الردهة الجراحية في مستشــفى الرشيد، وأخذت الأسعاف بعد ذلك تخترق شــوارع بغداد الخالية، قاصدة الحيّ الذي كان يُذاع اسمه في جميع أنحاء الكون: العامريّة.

انفصام رأس الحكومة عن الشعب

أكثر الدول العربية تعاني من مرض مســتديم هو انقســام أو انفصــام رأس الحكومة عن الشــعب، يعني أن مــا يقوم به رجال الحكم ومــا يؤمنون به من أفعــال وأفكار تبقى بعيــدة تماماً عن ثقة الناس، وهكذا كان أغلب ســكان العامرية في تلك السنين. لم يثقوا بأن نظام الحكم يحمي السكّان من القصف، عندما يدفعهم إلى النزول في الملاجئ، ولهذا لم يكن الملجأ مكان ســكناهم، ولم يطالهم نتيجة لذلك أي مكروه. لكن المكان كان ممتلئاً بالشاغلين، وقــد احترقــوا وماتــوا بأبشــع صــورة، وأغلبهــم مــن الأطفال والنساء والعاجزين. من كان يسكن الملجأ في تلك الليلة؟

لأنــي من أهل الحيّ، ولأني لم أكن أحــد أفراد النظام الحاكم، ولــم أنتمِ إلى أيّ جهــة معارضة، لا في الســابق ولا الآن. أتمنى، لكل ما تقدم من أســباب، أن يكون بمقــدوري تقديم صورة أقرب إلى الحقيقة من غيري. توزع ضحايا الملجأ بين فئتين، الساذجين من الناس ممن وثقوا بما يقوله الخطاب الرسمي، وآمنوا بصدق شعاراته، والقسم الآخر من الضحايا هم عوائل رجال الحكومة، لأنها حكومتهم، ولزاماً عليهم أن يصدّقوها.

التقيــت بإحــدى الناجيات مــن القصف وروت لــي تفاصيل عراقية تضيء الشموع في ملجأ العامرية في بغداد تخليداً لذكرى أقاربها الذين قتلوا خلال القصف الأمريكي/ رويترز الحادثة، وكان البرد والحــزن يجعلان صوتها مضطرباً، اللوعة فيــه تمزّق القلــب: «بعــد تناولي العشــاء في بيتــي توجّهت مع زوجــي والأولاد إلى الملجأ. مرّت ســاعة، أو أكثر، أو أقلّ، وبينما كنا نتهيّأ للنوم، ســمعت ما يشبه صوت ارتطام أو سقوط شيء بالغ الثقل من الأعلى. فسّر زوجي الأمر بأن الفتيان يلعبون الكرة في الطابق الأعلى من الملجأ، وربما ســقط أحدهم أرضاً. ثم تفجّر المبنى في اللحظة نفسها وتحوّل كل شيء فجأة إلى كرة ضخمة من النار كانت تنتقل بسرعة رهيبة وتحرق في طريقها كل شيء. لا أعــرف أيّ صدفة عجيبة جعلت كرة النــار تقذفني بلهيبها إلى ثغــرة فــي الجدار أحدثهــا العصف الشــديد، ورأيت نفســي في لحظــات في الخارج. عشــتُ مرارة الجحيم وذقــت حلاوة الجنة في أقل من نصف دقيقة.»

انتهى كلام الســيدة، ويقوم بعده السؤال الأهم في الموضوع: من قصف الملجأ، ولماذا، وكيف حدث الأمر؟

هنالــك قاعــدة يؤمــن بهــا المســتعمر­ون البيــض فــي الدول الافريقية، وهي أن الخبر في تلك البلدان يأخذ كرة الثلج، يبدأ من حكاية صغيرة في الضواحي، ويتســع كلما ابتعدتَ عن مصدره، ثم يغــدو في الأخير أســطورة يشــكّ فيهــا الجميــع، ويصدّقها الجميــع. ما ســوف أرويه في الســطور الباقية مــن المقال يمكننا وضعه ضمن كرة الثلج الدائرة.

