Al-Quds Al-Arabi

هل يتلقّى نتنياهو تطعيماً ضد الخسارة في الانتخابات؟

- *رئيس حزب التجمع الوطني في أراضي 48

بقــي حوالــي الشــهر علــى إجراء الانتخابات للكنيست الإسرائيلي، التي تم تبكيــر موعدها، بعد إصــرار بنيامين نتنياهو على عدم تجديد الالتزام بتنفيذ التناوب على رئاسة الحكومة، لصالح الجنرال المتقاعد بيني غانتس، زعيم حزب «أزرق أبيــض». ورغــم كل الأزمات، التي مرّ بهــا ومرّت بها حكومته، بقي حزب نتنياهو هو الأكبر في استطلاعات الرأي العام، في حين تواصَل تفكك حزب غانتس ووصل إلى مرحلة يصارع فيها نسبة الحسم.

الانتخابــ­ات الإســرائي­لية، التي ســتجري فــي الثالث والعشــرين من آذار/مارس المقبل، هي الرابعة على التوالي خلال عامين، ما يشير إلى عمق الأزمة السياسية التي تمر بها الدولة العبرية، التي قد تستمر، حيث هناك إمكانية جدية ان الانتخابات المقبلة ستنتهي بلا حسم لصالح نتنياهو، أو من هم ضدّه.

السبب المباشر للأزمة السياســية، التي تمرّ بها إسرائيل هو الخلاف الشديد حول شــخص بنيامين نتنياهو، وحول ملفات الفســاد التي تورّط بها، وأعلنت أحزاب كانت حليفة له فــي الماضي أنها لن تجلــس في حكومة يواجه رئيســها لائحة اتهام ومحاكمة. لقد فشــل نتنياهو في تشكيل حكومة بعد انتخابات نيســان/إبريل 2019 بســبب رفض أفيغدور ليبرمان، رئيس حزب «إســرائيل بيتنــا»، الانضمام إليها، معلنــاً أنه لــن يكون في حكومة يرأســها الفاســد نتنياهو على حد قوله. والحقيقة أن مرد غضب ليبرمان ليس فســاد نتنياهو، بــل اعتقاده ان الأخير يقف خلف التحقيق معه في ملفات فساد متشعّبة، ترتبط بعضها بالمافيا الروسية، ومهما كان الســبب، يبقى موقف ليبرمان قاطعاً بأنه يســعى إلى إسقاط نتنياهو ولن يتحالف معه بأي حال.

في انتخابات أيلول/سبتمبر 2019، وبعد خروج ليبرمان منها، كان واضحاً أن كتلة نتنياهو تقلصت وأصبحت مكوّنة من حــزب الليكود والأحزاب الدينيــة فقط، وهي لم تحصل على أغلبية برلمانية، ما أدّى إلــى انتخابات ثالثة في مارس 2020، لم تأت بالحســم لأحد، ما أدّى، وتحت غطاء مواجهة جائحــة كورونا، إلى إقامــة حكومة ائتلافية بــن نتنياهو ومنافســه بيني غانتس، اســتندت إلى اتفــاق تناوب على رئاسة الحكومة. شــمل هذا الاتفاق، الذي تحوّل إلى قانون ملزم، بنوداً تمكّــن نتنياهو من التملّص منــه في حال عدم إقرار الميزانية. وقد اســتغل نتنياهو ذلك رافضاً طيلة الوقت تمرير مشروع الموازنة في الكنيست، ما أدّى في نهاية المطاف إلى تبكير موعد الانتخابات. أدّى قبول الجنرال المتقاعد بيني غانتس، الائتلاف مع نتنياهو إلى تفكك كتلة «كاحول لافان،» فلم ينضم إليه شــريكه يئير لبيد زعيم حزب «يش عاتيد،» وتوالت الاستقالات والانشــقا­قات إلى أن وصل غانتس إلى انكماش حزبه، وإلى مصارعة نسبة الحسم، الموازية لأربعة مقاعد في الكنيســت، بعد أن كان لهذا الحزب أكثر من ثلاثين عضواً في الانتخابات الثلاثة السابقة.

