Al-Quds Al-Arabi

الهند من عدم الانحياز ومناصرة الفلسطينيي­ن إلى عشيقة إسرائيل السرّية والمعلنة

- الناصرة ـ «القدس العربي» من وديع عواودة:

يؤكد مركز أبحاث مختص بالشؤون الإسرائيلي­ة أن اليمين الشعبوي يؤازر بعضه البعض في العالم، ويقدم العلاقات الهندية ـ الإســرائي­لية نموذجا علــى ذلك، فيما يؤكــد باحثون إســرائيلي­ون دور الإمارات في تشجيع الهند وغيرها نحو تعميق علاقاتها مع دولة الاحتلال.

ويرى المركز الفلســطين­ي للشــؤون الإســرائي­لية "مدار" أنه لم يكن من شــأن حادثة تفجير قنبلة بدائية الصنع قرب الســفارة الإسرائيلي­ة في نيودلهي في الشــهر الماضــي، أن يؤثر قطّ علــى العلاقات الهندية - الإســرائي­لية النامية والمزدهــر­ة، أو يعكّر صفوها، لكــن الحادثة وفرت مناســبة لرئيس حكومة الاحتــال بنيامين نتنياهو كــي يتصل بنظيره الهندي ناريندرا مودي، فيشكره على حماية الدبلوماسي­ين الإسرائيلي­ين، وليتبادل الاثنــان أطراف الحديث فــي مجموعة من مجــالات التعاون المشترك.

وقالت نشرة "تايمز أوف إســرائيل" في عددها في الثاني من فبراير/ شــباط 2021 إن "علاقات وثيقة تربط الزعيمين مودي ونتنياهو، وغالبا ما يغدق أحدهما المديــح على الآخر . وخلال محادثتهمــ­ا البروتوكول­ية القصيــرة اتفق الطرفان على التعاون في مجــال اللقاحات ضد كورونا، بينما أكد مــودي على دعم إســرائيل فــي محاربة "الإرهــاب"، كيف لا والحادث الذي تزامن مع الذكرى29 لإنشــاء العلاقات الدبلوماسي­ة بين الجانبين، لم يسفر ســوى عن أضرار بســيطة لبعض السيارات، ولكن تبنته منظمة أطلقت على نفســها اســم "حزب الله الهنــد" مع أن أحدا لم يسمع باسم هذه المنظمة من قبل.

نتنياهو الذي ســعى دائما لتســويق إســرائيل كدولة محبة للسلام والتعاون مع باقي الدول والشــعوب، وتصوير النضال الفلسطيني ضد الاحتلال على أنه من نفس طبيعة "الإرهاب الإسلامي" بدءا من أحداث11 ســبتمبر/ أيلول 2001 وجد ضالتــه في رئيس الــوزراء الهندي مودي الذي يمثل حزب بهاراتيا جاناتا الهندوســي المتشدد، الذي تواجه بلاده حركات انفصالية وأشــكالا متعددة من التمرد والعصيان المسلح بعضها ذو طابع قومي وبعضها طائفي، إلا أن مودي وحزبه يفضل تصنيف هذه الحركات ضمن ما بــات يعرف بـ"الإرهاب الإســامي" تماما مثلما يفعل نتنياهو ومنظومة الحكم في إسرائيل تجاه الحركة الوطنية الفلسطينية.

وهكذا فــي رأي" مدار" أيضا تجتمــع مجموعة مــن العوامل بدءا من مكافحة ما يسمى "الإرهاب" إلى مكافحة كورونا لـتضخ مزيدا من الحياة والحيويــة في علاقات نامية ومزدهرة فــي مختلف المجالات الاقتصادية والتجاريــ­ة والعلمية والسياســي­ة، وأبرزها على الإطــاق هو التعاون في المجال العسكري وتصدير الســاح الإسرائيلي للهند التي تعتبر أكبر زبون للصناعات العسكرية الإسرائيلي­ة، بينما تعتبر إسرائيل ثاني أكبر موردي السلاح لها.

من السر إلى العلن

وفي هذا الســياق قال المحلــل الإســرائي­لي دافيد روزنبــرغ في مقال له نشــرته صحيفــة "هآرتس" في الخامــس من يوليو/ تمــوز 2017، إن إسرائيل اشتكت دائما من معاملة الهند لها كعشيقة سرية، تتمتع بسحرها وصناعاتها العســكرية والتكنولوج­يــا الخاصة بهــا، ولكنها تخجل من الإفصــاح عن هذه العلاقة، ولا ترغب في جعلهــا علانية. ومن الواضح أن الهند تجاوزت هذا الحرج بالتدريج ومنذ وقت طويل، إلى درجة باتت فيها هذه الدولة الآسيوية العظمى أكبر مشتر للسلاح الإسرائيلي، وثالث أكبر شــريك تجاري لإسرائيل، وعاشر شريك بشــكل عام بحجم تبادل تجاري يصل إلى ما يزيد عن 5 مليارات دولار سنويا ما عدا المشتريات العسكرية.

ويوضح روزنبيــرغ أن هذه العلاقات الناميــة والمزدهرة، والتي نمت بســرعة كبيرة خــال العقدين الماضيــن، مرتبطة بصعــود نجم اليمين الشــعبوي الهندي وحزبه الأبــرز بهاراتيا جاناتا، وهــي تأتي بعد عقود تميزت فيها الهند برئاســة قادة حــزب المؤتمر بمواقفهــا المؤيدة للقضية الفلســطين­ية والقضايا العربية بشــكل عام، والدور المركزي الذي لعبته الهند برئاسة جواهر لال نهرو ثم أنديرا غاندي وابنها راجيف ضمن حركة عــدم الانحياز، في تأييد حــركات التحرر ومناهضة الاســتعما­ر والنفوذ الأميركي في العالم.

