Al-Quds Al-Arabi

صوت المرأة لتصحيح مفهوم الحب

- ٭ شاعرة وإعلامية من البحرين

■ صــدرت رواية «الكبريــاء والتّحامل» للكاتبة البريطانية جين أوســن ســنة 1813، روت فيها تفصيــات مضحكة مبكية عن الســيدة بينيت، وهي أم لخمس بنات يائســات في الحصول على عرســان أثريــاء، وقد أصبحت مهمتهــا الأولى، خاصة مع ظهور الجار الجديد الثري تشــارلز بينغلي، الذي كان مناســبا جــدًّا لطموحاتهــ­ا وأطماعها، إلــى أن يدخل الصديق دارســي الصديــق المخلص لجــار فتتعرف عليه أصغرهــن، لتأخذ الأحــداث منعرجا كوميديا مسليا في تواترها. في أواخر القرن الثامن عشر كان الحصول على صهر ثري أكبر طموحات العائلات الفقيرة، إذا ما كان لديهن بنات جميلات، وكان ذلــك جزءا من مخطط الخروج من براثن الفقر والعوز، وتســلق ســلم الطبقة المخملية المرتاحة.

فــي مقال نشــر فــي المجلــة الأمريكيــ­ة « ‪Mental Floss‬ » تم الكشــف عن إشارات عن جوانب من حياة جين أوستن، وظّفتها في روايتها، مثل علاقتها بأختها كاسندرا التي انعكست بشكل كبير في العلاقة الرابطة بين شخصية إليزابيــث، وجين كبرى بطلاتها التي منحتها اســمها، كما أن تاريخ أوســن لم يخلُ من الخيبات العاطفية، فقد رُفضت في ســن العشــرين من طرف توم ليفروي شاب ثري، بسبب وضعها الاجتماعي مفضلا عليها شابة من عائلة ميسورة الحال.

فــي هذه القراءة الجديدة للرواية وقــراءات أخرى يتوضّحُ جيدا، أن جين تركت أدلّتها كصرخة شــجاعة في وجه المجتمع وتقاليده البالية آنذاك. كما اعتقد البعض أن رســالتها كانت موجهة لذلك الرّافض الذي جرح مشاعرها، وتعامــل معها بكبرياء وغرور وحمق. لقد كانت مقاييس الحب مغايرة تماما لما نعرفــه اليوم، فالرجال والنّســاء يطلقــون العنان لمشــاعرهم حين يتوفّر المال، أمّا الفقراء فقد كانوا يتزوجون لأســباب أخــرى، ربما يأتي الحب في ذيلها. فالعاطفة الجســدية والشــعور بالحب معادلة مرتبطة بالغرائز، التي كانت آنذاك تنظمها المؤسســة الدينية بصرامة، وأعراف أخرى متوارثة بين الأجيال. وإن عدنا لآداب تلك الحقبة، خاصة ما يشــبه أدب أوســن سنجد مجتمعــات تشــبهنا، غيــر مختلفين عنها ســوى في الــدورة الزمنيــة لتطور الأفكار.

على هذا الأســاس، كانــت أعمال أوســن أعمالا طليعيــة ذات طموحات نســوية، انتقــدت بقلمها اللطيــف، وأســلوبها الكوميدي الســاخر، القيادة البطرياركي­ة لمجتمع عصرها.

الســؤال الآن لا يتعلّــق بأدب أوســن أو بغيرها مــن الكاتبــات والكُتّاب الذين ثاروا في أزمان ســابقة لتصحيح مســار العواطف المشوّهة من طرف المجتمعــا­ت وما يحكمها، بــل يتعلّق بمعنــى الحب ومدى ارتباطــه بالأنثى، لقــد أفــرزت المجتمعات الذكورية أشــكالا مشــوّهة من البشــر، تميل للعنف والقسوة، وخوض الحروب، غير أمور أخرى غاية في السوء، جعلت الحياة على هذه البسيطة متشابهة وكأنّها مستنسخة عن نموذج واحد.

ظهــور الصــوت النســائي في الأوســاط الأدبيــة أحدث تغييــرات كبرى مــع الزمن في طريقة التفكير، وفي طرق الحياة نفســها. ولو أن الســفر عبر الأزمنــة ممكن الآن، لأدهشــنا الماضي الظالم للعاطفة الإنســاني­ة، وما ترتب عنها من ظلــم للعقل. في الماضي كان الزواج الحل الأمثل لممارســة الجنس، بدون ســخط اجتماعي، وممارســة الجنس ارتبطت بالســلطة على أنواعها، سواء بالنسبة للطبقات الفقيرة أو الثرية أو الحاكمة، لهذا كان عدم الإنجاب محنــة كبيرة، قد تنســف عــرش امبراطوريا­ت، ويمكننا هنــا أن نلقي إطلالة على تاريخ الامبراطور­يات العظمى، لفهم دور الجنس في تماسكها، حتى أن الملــكات كنّ يُخترن بدقة، ســواء من لفيف الجواري، أو مــن العائلات الملكية النبيلــة، ويوضعن تحــت رقابة صارمــة، بحيث يعرف متــى يحِضْن، ومتى يُضاجعــن من طــرف أزواجهن الملــوك، مخافة أن يلعبن فــي الخفاء فتمتلئ أرحامهــن بماء غير مــاء أزواجهن. ولا ينتهي هذا الانتهــاك اليومي لحياتهن الحميمة حتى ينجبن من ســيحمل التاج، ليُهَيّأ على التعاليم نفســها، حفاظا على الملك والســلطة. في خلفية ما يحــدث أمام هذه الصرامة، يلهو الملوك مع الجواري، والعاهرات المخمليات، والعشــيقا­ت كيفما شاءوا في السر، شرط أن تظلّ تلك العلاقات متوقفة عند حدود اللهو والمتعة الجنسية لا غير.