بعــد انهيار حــزب «أزرق أبيض»، الذي نافــس الليكود على من يكون الحزب الأكبر وشكّل التحدي الأكبر لاستمرار حكــم نتنياهو، لم يعــد هناك حزب «كبيــر» مقابل الليكود، بل ثلاثة أحزاب متوســطة الحجم، قد يتحــول بعضها الى أحزاب صغيرة مع اقتراب الانتخابــ­ات. هذه الأحزاب هي: حزب «يش عتيد» (يوجد مستقبل( بزعامة لبيد، وهو يعرّف نفسه بأنّه حزب وسط ويصل في الاستطلاعا­ت إلى 18 عضو كنيســت. ويحظى بدعم من الطبقة الوســطى الأشكنازية، وشعاره المركزي هو إسقاط نتنياهو الفاسد. أمّا من الناحية السياســية، وبكل ما يخــص القضية الفلســطين­ية، فهو لا يختلف كثيراً عــن نتنياهو وعبّر عن دعمــه لصفقة القرن، ويريد عملياً اســتمرار الوضع الراهن مع تشــديد المحافظة على «أمن إســرائيل»، ويســعى لبيد الى تفاهــم مع الإدارة الديمقراطي­ة في الشــأن الإيراني، وعــدم الدخول في صدام معها بــأي حال. حظوظ لبيــد في تشــكيل حكومة ضئيلة، لدرجة أنه لم يعلن أنه مرشّح لرئاسة الحكومة، مع انه يحلم بذلــك، فهو مرفوض من قبل الأحــزاب الحريدية الدينية من

جهة، ولن يستطيع تشكيل حكومة ثابتة تجمع حزب ميرتس من اليسار الصهيوني وحزب «يمينا» اليميني المتطرف.

الحزب المتوســط الثانــي هو «تكفــا ليســرائيل» (أمل لإسرائيل(، الذي أسسه جدعون ســاعر، بعد انسحابه من الليكود، في خطوة شكّلت أكبر تحدٍّ لنتنياهو في الانتخابات الحالية. أثار انشــقاق ســاعر عــن الليكود ضجــة كبيرة، وحصل في الاســتطلا­عات المبكرة على 22 عضو كنيســت، انخفضت تدريجياً إلى أن وصلت هذا الاســبوع إلى 13 فقط، وإذا اســتمر هذا التراجع فســيتحول هذا الحزب إلى حزب صغير، لا يشــكّل بديــلًا لنتنياهو، كما يعلن زعيمه ســاعار صباح مســاء. المقولة السياســية المعلنة لســاعار وحزبه هي أيضا إســقاط نتنياهو، والالتزام بعــدم الجلوس معه في الحكومة. أمّا من الناحية السياســية فيعد ســاعار أكثر تطرفاً من نتنياهو، وهو من أنصار «أرض إسرائيل الكاملة» ومقبول من الأحزاب الدينية، ويمكنه ان يشـّـكل حكومة، إذا حصل معارضــو نتنياهو على أغلبية برلمانية، وحصل حزبه علــى عدد كافٍ من المقاعد، وهذا ضعيــف المنال تبعاً لتراجع التأييد. يبدو ان مفتاح بقــاء نتنياهو، أو نزوله عن العرش موجود بيد نفتالي بينيت، زعيم حزب «يمينا»، الذي بدا قبل أســابيع أنه بديل لنتنياهو، لكنه تراجع تدريجيا ليصل إلى 11 مقعدا برلمانيا في الاســتطلا­عات الأخيرة. بينيت نفســه ينتمي إلــى التيار الديني القومي، وهو يمثل خطاً سياســياً أكثر تشــدّدا من نتنياهو، وهو من أنصار الاستيطان والضم والتهويد. وبســبب عدم قدرتــه على منافســة الليكود في التطرف، لجأ بينيت إلى هجوم على نتنياهو في مجال إدارة الأزمة الصحية والأزمة الاقتصادية، في محاولة لاســتقطاب المتضررين من الأوضاع الاقتصادية المتردّية. وعلى الرغم من الانتقادات اللاذعة التي يوجهها بينيت إلى نتنياهو، فإنه لم يلتزم بالجلوس أو عدم الجلوس معه في حكومة مشــتركة، وسيكون من الصعب، بل من المســتحيل على أحد أن يشكّل حكومة بدونه.