كذلك يلحظ تقرير ""مدار الاستراتيج­ي الصادر مطلع عام 2015 والذي يغطي عام 2014، أن العلاقات الهندية - الإســرائي­لية ازدادت اتساعا في عام 2014، وتوقع ازدياد هذا التعاون بعد انتخابات الهند في العام ذاته والتي أدت إلى صعــود اليمين القومي الهندي، ومجــيء رئيس الوزراء ناريندرا مودي والذي ســبق له أن التقى نتنياهو خلال اجتماعات الأمم المتحدة فــي أيلول 2014، واعتبر اللقاء الأكثر أهمية بين لقاءات نتنياهو، حيث أن مودي معــروف بـ عنصريته تجاه الأقلية المســلمة الكبيرة في الهند، ونتنياهو معاد للأقلية العربية الفلسطينية في إسرائيل. وأضاف التقريــر الذي أعــده الباحث مهنــد مصطفــى أن كلا الزعيمين يطوران سياسات قومية تربط الدولة بالمجموعة العرقية، وكلاهما يواجهان دولا إســامية نووية، باكستان بالنسبة للهند، والمشــروع النووي الإيراني بالنسبة إسرائيل.

عودة إلى غاندي

وكان مودي هذا قد زار إسرائيل في 2006 حين كان وقتها رئيسا لحكومة غوجــارات الإقليمية، وطلب في حينه زيارة منزل الزعيم الأول المؤســس لإســرائيل دافيد بن غوريون في النقب، وأعرب عن دهشته لرؤية صورة غاندي بجوار ســرير بن غوريون، وقــال عن العصــر الذهبي للعلاقات الإســرائي­لية - الهندية: " منذ تلك اللحظة شعرت بقرب هائل في أعماقي تجاه إســرائيل" . وتجاهل مودي موقف المهاتمــا غاندي تجاه الصهيونية والقضية الفلســطين­ية مع أنه اغتيل قبل نكبة 1948 و قيام إســرائيل، ولم يتســن له الاطلاع على عمليات التطهير العرقي ضد الفلسطينيي­ن، ولا على سياساتها العدوانية اللاحقة واحتلالها لباقي أراضي فلسطين.

وينقل الدكتور عبد الوهاب المسيري، المختص في دراسات الصهيونية واليهودية، عن غاندي قوله في دراســة نشــرتها "الجزيرة": إن ما يجري في فلســطين لا ينتمي لأي منظومة أخلاقية، ومن الخطأ فرض اليهود على العرب" . وإذ يبدي غاندي تعاطفه إزاء ما تعرض له اليهود من اضطهاد في أوروبا، فإنه يرى حل مشــكلاتهم في أن يتلقوا معاملة عادلة، حيث وُلدوا

وتربــوا، وإذا كان اليهود قد عانوا على يــد العالم الغربي، فعلى الغربيين إذن أن يعوضوهم عما اقترفوه في حقهم من جرائم.

كما يرصــد تقرير "مدار الصادر في 2017 اســتمرار تعزيز التحالف الاســترات­يجي بين الهند وإســرائيل في مختلف المجــالات، حيث قام الرئيس الإســرائي­لي رؤوفين ريفلين بزيارة للهند في نوفمبر/تشرين الثانــي 2016 هــي الأولى من نوعهــا، وصرح مودي وقتهــا أن الهند تســتطيع أن تستعين بالقدرات الإسرائيلي­ة في مجالات الزراعة والري ومواجهــة الجفاف، وأضاف أن الفرص الاقتصادية في الهند تنســجم مع القدرات الإســرائي­لية سواء في بناء الهند الرقمية، أو في بناء المدن الذكية.

2017 .. تحوّل نوعي

وكان عــام 2017 عام تحول نوعي في مســيرة العلاقــات الثنائية بين الطرفــن، حســب تقرير"مدار" لعــام 2018، حيث قام مــودي بزيارة إلى إسرائيل في يوليو/ تموز كانت الأولى من نوعها لرئيس وزراء هندي، وقد رد عليهــا نتنياهو بزيارة الهند في يناير/ كانون الثاني 2018 . وقام مودي ونتنياهو تجسيدا لهذه العلاقات المتميزة بين الجانبين ورئيسي وزرائهما، بنشر مقال مشــترك في كل من صحيفة "يسرائيل هيوم" العبرية، و"تايمز أوف إنديا" الهندية بعنوان "إســرائيل والهند: يدا بيد نحو المستقبل"، ركز فيه الرجلان على ما يجمع البلدين والقضايا المشــتركة من دون أية إشارة للقضايا الخلافية، أو الموقف من القضية الفلسطينية.

واســتعرض معهد دراســات الأمن القومــي التابع لجامعــة تل أبيب أســباب التحولات في سياســة الهند الخارجية تجاه إســرائيل وقضية الشرق الأوســط. ويشير إلى أربعة عوامل، هي: مســاعي الهند لتكريس مكانتهــا كقوة عظمى، حاجة الهنــد إلى تأكيد "صورة الأمــة الهندية" في ضوء التحولات الاقتصادية العاصفــة، وبعد عقود من ظهور الهند بمظهر الدولــة المتخلفة التي هي بحاجة لدعم الآخريــن، بالإضافة إلى التغيرات فــي موازين القوى العالمية وبــروز الصين، جارة الهنــد، كقوة اقتصادية وعسكرية جبارة، ومجيء ناريندرا مودي للحكم.

Newspapers in Arabic

Newspapers from UK