Al-Quds Al-Arabi

عن كل ما نحتفظ به لننساه!

- إبراهيم نصر الله

رسائل

كنا نكتب رســائل طويلة، بل طويلة جداً أحياناً، يكتبها الآباء لأبنائهم فــي الغربة، ويكتبها العشــاق لمعشــوقيه­م في الوطن والغربة أيضاً، يكتبهــا الأصدقاء والأعمام وكل من تربطهم علاقة عميقة قويــة بأصدقائهم وأماكنهم الأولــى، أماكنهم التي ابتلعها الإسمنت وحوَّلها إلى جدران، أو إلى أولئك الذين سافروا إلى مدن إســمنت جاهزة أعلى وأكبر، وتحولوا إلــى جزر معزولة لا تحمل الطائرات إليها، ومنها، ســوى ما خف حمله من أحبابهم: شــوق أولئك الأحباب في كلمات.

كانت بعض الرسائل تطول بحيث تشكل فصلاً من كتاب، مع أن بيت الحبيب عن الحبيبة قد لا يتجاوز بعده أكثر من مئات الأمتار.

ضمرت الرسائل، بتحوّلات وسائل الاتصال، مثلما تضمر أقدام العاملين على القوارب الصغيرة، بحيث انكمشــت وانكمشت إلى أن غدت مجرد برقيات.

لم نحبّ البرقيــات يوماً، في الغالب الأعــمّ، كانت تحمل إلينا أخباراً ســيئة، أو أموراً طارئة، فيرتجف القلب كلما وقف ســاعي بريــد أمام الباب وهو يناولنا إياها بصمــت. هذه البرقيات كانت دائماً مثل المكالمات التي تأتينــا بعد منتصف الليل، أو عند الفجر، ونحن نائمون، مُختَصَرة، فلا نســمع فــي رنين هواتفنا حينها إلا نذر الشؤم.

أتأمل بعض الرســائل القديمة لديّ، مثلما أتأمــل أعمالاً فنيّة! فهناك الطابع وعنوان البيت، أو صندوق البريد، واســم الُمرسِل، وملمســها. كان الملمس جزءاً منها، وكانت الخطوات القليلة التي نخطوها مبتَعدين عن باب مبنى البريد، أو أقرب شخص موجود بجانبنا، للحصول على مســافة آمنة للانفراد بتلك الكلمات التي قطعت بحاراً وبلاداً شاســعة للوصول، أحياناً، أو قطعت حارات ممتلئــة بأعين فضولية وأعين حاســدة وأعــن مترقّبة، كان ذلك الابتعــاد لا يختلف عن ذلك الحسّ العميق الذي يســكننا ونحن ننفرد بمرسل الرسالة نفسه، حين كان قريباً.

هل كان ذلك الحرص والشغف والانتظار في رسائلنا تعويضاً عن شوقنا لبشر لا نراهم ولا نستطيع لمسهم أو سماعهم؟ هل كان ذلك الفيض العارم من الكلام العذب سبباً أيضاً؟ وهل كان الحنين الجارف هو ما يدفعنا للحرص على أن تتجلى اللغة التي سيقرأها «المفتَقد» على الطرف الثاني من الجدار العالي؟ أم كانت رســائلنا إليه تســعى لبلوغ ما لا نبلغــه في حديثنا العــادي، لو أتيح لنا الحديث العادي بلا منغصات أو رقبــاء، أو حتى خجل الذات من بوحها بكل ما فيها؟

هل كان لا بد من الرسائل، تلك الرسائل الورقية، لكي نبوح أكثر وأفضل؟

ربمــا. حين وصلنا إلى عصر البريد الإلكتروني تغير شــيء ما في رســائلنا، أصبحت أقصر، وربما فقدت بعض حرارتها، لكنها ظلت تنتمي لجوهر الرســالة، في مراحلها الأولى على الأقل، حين كان الحصــول على الإنترنت مســألة غير متاحة تمامــاً، لكنها ما إن أصبحت متاحة جداً حتى راحت رســائلنا تضمر إلى أن غدت برقيات، وما إن وصلنا إلى عصر الواتساب وإخوته وأخواته من وسائل الاتصال، حتى ضمرت رسائلنا تماماً، بل أصبحنا نتكاسل في الكتابة، فنعيد إرسال ما يرسله الآخرون إلينا!

لقد ضمرت رســائلنا بحيث لم تعد قادرة على أن توصلنا فعلاً إلى أرواح مــن نحبهم كما ينبغــي أن توصلنــا، أو توصلهم. كم تغيَّرنا ونحن نختزل عدد كلماتنا، أو نختزل أنفســنا، أو تختزلنا «طبيعة العصر» حتى ونحن نستخدم كلمة مثل أحبك، أو اشتقت إليك!

.. اليوم تصلك رســائل شــبه يوميــة من أصدقــاء مبدعين، كرســائلك التي ترســلها إليهم، ولكنها غير صالحة للنشر، لمحات مستعجلة، أقل أهمية بكثير من همومنا وأسئلتنا!

هل تمنحنا العزلــة أرواحاً أكثر صفاء للوصــول إلى جوهرنا ونحن نكتب لسوانا، أو نكتب لأنفسنا، أو نكتب، كما لا نكتب حين نكون محاطين بآخرين؟

هل لهذا أصبح محو الرســالة الإلكتروني­ة القصيرة بســهولة، جزءاً من ســهولة كتابتها، ولإدراكنا العميق أن ذلك الُمرســل على بعــد متريــن، أو آلاف الكيلومترا­ت قد كتبها بســهولة، بينما هو يتحدث مع شــخص آخر، أو يشــاهد فيلماً، أو يتناول وجبة، أو حتى أمام إشارة للمرور، بحيث لا نحس بفداحة قيامنا بمحوها؟

 ??  ??

Newspapers in Arabic

Newspapers from UK