Al-Quds Al-Arabi

بين المواطن وتفكك المجتمع وأزمة الدولة العربية

- ٭ استاذ العلوم السياسية/ الكويت

■ كلما اقترب العالم العربي مــن تغير نمط العلاقة بــن المواطن من جهــة وصناع القرار مــن جهة أخرى، برزت عوامل ثبتت الأسلوب القديم في السيطرة الكاملة على الســلطات ثم على السياســة، والبرلمان إن وجد، والصحافة، والإعــام، وحرية التعبير والمعرفة وحرية العمل السياســي. مــازال النظام السياســي العربي منغمســا بتطبيقــات الســيطرة المطلقة علــى المجتمع واجياله الصاعدة. لكن تجارب المجتمعات مع اللامركزية والتغير والحريات تؤكد بأن السيطرة المطلقة تؤدي إن اســتمرت لفوضى مطلقة، وأن الفوضى تسير بنا نحو الدولة الفاشلة. لهذا فالســيطرة ثمنها الدولة الفاشلة كما هو حاصل اليوم في دول عربية كثيرة.

في المقابل إن ما يبدو على الســطح من أنه ســيطرة مطلقة علــى المجتمع وعلى حقوقه وحركتــه، وما يبدو أنه تجميع للســلطات في قبضة واحــدة يواجه تيارات مضادة له. فهناك تغيرات كبرى تقع في مجالات عدة. من أهم هذه التغيرات أن المواطن نفسه بدأ يرى التناقضات التي تحيط بواقعه، بل بدأ المواطن ومنذ بدايات الربيع العربي يبحث بصورة أكثر وضوحا عن حكومة مساءلة، بدأ يعي بأن الفساد سيدمر مستقبل أسرته، وبدأ يبحث عن حقــوق ثابتة تحميه من التعســف الحكومي أو من تعســف ذوي النفوذ. المواطن تغير، وهو لا يزال يتغير بينمــا يبحث عن علاقــة جديدة مع الدولــة والحكومة تمكنه من محاسبة الفساد وتطوير نظام اقتصادي يتميز بالعدالة ونيل حقوق ثابتة.

وبالرغــم من الــدور الكبير لثــورات الربيع العربي في نشــر درجات جديــدة من الوعي السياســي، إلا أن التغير والوعي ما كان ممكنــا أن يقعا لولا تغير المعادلة الاقتصاديـ­ـة، حيــث كانت الدولــة العربيــة منذ زمن الاســتقلا­ل وما بعده قد اســتقرت علــى أن تكون دولة خدمات تؤمن للمواطن الاحتياجات الصحية والتعليمية والمالية بما فيها الاســتقرا­ر السياسي والأمني. المعادلة الريعيــة القديمة تقــع جذورها فــي الدولــة العربية المستقلة، فمنذ الاستقلال وهذه الريعية بازدياد في دول لديهــا النفط وأخرى ريعية لكنهــا تملك موارد محدودة وتعتمد على دول الخليج في إدامة الريعية.

إن مقدرة الدولة العربية على رفع شــعار: «المواطن لا يحتاج من الدولة ســوى للمأكل والمشــرب والمسكن والعمل، مقابل أن لا يثير الاسئلة ولا يعارض او يناقش او يتســاءل او يحتج». بعض الدول العربية أصبحت نموذجا لهذه المعادلة، التي تحجم المجتمع والشعب كما وتضع سقفا لكل فرد وذلك لصالح نخبة صغيرة تحتكر كل شيء.

هذه الريعية بدأت تســقط، إن لم تكن قد سقطت في معظم دول العرب. هنا بالتحديد بدأ المواطن يكتشــف الخلل، فلا المأكل والمســكن والعمل استمر في الكثير من المجتمعات العربية، كما أن آفة الفساد لم تبق للاقتصاد دورا إنتاجيــا. لقد تغير كل شــيء، وذلــك لأن مصادر الكثير من الدول جفت كما أن اقتصادها لم يعد اقتصادا منتجــا، بل تحول لاقتصاد عمــولات، وهذا ترتب عليه اتســاع الهوة بين الأغنيــاء والفقــراء، بينما اصبحت الأغلبية من الطبقات الشعبية.

المعادلــة القديمة التي ســقطت رافقتهــا تراجعات واضحة فــي الخدمات الصحية كما ومســتوى التعليم في عمــوم العالم العربــي، بل رافقتها حالــة تفكك في القيم التضامنيــ­ة ضمن المجتمع، بل وقع المجتمع ضحية التشــرذم القبلي والطائفي الذي شجعته الدولة بهدف إبعــاد المجتمع عن الإصــاح والتضامن. فــي ظل هذا الوضــع أصبح كل جــزء من المجتمع يبحــث عن تأمين احتياجاتــ­ه باي طريقة. في مجتمــع كهذا تزداد حالات العنف، كما وترتفع حالات التعدي بين الناس.

بنفس الوقت لم تعد هناك دولــة معزولة عن البيئة الدوليــة والإقليمية، فــكل دولة عربيــة محاطة بدول أصغــر او أكبر منهــا، وهي محاطة بنظــام عالمي دولي تهيمــن عليه دول كبرى، وهــي بالتالي تواجه ضغوط اقتصادية لبيع بعض الثروات الوطنية، أو تواجه عجزا ماليا يضطرها لتنازلات اقتصادية وسياســية، كما أنها تزداد اعتمادا على الديون التي سترهق المواطن. العولمة بكل ما فيهــا من اقتصاد ونظام بنوك وأنظمة معلومات، تضيف المزيد مــن الضغوط على كاهــل الدولة، وتعزز من انكشــاف مشــكلاتها. فالمعلومات متوفرة، والأفكار والتجارب تنتقل عبر وسائل التواصل، مما يجعل رقابة الدولة على الآراء والحريات والكتب والصحف وغيرها بلا فائدة ســوى خلق مزيد من التوتــر وجعل مزيد من الناس على قناعة بأن الدولة غيــر قادرة على اللحاق

بالعصــر والمنافســ­ة او حتى حماية اقتصاد المستقبل.

ويشــكل تــورط الدولــة بحــرب أو اكثــر، بمعركــة حدوديــة أو أكثر، مدخلا لمزيد من المخاســر في الموارد، فمع الحرب تبرز على الســطح الروح العســكرية، كما ويزداد التفكك بسبب عدم قبول قطاعات مــن المجتمع بمنطق الحــرب، وهذا يضع عددا من الــدول العربية أمام صعوبات كبيــرة. إن الحروب وحروب الاســتنزا­ف، كما والثورات في مناطق محددة في أطراف البــاد، اضافة للغضب الشــعبي، كل هذه عوامل تسهم في إضعاف الدولة.

إن نتيجة ما ســبق هو مزيد مــن القلاقل، ومزيد من خروج المواطن عن ســلطة الدولة بسبب أزمة الشرعية وعدم تلبية الحقوق الأساســية، بل وبالطبع سيؤدي كل ذلــك للتفــكك المجتمعي وهجــرة الكفــاءات، لكنه سيؤدي لبروز حركات سياســية مدنية ومسلحة أكثر زخما في معارضتها وأكثر قوة في مواقفها. لقد سقطت المعادلة العربيــة القديمة، لكن المعادلــة الجديدة التي تنادي بالاقتصاد المنتج وبالعدالة والمساواة والحقوق عاجزة حتى الآن عن تثبيت نفسها. وهذا يعني أن قوة الدفع الأساســية مازالت في منطقتنا تسير نحو الدولة الفاشلة.

 ??  ??
 ??  ??

Newspapers in Arabic

Newspapers from UK