Al-Quds Al-Arabi

النقد الأدبي بعيدا عن تقديسين

- ٭ كاتب لبناني

■ التقديســا­ن: يحلو لكثيــرٍ من الأدباء والنقاد الحديث عن الشــكل والمضمــون، فيأخذ بعضهــم على بعض النقــاد العناية بمضمون النص الأدبــي، والوصول بــه إلى مرتبة التقديس، ويأخــذ بعضهم الآخر على نقاد آخرين العناية بشــكل هذا النص والوصول به إلى مرتبة التقديس نفســها، ووضع ترســيمات يكون فهمها أصعب من فهم النص نفســه، إضافة إلى اســتظهار تنظيرات لأسماء منظرين غربيين تصر عن انبهار، وتهدف إلى أبهى.

الصدور عن منظور قاصر...

والواقــع أن كلا الاتجاهــن ينظر إلــى النص الأدبي مــن منظور غير قــادر علــى إدراك حقيقته، ذلــك أن هذا النــص ليس مضموناً وشــكلاً منفصلين، يمكن التحدث عــن أحدهما بمعزل عن الآخر، وبوصفه كائناً مســتقلاً، فالنص كل متكامــل، يتألف من مكونــات ـ عناصر تنتظم في نظــام علاقات بنيــة أدبية تنطق بدلالة كاشــفة. لنفــرض أن المكونات ـ العناصــر المنتظمة في نظــام علاقات بناء كلي هي الشــكل، وأن الدلالة هــي المضمــون، فالمتلقي لا يســتطيع أن يتبــن الدلالة/المضمــون إن لم يعــرف المكونات ونظام العلاقات المنتظمة فيه حق المعرفة، أي ينبغي أن يصفها ليعرف ما تنطق به من دلالة، فالمادة اللغوية المتشكلة من منظور معين، تتخذ الشــكل الذي ينطق برؤية هذا المنظــور إلى العالم، فالمنظور الذي تلده التجربة الحياتية الأدبية هو الذي يشكل النص الأدبي، سواء أكان ذلك التشكيل واعيا أم لاواعيا، وفاقا لطبيعة التجربة. فالشكل هنا هو شــكل المنظور/الرؤية، الذي لا نستطيع الفصل بين عناصره إلا على سبيل تسهيل عملية إنتاج معرفة بالنص، المتكونة من إجراءات منهجية.

حقيقة النص الأدبي

وإن عدنــا إلى عملية الإبــداع ورأينا كيف تتم، لعرفنــا حقيقة النص الأدبي، ففــي هذه العملية تحكــم الرؤية الفريدة - المنظــور التي تمليها التجربة تشــكل البنــاء اللغوي، وتكون شــرطه المكون، وهــذا يعني أن ينبثــق البناء اللغوي مــن التجربة المكونة رؤيــة، وأنْ تكون عناصر هذا البنــاء فــي علاقــة عضوية في مــا بينها، مثــل علاقة النســغ بالغصن. ويمكــن إيجاز ما يتميز به البناء الأدبــي الأصيل بميزتين: الميزة الأولى، وحدة بنيوية بين ماذا نرى؟ وكيف نرى؟ وهذه وحدة نشــوء، أي يكون الســؤال الأول شــرط تكون الثانــي، والميــزة الثانية، نشــوء نظام من العلاقات بــن عناصر البناء عضوي يشــبه علاقة العطــر بالزهرة، أي توظف العناصر جميعها في نظام علاقات يرشح بالعطر، بالدلالة.

دراسة النص الأدبي

وإن كان من دراســة جزئيــة لهذا المكون، أو ذاك، فهذا ليس دراســة لا للمضمون ولا للشــكل، وإنما هو دراســة لهذا المكون، من حيث هويته وموقعــه فــي نظــام العلاقــات، ودوره فــي إنتــاج فاعلية هــذا النظام الجمالية الدلالية. فلو أردنا، على ســبيل المثال، دراسة المدينة في رواية معينة، أو في عدد من الروايات تنتظم في مجموعة ما، فإن هذه الدراسة ليســت دراســة فــي المضمــون، لأن المدينة عنصــر من عناصــر المكان/ الفضاء الروائي، وهذا مكون أساس من مكونات البناء الروائي. كما أن هذه الدراسة ليست دراسة في الشكل، لأن هذا العنصر، يتخذ، بوصفه مكوناً ذا هوية محددة، موقعاً في البناء الروائي يؤدي منه دوراً/وظيفة فــي إنتاج الفاعلية الجماليــة الدلالية. وهكذا لا يمكــن الفصل بين هوية مكــون من مكونات نظــام العلاقات وموقعــه ودوره/وظيفته في إنتاج فاعليــة النص الجمالية الدلالية، فما يســمى المضمون في النص الأدبي هو مضمون جمالي، وليس مغزىً أو معنى مجردين.

