Al-Quds Al-Arabi

بلاغة الانشطار وعنف الفضاء في رواية «مرافئ الحب السبعة»

- ٭ كاتب من المغرب

■ تقتــرن التجربة الروائية العراقية اقترانا وطيدا بســرديات الشــتات، وأدب المنفى، وتعبر عن تصدع هوياتي واغتراب وتشــرد وهجرة دائمة من فضاء الوطن إلــى فضاء المنفــى، نتاجا لما مــرّ به العــراق من مراحــل عصيبة، فمــن الانقلابات العســكرية إلــى الحــرب العراقيــة الإيرانية إلــى حربي الخليــج الأولــى والثانية، فالحروب الأهلية، أحداث دامية وعواقب وخيمة، تتأرجح بين أســر واغتيال ونفي وإبعــاد، دفعــت بالروائيين العراقيــن إلى الفرار مــن العراق خوفا على أنفســهم، مرتادين دولا ومنافي، مســتبدلين بوطن طاغ وغاشم أوطانا/ رقعا جغرافية، على نحو ما فعل غائب طعمة فرمان ومحمود سعيد وعالية ممدوح وفيصل عبد الحسن وســامي النصراوي وعبد الرحمن مجيد الربيعي وعلي القاســمي وغيرهم... وقد هيمنــت علــى كتابات هــؤلاء ثيمات أساســية «كثيمــات الحرب والمنفــى والموت، والغربة والانتماء، والضياع والتيه والفســاد السياســي، والنوستالج­يا والجنس والحلم، والانتقــا­د والفقدان والســخرية» (عبد الرحيم العــام، الفوضى الممكنة( وكشــفت تجاربهم الإبداعية عن عمق المأساة وألم فراق الوطن، وانشطار هوياتهم وانكســار آمالهم، ووقوعهم تحت أســر ثنائيــة هوياتية )الوطــن/ المنفى( تمارس عنفها على الذوات فتحيلها إلى مجرد ذوات فارغة مهوشة.

ثيمة المنفى

فــي رواية علي القاســمي «مرافئ الحب الســبعة» نقف عند ثيمة أساســية من الثيمــات التي خاض فيهــا الروائيون العراقيــو­ن وهم في بلاد المهجــر، وهي ثيمة المنفى، ويســعى إلى تمثل تداعياتها على الذات النصية، ومــا تلجأ إليه هذه الذات، في ســبيل التعبير عــن آلامها، وهي تقاســي النفي والاغتراب، مــن إمكانات فنية، تتبدى من خلالها ذاتا متشــتتة ومتصدعة، تعاني انشطارا هوياتيا، يجعلها فاقدة لانتمائهــ­ا وكينونتهــ­ا، فلا هي تعيش فــي بلدها، الذي أرغمت علــى هجره، ولا هي مستأنسة بالفضاء الجديد، فتنسى ما ألم بها من مآس وهموم.

بطــل الرواية هو رمــز للمنفيــن واللاجئين والفارين من ألســنة المــوت، تصور معاناتــه وهمومــه وتأزماتــه النفســية، ومــا يكابده فــي منفاه من وجــع الحنين والشــوق إلى الوطن، الذي أبعد عنه. تكشــف عــن خيباته وانكســارا­ته وتمزقاته وآلامه وانشــطار هوياته بين «هنا» و«هناك» بين الوطن والمنفى. ذلك الوطن الذي اضطر ســليم الهاشمي إلى الفرار منه رفقة صديقه زكي، إثر انقلاب عسكري حدث فــي العراق، أضحى مهددا لحياته، ولحياة كثير من المثقفين العراقيين، تاركا وراءه أهلــه وقريتــه، ولم يحمل معه غيــر حفنة من ترابها، وشــال أمه وريشــة من ريش بطته، وخوصة خضراء انتزعها من إحدى ســعفات نخلتهم. أضحت تذكارا لوطنه العــراق، أو قل الوطن الجميل، ترمز إلى أن العــراق ما زال حاضرا في ذهنه، بأهله وأرضه ومائه ونخله، على الرغم مما كابده بســبب حكامه، الذين كانوا ســببا في ارتحاله الاضطراري ونفيه الاختياري. يســتقر به المقام رفقة زكي في لبنان يقاسي الغربــة، ويتجرع حمى فــراق وطنه مجبرا، غير أن الأقدار تشــاء أن يغتال زكي في شــوارع لبنان، فيزوره والده ويدفعه إلى الســفر إلى الولايــات المتحدة الأمريكية، وهناك سيشتد به الحنين، ويعبث به المرض، فيحول لياليه إلى أرق وسهاد، لم يكن يجد برءا منه إلا شــال أمه الذي كان يربط به رأســه، فيخف ألمــه، وتتداعى ذاكرته شوقا وحنينا إلى أيامه الخوالي.