مقابل هذه الأحزاب الثلاثة يحافظ حزب الليكود، بزعامة نتنياهو، على مكانته كأقوى حزب في إســرائيل، على الرغم من تراجعه من 36 عضواً في الانتخابات السابقة إلى 29 نائباً في الاســتطلا­عات الأخيرة. ويعتمد تحالف الليكود الثابت على اصطفاف الأحزاب الدينية الثلاثة معه: حزب المتدينين الاشكناز «يهودوت هتوراة»، برئاسة موشيه جافني، ويصل في الاســتطلا­عات إلى 7 مقاعد بشكل ثابت، وحزب المتدينين الشرقيين «شاس»، برئاسة أرييه درعي، وتقدّر قوّته بمعدل 8 مقاعد، وحزب «الصهيونية المتدينة»، الذي يضم بتسلئيل

ســموتريتش ممثل غلاة المســتوطن­ين ومردخاي بن غفير، تلميذ كاهانا، ويحصل على 5 مقاعد في الاستطلاعا­ت. وكان نتنياهــو قد دفع بكل قوّة لهذا التحالــف اليميني العنصري الفاشي لضمان عدم سقوط قوائم يمينية تحت نسبة الحسم وضيــاع أصوات ومقاعــد للكتل المتحالفة معــه. لم يبق مع نتنياهــو أي حزب علماني، لا من اليمين ولا من الوســط، ما يصعّب عليه تشــكيل حكومة بعد الانتخابات، وهو بحاجة إلى دعم حزب «يمينا»، المكوّن من متديّنين وعلمانيين، وقد لا يكفيه ذلك لتشكيل حكومة، وسيحتاج إلى دعم حزب علماني له، لكن كل هــذه الأحزاب تخوض الانتخابــ­ات معلنة أنها تسعى لإسقاطه وتتعهّد بعدم التحالف معه. إزاء هذا المأزق يسعى نتنياهو إلى الوصول إلى تطعيم ضد الخسارة، حتى يأتي يوم الانتخابات، وقد جرى تطعيم الغالبية الساحقة من المواطنين في إسرائيل، وتمت السيطرة على جائحة كورونا بالكامل، ليقف أمــام الناخبين معلناً الانتصــار على الوباء طالباً منحه الانتصار في الانتخابات. وقد بدأ بالتسخين لهذا الإعلان بالقول إن إســرائيل ستكون قريبًا الدولة الأولى في العالم التي ســتنجح في احتواء جائحــة كورونا بالتطعيم الجماهيري. وقد جرى تســريب لقــاء لنتنياهو مع أصحاب محلات تجارية قال فيه، إنه كلما انخفضت معدلات الإصابة بكورونا ارتفعت شــعبيته، وتوقع أن يحصل تغيير كبير في موازين القــوى الحزبية، حين ينجح مشــروع التطعيم في القضاء على الوباء.

يغيــب ذكــر القضيــة الفلســطين­ية عــن الانتخابــ­ات الإســرائي­لية، في ظل الإجمــاع الصهيوني، الــذي يحظى بالتواطؤ العربــي والدعم الأمريكي والتســامح الأوروبي، ويتمتع بهدية الهدوء الفلســطين­ي. لن يكــون للانتخابات للكنيست أي بعد سياسي مهم سوى بقاء أو ذهاب نتنياهو. ولــن يكون بديل نتنياهــو، إذا وصل، اقل تطرفــاً منه لكنّه ســيكون أقل نجاعة منــه في صناعــة الأفعال الشــريرة، وبالأخص في تبرير وتمرير السياسات العدوانية العنصرية وتســويقها على أنها حرب «العالم الحر» ضــد «الإرهابيين البرابــرة». لقد اعتــادت القيادة الفلســطين­ية على انتظار نتائــج الانتخابات الإســرائي­لية، لعلّها تحمــل خيراً، لكن هــذه المرّة لا يوجد حتى ســراب أمل من هــذا النوع، وليس للفلســطين­ي أن ينتظر ســوى فعله هو، الــذي إذا جمع بين الحكمة والشــجاعة يمكن ان يحرّك الدنيا ويقيمها ويقعدها على رأس نتنياهو أو على رأس بديل نتنياهو.

اعتادت القيادة الفلسطينية انتظار نتائج الانتخابات الإسرائيلي­ة، لعلّها تحمل خيراً، لكن هذه المرّة لا يوجد حتى سراب أمل منها

 ??  ??

Newspapers in Arabic

Newspapers from UK