في تاريخ الملوك عانت النمســاوي­ة آن زوجة لويس الرابع عشــر من عجز زوجهــا، ومن إهماله، وميوله الشــاذة، كمــا ورد في بعــض الروايات، لهذا بعد زواج دام ثلاث وعشــرين سنة، حين أنجبت ابنها لويس الخامس عشر، كان ذلــك بمثابــة المعجزة التي أنقــذت مكانتها كملكــة، إذ اعتلى العرش في الخامســة من عمره، وقد ثابرت على إدارة مصالحــه، وإدارة كل أموره، بما فيها حياته الجنســية، حتى لا تفقد الســلطة بغلطة حتــى إن كانت متناهية الصغــر. المؤكّــد أن الحب هو الغائب الأساســي في العلاقــات الزوجية في القصور والأكــواخ آنذاك، فقد كانت المرأة تُجلب لتقــديم خدمات كثيرة جدا بــدون مقابل للعائلات، وللأزواج، بدءا بالجنس إلــى إنجاب الأيدي العاملة والورثة. بالنســبة للملــوك والأمراء كان اللهو وتوفر المتعة الجنســية مانعا جيدا لدخــول الحب في دائرة اهتمامهم. كون الحب يوقظ مقوّمات أخلاقية كثيرة قد تســيء لطريقة التحكم في زمام السلطة. كانت خطورة الوقوع في الحــب تجعل الرّجل يفقــد من صلاحياته لصالح المــرأة التي يحب، قد تصل إلى تنازله عن العرش. متابعو مسلســل «التــاج» بالتأكيد يفهمون المقصود بهــذا الكلام، لأنّه الأقــرب لعصرنا، ويمكــن معرفة المزيد عــن فحواه، بدون البحث في مراجع تاريخية قديمة.

يدخل الحب قاموســنا اليومي في العشر ســنوات الأخيرة، بتصور بعيد عن المفاهيم التي روجت لها الأعمال الأدبية والدرامية العربية، مُرسِّخة فشل الحب في تصحيح بؤســنا الحقيقي في التعاطي مع الحياة. يدخل اليوم من بوّابة أخرى، ســهّلت علينا استعمال كلمة «أحبك» و«حبيبي» بدون عقد بين الأصدقاء، والزملاء، وبدون خوف من الازدراء الاجتماعي، الذي سجن هذه الكلمة في قالب جنسي محض على مدى مئات السنوات.

يحلو لي أن أعود لجين أوستن وأعمالها المبكرة، لتفكيك شيفرة العلاقات الإنسانية المعقّدة الواقعة تحت تأثيرات خبيثة من صنع «حملة السلطة» وإن كانت الأقرب إلى نفســي، فأنا أتحاشى فرضها على غيري، لكن بدا لي أنها وإن قُرِئت بشكل جيد في زمانها من طرف النقاد، فهي لم تُقرأ بالعمق اللازم إلا على مشــارف نهاية القرن العشرين، حين عادت عبر الشاشات الساحرة للســينما، لتبهــر أبناء عصــر غير عصرهــا، مثل «عقــل وعاطفة» الشــبيهة بـ«كبرياء وتحامل» وكلاهمــا متوفر على منصات عرض إلكترونية، وفيهما قوة نفتقدها في خطابنا المتهالك أمام الظلم الاجتماعي المستمر لمفهوم الحب الُمساقِ بعيدا عن سياقه.

بعــد قرنين ونصف القرن تقريبا من ولادتها، لم تتوقف جين أوســن عن الانبعــاث عبر أدبها، مثيرة أســئلة يجــب طرحها والإجابة عنها بشــجاعة، بدون اللجوء للاختباء خلف ســتائر داكنــة علّقها المجتمع في حقب ماضية، وظلّت حاجبة للحقيقة إلى اليوم. ماذا لو ظلّ الصوت النسائي مغمورا؟ ماذا لو ظلّت المرأة في الظلال الحالكة للمشهد الحياتي اليومي؟ وهل من المنصف اليوم أن نزج بالأصوات النسائية في سجن «النسوية» المرفوضة اجتماعيا، وملاحقتهــ­ن بالعار كمــا لو أنهن مذنبات؟ لقد قطع أدب النســاء دربا طويلة شــائكة أدمت أجســادهن وقلوبهن، لكن أصواتهن جــاءت مكمّلة لأصوات رجاليــة نبيلــة ملّت الحياة المتعبة على ســاق واحدة. إن شــئنا العودة لزمن ولادة التيارات النســوية كتيارات فلسفية وسياسية، فقد انبثقت من العقل، وقد قادها رجال عقلاء ونســاء عاقلات، ويبدو لي اليوم أن هذه التســميات ليســت دقيقة أبدا، إنها تيارات تصحيحية لأفكار شــاذة سادت في حقبات معينة، بحيث جعلت الحياة صراعا صعبا بين البشر.

في شــهر الحــب كان يجب أن أعيدكــم إلى مفهوم الحــب الحقيقي، الذي يقوم على العدالة والإنصاف، بدءا بحب أنفسنا إلى حب الآخر المختلف، إلى تجريد الحب من محمولات اجتماعية مشـّـوهة، لأنّه باختصار ليس أكثر من العيش بسلام وتناغم مع كل ما هو ومن هم حولك.

 ??  ?? ٭
٭

Newspapers in Arabic

Newspapers from UK