Al-Quds Al-Arabi

أسعار الفائدة المتغيرة هي الموضوع الأكثر جدلاً في تركيا سياسياً واقتصادياً منذ عقود

- إسطنبول - «القدس العربي» من إسماعيل جمال :

منذ عقود طويلة، اســتمر موضوع أســعار الفائدة المتغيــرة من المواضيع التــي تثير في تركيا أشد أنواع الجدل وأكثرها إثارة سياسياً واقتصادياً، لا ســيما في العقدين الأخيرين من حكــم الرئيــس التركي رجب طيــب اردوغان الذي يصر على ضرورة خفض أسعار الفائدة، لمكافحــة التضخم، علــى عكس ما يــراه بقية الاقتصاديي­ن في العالم، ويصف نفسه بـ»عدو الفائــدة»، لكنه ما يلبــث أن يواجه صعوبات اقتصادية تدفعــه مجبراً علــى القبول مجدداً برفع أسعار الفائدة.

وخلال ســنوات طويلة ما أن ترتفع أسعار الفائدة حتــى يتم خفضها بنــاء على ضغوط اردوغان. وما أن تنخفض وترفع التضخم حتى يُضطر صنّــاع القرار الاقتصادي والسياســي إلى رفعهــا لمواجهة الآثــار الصعبــة لها على الاقتصاد، وهو ما خلق حالة من عدم الاستقرار أضرت بالاقتصاد بشــكل عام والعملة التركية والمستثمري­ن بشكل خاص.

يقــول اردوغان إنــه العدو الأول لأســعار الفائدة ويهاجم بشكل متكرر ما يصفه بـ»لوبي الفائــدة » الذي يلقي عليــه باللائمة في الكثير من الصعوبات الاقتصادية التي تمر بها البلاد، لأنه يؤمن أن رفع أســعار الفائدة هو ما يؤدي إلى رفع نسبة التضخم، ويشدد على عكس كل منطق اقتصادي علــى أن التضخم نتيجة لرفع أســعار الفائدة، وليس السبب الذي يدعو إلى رفعها، وهو ما يختلف معه معظم الاقتصاديي­ن

في تركيا وخارجها الذين يدعون لرفع أســعار الفائدة لخفــض التضخم الذي وصل في تركيا إلى أكثر من 15.٪

ومنذ وصوله إلى الحكم عام 2003، ســعى اردوغان عبر الحكومات المختلفة التي ترأســها أو من خلال موقعة في الرئاسة للضغط بشكل دائم على وزراء الاقتصــاد والبنك المركزي من أجل خفض أســعار الفائدة، وهاجم على مدار العقديــن الماضيــن العديد من رؤســاء البنك المركــزي الذين قاوموا الضغوطــات ورفضوا خفض أسعار الفائدة.

زيادة التدخلات

وبعدمــا منحتــه التغييرات الدســتوري­ة الأخيرة بموجب النظام الرئاســي الصلاحية تعيين رئيس البنك المركــزي، تدخل اردوغان أكثر من مرة وغير رئيس البنك المركزي، وهو ما اعتبرته أوساطاً محلية ودولية تدخلاً مباشراً من قبــل الرئيــس والحكومة في اســتقلالي­ة البنك المركــزي. إلا أن اردوغــان يرد على ذلك بالقول إن على البنك المركزي العمل بما يتلاءم مع التوجهــات الاقتصادية للرئيــس لا العمل بمنعزل عنه.

يذكر أنه في سبعينيات القرن الماضي، كانت أرقــام الفائدة الرســمية الصــادرة عن البنك المركزي بمتوســط 10٪، وفــي الثمانينيا­ت ارتفعــت تدريجياً لتصل إلى قرابة 50٪، وفي التســعيني­ات وصلت إلى أعلى نســبها رسمياُ عند قرابة 60٪ وعملياً إلى قرابة 90٪، وعند اســتلام حزب العدالة والتنمية الحكم بحلول عام 2003 كانت نسب الفائدة قرب الـ50.%

وفور تسلمه الســلطة، بدأ اردوغان بطرق مختلفة محاولات لخفض نسب الفائدة وحافظ على معدلها بمتوســط 25٪ حتى عام 2008، ولاحقاً إلى متوســط 15٪ حتى عــام 2012، في حين نجح لأول مرة في إنزال ســعر الفائدة لخانــة الأحاد عــام 2014 بفائــدة 9٪، وإلى 7.8 عــام 2017، وهــي أفضل ســنوات الأداء والاســتقر­ار الاقتصــاد­ي لحكومــات العدالة والتنمية.