أمضيــت نهاراً وليلة في الحــيّ المنكوب، العامريّــة، وما زلتُ أذكــر ثقــل الظلام الــذي كان يجثم فــوق البيوت، ويهبط شــيئاً فشــيئاً داخــل الروح، حتى يــكاد يطفئ آخر جــذوة فيها. عندما يمــوت المئات مــن النــاس، وتبقــى حيّاً، تحــسّ لاشــعوريا بأن الســماء غاضبة عليك، لأنك لــم تقضَ من الحــزن. كان يدور في الألســن في الأثنــاء خبر مظاهرة قــام بها الســكان الذين فقدوا أهلهــم، وكانــوا يهتفــون : «لا إله إلا اللــه.. صدام عــدوّ الله ». أما كلام الشــارع ـ أي شارع العمل الشــعبيّ ـ فهو أن سبب القصف هو تسريب مخابراتيّ قام به أحد جواسيس الحلفاء، وهو عميل مزدوج تابع إلى النظام الحاكم، ومفاده أن رأس النظام كان يدير اجتماعــاً في الملجــأ في تلك الســاعة مع أعضــاء الحكومة، وقد ترك العميل عند ســطح المبنــى جهازاً يبثّ ذبذبــات تدلّ طائرات التحالف على المكان.

بالنســبة لــي، لا أســتبعد هــذا الاحتمــال، بســبب التركيبــة الســكانية والجغرافية لمدينة بغداد، فإن رأس النظام لو شــاء أن يدير اجتماعاً في ملجأ من بين الملاجئ المنتشرة في العاصمة، لما اختار غير هذا المكان، وقد اعترف النظام الحاكم بعد نهاية الحرب أن رأسه كان يســكن في بيت في حي الخضراء، القريب جداً من ملجــأ العامرية. هنالك احتمالان: إما أن الأمــر كان صحيحاً وأن صدام حســن المعروف بوساوسه وشكوكه غيّر مكان اجتماعه مع أعضاء الحكومة في الدقائق الأخيرة، والاحتمال الآخر هو أن النظام الحاكم دبّر الأمر كلّه بليل.

يحاول الخصــوم تقليد بعضهــم في المقاصد وفــي الأفعال. في العادة تجمعهم الشــراكة في البدء، ثم تحدث الشَــقّة بينهم، ويأخذ أحدهم في التحضير للنيل من الآخر بأيّ صورة. لا يوجد مكان للأخلاق في مفردات السياســيي­ن عندنا، وعند الكثير ممن يرفعونها شــعاراً في كل عصر، وخصوصــاً في هذ العصر. كرة الثلج لا يخلقها العدم، سواء حدث الأمر في افريقيا، أو في آسيا، أو غيرهــا من بقاع الأرض، كما أن الكثير من الأنظمة الحاكمة في بلداننا تأتي إلى شــعوبها بكرة ثلــج جاهزة، منتهاها هو بدؤها، فكيف يكون مصير من يصادف أن يكون في الطريق؟

مات فــي الملجأ جميع أفراد عائلة الســيدة الناجية، وأصيبت المســكينة بلوثة في عقلهــا، وكانت تزور المــكان كل يوم، تنادي فــي الليل والنهــار على أطفالهــا وعلى زوجهــا. الجحيم والجنة يتبــادلان الــدور أحياناً في حياة البشــر، بــدون أن يكون لهم يد فــي الأمر. مضى اليوم ثلاثون عامــاً على الجريمة، وما حدث في مدينــة العامريــة، وفي غيرها مــن أحياء بغداد، وفــي بقية مدن العراق في السنين التي أعقبت غزو الأمريكيين يجعلنا نتذكر تلك الأيــام العصيبة بنوع من الحســرة، وكلّ منا يدعوها من كلّ قلبه أن تعود، بما فيها ليلة الثالث عشــر من شباط/ فبراير 1991، ليلة جريمة القصف.

 ??  ??
 ??  ??

Newspapers in Arabic

Newspapers from UK