الشعر الجاهلي والمضمون ـ الشكل الجمالي

وقــد يرى بعض الأدباء أو النقــاد أن هذا الكلام يصدق على الرواية، أو على الشــعر الحديث، ولا يصدق على جميع النصوص الأدبية. وفي رأينــا أن هــذا الكلام يصدق علــى جميع النصــوص، خاصة النصوص الأدبيــة، الصادرة عن منظور إلى العالم، لتنطق برؤية إليه. وليكن مثالنا على ذلك مثالاً غير متوقع، وهو الشعر الجاهلي، أو المعلقات على سبيل التحديــد. تبدو نصوص هذا الشــعر مفككة في نظرة أولى ســريعة، أو نظرة ســطحية، كررها كثير من النقاد، والحقيقة هي أن هذه النصوص تصــدر عن منظــور كونته تجربــة العيش في العصــر الجاهلي، ومفاده ســعي الإنســان الجاهلي إلى مقاومة الموت، والبقاء واقفــاً، ومنتصراً فــي ظروف حياتية تهدده بالفناء، ولــذا كانت جميع مكونات القصيدة تنتظــم في وحــدة محورها الشــاعر ـ الفــارس القوي القــادر. وعلاقته بأشــياء عالمه تتحدد من حيث جدواها له ولبقائــه منتصراً وواقفاً غير منحــن، فهذه الأشــياء، جميعها، وســائله لهــذا البقاء، مــن ناقة قوية وحصــان جواد وامرأة جميلــة وخمرة صافية... وســيف قاطع... وإن كان من مبالغة، في هذا الشأن، فهي عنصر دال على السعي للإحساس والاقتنــا­ع بامتلاك القوة الكافية للانتصار علــى من وما يهدده بالفناء. وهــو إنما يفخر ليُرهب ويُخــاف، ويعلم الآخر مدى قوتــه، وليعتقد هو شخصياً بذلك، ويهجو ليثبط من عزم الآخر ويضعف ثقته بنفسه... إن أشياء عالمه هي أشياؤه التي تجعله فارساً. واللافت أن رواية معاصرة تؤكد هذا، ففي رواية «لا تنبت الجذور في الســماء» ليوســف حبشــي الأشــقر، يقــول إســكندر المهــدد بالقتل من إحــدى ميليشــيات الحرب اللبنانية: «إنك عندما تصل إلى المرأة كوسيلة، أو كعذر، تكون رجلاً».

رأى الشــاعر الجاهلي إلــى عالمه من هذا المنظــور، وتمثلت رؤيته في بناء شــعري ينطق بها، عــاوة على أنه يــؤدي الوظيفة نفســها، وهي البقاء فــي الأذهان والصــدور، ومقاومة الفناء، فالتجويــد الممتد حولاً كان مــن أجل فرض حفظ الشــعر على الــرواة، وإلا ما كانــوا ليحفظوه لو لــم يكن جيداً، والجَرْسُ العالي للمعجم اللفظي كان من أجل إســماع الخطــاب، والوضوح كان من أجل ســرعة فهم الخطــاب، وكذلك كانت بساطة تركيب العبارة، ووحدة البيت، أو الشطر، إنما كانت من أجل أن يبقى لهذا البيت أو الشــطر وجود، ولو فُقِدَت القصيدة، كلها ونســيتها الذاكــرة. والبنية التــي تبدو مفككة، مــن منظور من يبحــث عن الوحدة الموضوعية في الشــعر، تتمثل فيها وحدة من نوع آخر هي الوحدة التي تحدثنــا عنها آنفا، أي وحدة النشــوء والتشــكل البنيــوي، وفي النص الشعري كما هو معروف لا نبحث عن وحدة موضوعية.

إنها مقاومة للفناء في فضاء الصحراء حيث الشــفوية والحروب... أي حيــث فُقِدَ التدويــن واحتمال فقد الرواة، وبغيــة مقاومة هذا الفقد، كانت القصيدة الأنموذج تتضمن رؤية إلى تجربة العيش كاملة، مبتدئة بالطللية، التــي تملي التداعيات، المرتبطة بالرحيــل الدائم صوب الغيث فــي بيداء موحشــة خطرة.. في هــذه البيداء كان الشــعر ذا وظيفة في البنــاء المجتمعي، ينطق بالرؤيــة التي تتيح للجاهلــي أن يبقى في حالة تأهب دائمة، كما يقول الشاعر: إذ لا أزال على رحالة سابح نهدٍ تعاوره الكماة، مُكلم...

إنتاج معرفة جمالية دلالية

إن هــذا إلا مثــال، عرضناه ســريعاً، وهــو يؤكد أن مقاربــة أي نص ينبغــي أن تــرى إليه بوصفــه كلا متكاملاً، لا ينفصل فيــه المضمون عن الشــكل، ولا يعزل فيه عنصــر عن آخر. وهذه الرؤيــة، في تقديري، هي التــي تتيح لنــا إنتاج معرفة جماليــة دلالية بالنصــوص الأدبية، تمكننا من كشــف الظواهر الأدبيــة ووصفهــا، وكتابة تاريــخ حقيقي للأدب، يقوم على أســاس نقد حقيقي للنص بوصفــه كلا متكاملاً، من دون أي تقديس لا للمضمون ولا للشكل؛ إذ لا وجود لأي منهما منفرداً في النص الأدبي، فالشكل هو شكل المنظور/الرؤية والمضمون هو الرؤية/المعرفة الجمالية.

 ??  ??

Newspapers in Arabic

Newspapers from UK