أنجــزت الرواية تمثيلا لمعاناة ذات عليلة تقاســي ألم النفــي والاغتراب، وتذوق مــرارة البعد عن الوطــن. وهي معاناة لا ســبيل إلى التخلص منهــا إلا بالعودة إلى أحضان الوطن، فعلى الرغم من أن ســليم الهاشــمي أجبر على فراق العراق، إلا أنه يحــن إليه، لكنه لا يحــن إلى عراق الحاضر، وإنما إلى عــراق الماضي، حيث طفولته وصباه، يمثل العراق في قريته الصغيرة وفي نخلها وأهلها، ويكابد نفيه باسترجاع طفولتــه توقا إلى وطن جميل، ونفيا لوطن طاغٍ يحيف بأهله، ينفر من فضاء المنفى باعتباره فضاء عنيفا وعدوانيا، ولا يشعر بالانتماء إليه، فيظل هاجس الوطن ماثلا في ذهنه وأخيلته. جاء في الرواية «أهيم في المدينة الصاخبة الصماء. تجول عيناي في شــوارعها. تطالعني جدرانها الحزينة، كالحة معتمة دونما أي زينة. تختفي في عينــيّ معالمها، بناياتها، أشــجارها، أضواؤها، ويتلاشــى صخبها فلا يبلغ ســمعي. تتراءى لي بســاتين قريتــي، نهرها الرقــراق، جداولها المعطاءة، نخيلهــا، أزقتهــا، منزلنــا القــديم. يســري عبــق الوطــن فــي عروقــي، وأوردتي، وشراييني، ومفاصلي، وجميع مســامات جسدي، مثل دمي، ويترنح الوجيب في قلبي .»

الشعور بالانتماء والانجذاب

يقدم هذا المقتطف صورتين متناقضتين للوطن والمنفى، ففي حين عمد الســارد/ الشخصية إلى اختيار ألفاظ دالة على بؤس فضاء المنفى، ما يوحي بعدم استئناسه بــه )جدرانها الحزينة، كالحة، معتمة، تختفي في عينــي...(؛ يختار للوطن/ القرية أوصافا تشــي بالجمال والرونق، وتُشــعر بالانتماء والانجذاب )نهرها الرقراق، جداولهــا المعطاءة، يســري عبــق الوطن في عروقــي...(. لقد فقد الســارد/ البطل الشــعور بجمال المنفى، إلى درجة أنه أحس بها صامتة رغم صخبها، فاقدة لملامح الجمال، الذي يشــد الذات إلى موطنها الأصلي، ويجعلها أسيرة ذكراها وماضيها. وبذلــك، فهي تتموضع بين حدي الوجود )المنفــى( والانتماء )العراق( ويتجاذبها زمنــان: زمن الماضــي حيث الســكينة والاطمئنــ­ان، وزمن الحاضر، الــذي هو زمن التربــص والتهديد والاغتيال. ولما كانت الــذات النصية تعيش في عالم المنفى الذي هو »عالم غامض مشــظى، وبلا معنى ومناخ تلفه الحيرة والشك؛ فمن الطبيعي أن تفقــد هذه الذات توازنهــا ووحدتها وتماســكها؛ فالذات الواحدة لــم تعد ذاتا، بل تحولــت إلى ذوات، وهذا يعني أنها أصبحت هامشــية أو بتعبيــر آخر لم يبق منها

