Al-Quds Al-Arabi

في رثاء العالم القديم: عالم ما قبل كورونا

- ٭ شاعر عراقي

■ لســنا متأكدين مــن الاعتقاد المتردد بأننــا يحب أن نتعايش مــع كورونا. فهذا الاعتقاد نفســي واجتماعي أكثر من كونه علميــا، العزلة الحالية هــي من إنتاج وباء كورونا، العزلة القســرية التي لم يخترها أحد سوى أولئــك الذيــن اختــاروا عزلتهم قبــل الوبــاء. العزلة هي محاولــة لتجنب الموت، كما هــي محاولة لتجنب الانهيار الاقتصادي الشــامل بعــد الانهيار النصفي، فالعزلــة هي لتجنــب بربريــة الفيــروس وهمجيته، إنه يســقط المــدن عن طريــق إفراغها، ويقلــص المارة والعابريــ­ن عبــر قيود الإغــاق، ويفتــك بالحرية من خــال الســجن الإجبــاري، ويقيــد حريــة التنقــل، ويحاصــر الكتابــة عبــر الضغط النفســي، إنــه عالم روايات وقصص وأفلام الأشباح.

قلــة هــم أولئــك الذيــن يعتبــرون شــروط الوباء بالعزلة فرصة كبرى للكتابة، فالكتابة تأبى الشروط أيا كانــت، الكتابة حرية، ولا يمكــن لعزلة كورونا أن تكون حريــة أو توفر حرية، فالخوف ينقض الحرية، ويسلبها كرامتها، فقط أولئك الذين يعتبرون الكتابة عمــا مرتبطا بتوفــر الوقــت، وقلة المشــاغل هم من ينتجــون الهوامــش الثقافيــة علــى حســاب المتون، لكن لســوء حظنــا وحظ الثقافــة أن أولئــك كثيرون ويستطيعون أن يغمروا المتن بهوامشهم.

أســوأ ما فعلــه فيــروس كورونا أنه حــول الموت إلى فعل بســيط، فعل لا علاقة له بغيب أو فلسفة، أو روحانيات أو تأمل، أو بحث في الكون والميثولوج­يا، التــي قدمــت لنــا آلهة فــي مجمــع الآلهة فــي بابل، وكشــفت لنا عن العالم الســفلي، الذي تحكمه الآلهة أركشــيغال مع ثلة من حرس الجحيم مــن الرجال - العقارب والرجال الضفادع ـ الذين كان على عشــتار أن تغافلهــم لتخرج تموز من ذلك العالم. يبدو كورونا ضربةً للمخيلة وطعنة لتصورات الإنســان عن عظمته وقيادته للعالم.

قلــص كورونــا الطبقة الوســطى في العالــم، تلك الطبقــة الحاملــة للأفــكار والأفعــال الملحــة للتغيير، والمنتجة للثقافــة والهويات وأنمــاط العيش وأنماط التفكير. إنها طعنــة للنموذج الليبرالي، وإنعاش لدور الدولــة المتقلص، حيث تتم المطالبــة بتدخلها للقضاء على الوباء، كتب ألكســندر شيبكوف استاذ الفلسفة في كلية الفلســفة في جامعة موسكو تحليلا بعنوان «الفلسفة السياســية لفيروس كورونا» نشر مؤخرا: «بالأمس عشنا تحت شعار نعيش معا في مجتمع بلا حــدود، واليوم نعيش تحت شــعار ابقــوا في المنزل، لا تتصلــوا ببعضكم بعضا. ويعمل كل بلد لحســابه، كانــوا يقولون لنــا إنكم بحاجــة إلى القليــل من دور الدولــة والمزيد من الســوق. أما الآن يجــري العكس، فهم يطلبون المساعدة والحماية من الدولة.»

تنتعــش آمــال كثيريــن بانهيــار العولمــة فــي ظل الجائحة التــي اجتاحت العالم كلــه وأظهرته عاجزا عن مواصلة العيش في الأنماط السياســية والثقافية الســائدة، ففيــروس كورونا وضع النخــب في مأزق وطرح أمامها فكرة: العالم قبل كورونا ليس هو العالم بعــد كورونا، لكن في الجانــب الثقافي ما هي صورة الأدب والفن المقبلة؟

يبدو العالم وقد تورط بفكــرة فوكوياما عن نهاية التاريخ، وبدلا مــن النهاية المتوقعــة للأيديولوج­يات الشــمولية الكبــرى، وقعــت الديمقراطي­ة في الأســر، لتواجــه نهاية حقبــة اقتصاد آدم ســميث وريكاردو وليبراليــ­ة الاقتصــاد، فالمجتمــع الصناعــي الربحي لم يســتطع تشــغيل مكائن الطباعة، وفتــح المكتبات لنشــر وبيع الكتب، ودفع مكافآت المؤلفين وتعرضت صناعة الكتاب للكساد، وهو الأمر الأخير الذي يمكن أن يفكر به الرأســمال­يون اليوم. فلا أحد يمكنه توجيه اللــوم لهم، فيما يتم البحث الســريع عــن حل صحي لإنقــاذ العالم من الهلاك، حــل يكون ربحيا هو الآخر، نتيجة بيــع مليــارات اللقاحات. لا احد يمكنــه التنبؤ بأن الرواية المقبلة ســتكون رواية كورونا، وستشكل حقبة أدبية باعتبارهــ­ا موضوعا خارج الخيال Non

Fiction فقــد كانت هنــاك روايات خيالية مشــابهة لمــا حــدث ويحــدث، وحوّلهــا الوبــاء وخطــره إلــى روايــات قريبةً جدا مــن الحقيقة. هل اســتفاد نيوتن مــن عزلته بعيدا عــن مــرض الطاعــون؟ كان نيوتن، العالم الفيزيائــ­ي العظيم، قد اضطر مثل الآخرين في إنكلترا أثناء انتشار وباء الطاعون عام 1651 في لندن وانتقاله إلى كامبريــدج، أن يذهب إلى مزرعة خالته، التي تبعد ستين ميلا عن الجامعة، وبقي هناك ثمانية عشر شــهرا قبل أن ينتهي الوباء ويعود إلى الجامعة بعــد أن أكمل نظريــة التفاضل والتكامل، ويكتشــف قانــون الجاذبية، وهــو ينظر إلى تفاحة ســقطت من شجرة في مزرعة خالته.

نيوتــن هو مكتشــف نظريــة الجاذبيــة، ولكن قد تكون هذه طرفة من طرائف مؤرخي العلوم الطبيعية، شــبيهة بصيحة ارخميدس: وجدتها، فكل الأشــياء، وليــس التفاحــة وحدهــا، تســقط مــن الأعلــى إلــى الأســفل، ولم يحدث أن سقط جســم من الأسفل إلى الأعلى، ولكن قد تكون عزلة نيوتن هربا من الطاعون، أتاحــت لــه مزيدا مــن التأمل والبحث، وهــو على أي حــال عمل رياضــي وفيزيائي، لكننــا اذا تحدثنا عن الإبــداع الثقافي فقد تكون النتيجة مغايرة وبائســة. كثير من علماء الاجتماع يرصدون المتغيرات الآن، بعد اجتياح كوفيد 19 العالم كله، وسننتظر كيف سيتغير الأدب والفــن ضمــن متغيــرات الأنســاق الثقافيــة وموديلات الكتابة. والإبداع.

 ??  ??

Newspapers in Arabic

Newspapers from UK