ومع تصاعــد الاضطرابــ­ات فــي المنطقة، وزيادة تأثيرات الأزمة الســورية على الداخل التركي وتعاظــم الخلافــات والصراعات في المنطقة والتي انخرطت فيها تركيا، ومع حدوث محاولــة الانقلاب عــام 2016، عــاد الاقتصاد التركي ليواجه تحديات غير مســبوقة أعادت الاضطراب بشــكل كبيــر إلى أســعار الفائدة والتضخم، وتحول منحنــى الانخفاض الذي انتهجــه اردوغــان على مــدار 15 عامــاً إلى التذبذب بقوة.

فبعد أن أضطر إلى رفــع الفائدة مجدداً إلى قرابة 25٪ للســيطرة على الانخفاض الحاد جداً في أســعار صرف الليــرة التركية، خلال تولــي صهره بيــرات البيــرق وزارة الخزانة والمالية، أجبــر اردوغان البنــك المركزي على خفض أســعار الفائدة لمســتويات جديدة غير مسبوقة، فبعد أن وصل سعر الفائدة في تركيا إلى 25٪ تمكن من خفض هذه النسبة إلى أقل من 10٪ مجدداً.

لكن ومع تعاظــم التحديــات الاقتصادية، وانخفاض العملة التركية لمســتويات تاريخية غير مســبوقة، والاســتقا­لة الغامضــة لوزير المالية بيــرات البيــرق العام الماضــي، اتخذ اردوغان قراراً بإجــراء إصلاحات اقتصادية وعين وزيراً جديــداً للمالية قبل أن يعيد تغيير رئيــس البنك المركزي، مانحــاً إياه صلاحيات للقيــام بــأي خطوات يمكــن أن تســاعد في السيطرة على الانخفاض الحاد في قيمة العملة التركية. وكان رفع ســعر الفائــدة هو الخيار الأول للرئيس الجديد للبنك المركزي، حيث وعد اردوغان ووزير الماليــة ورئيس البنك المركزي في تصريحات مختلفة بتعزيز استقلالية البنك المركزي وتشديد السياسة النقدية في محاولة لإعادة ثقة المستثمرين بالاقتصاد التركي.

تثبيت ووعد بالاستمرار

وأمس الخميس، أبقى البنك المركزي التركي على ســعر الفائدة الرئيســي عند 17 في المئة، وذلك دون تغيير للشــهر الثاني على التوالي، بعد رفعها بشــكل كبيــر مرتين بهــدف تهدئة التضخــم الذي صعــد إلى 15 في المئــة. وقال البنك أن تشــديد السياســة سيســتمر لفترة طويلة، ووعد بمزيد من رفع الفائدة إذا اقتضت الحاجة، على الرغم من أن سعر الفائدة التركية هو الأعلــى في جميــع الاقتصــاد­ات المتقدمة والناشئة.

وقال البنك في بيان بعد الاجتماع الشــهري للجنــة السياســة النقدية «موقف السياســة النقدية الذي يميل للتشــديد سيســتمر بشكل قاطع، مــع الأخذ في الحســبان هدف توقعات أواخر 2021، وذلك لفترة طويلة إلى أن تشــير مؤشــرات قويــة إلــى تراجع دائــم للتضخم واستقرار الأســعار »، مضيفاً «من المقرر تطبيق المزيد من التشديد النقدي إذا اقتضت الحاجة.»

وأدى التذبذب والتغيير الكبير في أســعار الفائدة إلــى تراجع ثقة المســتثمر­ين، وهو ما دفع بوزيــر المالية الجديد لتقديم تطمينات عبر تصريحات مختلفة بأن رفع أسعار الفائدة هذه المرة لن يكون مؤقتاً وسيســتمر لفترة طويلة، في محاولة لطمأنت المســتثمر­ين وحثهم على تحويل ودائعهم إلى الليرة التركية.

لكــن كثير مــن الاقتصاديي­ن يشــككون في قدرة الوزير على الوفــاء بتعهداته على المدى المتوســط أو البعيــد لا ســيما في ظــل تأكيد اردوغان في كل مناســبة معارضته رفع أسعار الفائدة التــي ما يلبث أن يجــدد الضغط على البنك المركزي لخفضها عقب تحقيق اســتقرار جزئي في سعر صرف العملة التركية.

لكــن مقربين من وزير الماليــة الجديد ناجي أغبال يرون أن الوزير حصل على مساحة حرية جيدة من الرئيــس التركي للعمل بما يصب في مصلحــة الاقتصــاد التركــي والحفــاظ على الاســتقرا­ر، لا ســيما فيما يتعلق بسعر صرف الليرة وخفض نســبة التضخم حتى ولو كان ذلك عــن طريق رفع أســعار الفائدة، معتبرين أن الوزير لديه القدرة على اقناع اردوغان بأي إجراءات اقتصادية حتى لو كانت لا تتوافق مع رغبة الرئيس التركي.

 ??  ?? الرئيس التركي رجب طيب اردوغان
الرئيس التركي رجب طيب اردوغان

Newspapers in Arabic

Newspapers from UK