إلا الظل» (شكري عزيز الماضي، أنماط الرواية العربية الجديدة(. فسليم الهاشمي موزع بين «هناك» حيث العراق وطنه الذي استولى عليه الانقلابيو­ن، و«هنا» حيث الغــرب عالم المنفــى والاغتراب. هذا العالــم الذي فصل، بما هو فضاء الاســتبعا­د والاغتــرا­ب، الذات عن وطنهــا وماضيها، وألقــى بها في عالم جديد لا تشــعر فيه بالاســتئن­اس، ولا تتــاءم معــه، وتحاول تجاوزه بتشــغيل الذاكرة، واســترجاع ماضيهــا، وتمثيــل عالمها المفقود فــي أبهى حلة. وبذلــك، يمكن القــول إن الذكرى المســترجع­ة هــي بديل للعالم الــذي ألقيت فيه الــذات، بديل للحرمان الذي يشــعر بــه، هي حكاية ماض مفقود، وذكرى وطــن حرمت منه الذات. غير أن هذه الحكاية المســتعاد­ة عــوض أن تبرئ الــذات من اعتلالاتها تســهم في تناميهــا وتضاعفِها، حتى «أضحت حياة ســليم اغترابا لا يطاق وعذابا متصلا، وصارت أماسيه كئيبة موحشة، وغدت لياليه طويلة مثخنة بالشوق والحنين والأنين. وبدا الشحوب على وجهه والنحول على بدنه».

تداعي الذاكرة وانشطارها

وقد أفرز التباس الهوية وانشــطاره­ا بين فضاء المنفى وفضاء الوطن انشطارا مماثــا في زاويــة النظر والضمير الســردي، حيث تتحول الرؤيــة حينا من الرؤية المصاحبة إلى الرؤية العالمة، ويتغير الضمير الســردي من ضمير الغائب «هو» إلى ضميــر «أنا المتكلــم» بطريقة فجائية. كما أفرز ـ أيضا ـ تداعي الذاكرة وانشــطاره­ا بين ماضي الذات الجميل وحاضرها المتخم أســى وحنينا، فالذات النصية تستمد مادتها الحكائية من الذاكرة، التي تعد هنا »خزانا لمادة الحكي» ومن سمات عملية التذكــر أن »لا تخضع لمنطق التسلســل أو التتابــع الذي تمدنا به القصــة المتكاملة الأحــداث والشــخصيا­ت» (ســعيد يقطــن، القــراءة والتجربة(. فعــن طريق هذا الأســلوب تكشف لنا الرواية ما يجول في ذهن ســليم الهاشمي، وتقدم لنا صورة عــن ذاته المنشــطرة، حيث ســرعة التداعي والتدفــق وارتداد الذاكــرة إلى الماضي من صفات الذات المنشــطرة الواقعة تحت أســر المنفى وعنــف فضائها. وهو تذكر غير مقيد، يســهم في خلخلة نســق الحكاية المتدرج، ويعمل على تشــظيتها، فتنفك من قيود الخطية والتسلســل، ويغدو السرد موســوما بالتوتر والقلق والفوضى، تتخللــه مفارقــات زمنية، يبقى على رأســها الارتــداد إلى الماضــي، وينكب على ما هو نفســي وجداني، عبر الاســتبطا­ن الذي يتكفل بتصوير تجربة الذات النفسية، وهمومهــا واعتلالاته­ــا، فَيُحِــل الزمن النفســي محــل الزمن الواقعــي، من خلال الاســتغرا­ق في جوانية الــذات، وتصير الكتابــة بالهذيان والتوهــم بديلا للكتابة الواعية، انسجاما مع الحالة التي أصبحت عليها الذات النصية وقد فارقت وطنها، فالسرد هنا يأتي عاكسا لتجربة الذات مع فضاء المنفى، متماثلا مع ما تشعر به...

هكذا، يصبح السرد في الرواية مجسدا لخراب الذات وانشطار هويتها، كاشفا العنف الذي مارســه الفضاء عليها، سواء كان فضاء وطنٍ أو فضاء منفى، متوغلا في أعماقها التي تثوي في داخلها مشــاعر مخربة وأحاســيس إنسانية مفجوعة، كثيرا ما تحولت ـ في المنفى ـ إلى جذوة نار تلتهب حنينا واشتياقا إلى وطن عنيف، انتصرت ســلطتُه، وأرغمت الذاتَ على مغادرة المنفى إلى المغرب علها تجد فيه خير معوض لوطن يحيف بأهله، ولا يكف عن تجريعهم ألم النفي والإبعاد، وتشــريدهم في البلدان والأصقاع...

 ??  ??
 ??  ??

Newspapers in Arabic

Newspapers from UK