Al-Quds Al-Arabi

الاعتدال الفلسفي في «طائر التمّ» للكاتب الأردني فهمي جدعان

- الزواوي بغوره٭ ٭ أكاديمي جزائري

■ لم يعد كافيًا، بعد صــدور «طائر التم، حكايات جنى الخُطا والأيام» وصــف فهمي جدعان بـ«المفكر العربــي» وإنمــا يجــب وصفــه أيضــا بـ«الأديب العربي» لا لأنه كتب ســيرة ذاتيــة مثلما كتب غيره من المفكرين العرب، وإنما لأنه قدم ســيرة ذاتية في شكل رواية أدبية وفلســفية حية، واختار الأسلوب السردي عن قصد، لأنه، كما يقول: «أبلغ من الخطاب الفلســفي ـ الذي ألفته طيلة عقود ـ في الكشف عن ســريرة الكينونة الإنســاني­ة وعن أغــوار الوجود وحيله وتشخُصاته في الحياة الفردية والجمعية». خطاب معزز بحــوارات حقيقية ومتخيلة، تظهر منذ الصفحات الأولــى في ذلك الذي يجــري بينه وبين نادلة مقهى )خوان فالديز كافيه( الفضاء المحبب إلى قلبه للراحة والعمل والكتابة معًا.

فإذا كان الأسلوب السردي يتمتع بسمات مختلفة عن الخطاب الفلســفي، فإنه في حالة صاحب كتاب «فتوحات شــاردة لأنوار عربية مستدامة» 2019() لا يتعارضان، ومرد ذلك لأمرين: الأســلوب اللغوي الــذي يميز الكتابــات الفلســفية لفهمــي جدعان، وفلســفته التي تقوم علــى مبدأ الجمع بــن العقل النظــري والعقــل الوجداني، وهو مــا حققته هذه السيرة ـ الرواية التي جمعت بين المصطلح الفلسفي الحاضر بقوة، والعبارات الأدبية الغنية في دلالاتها، والجميلة في أسلوبها.

عوالم مختلفة

وبحكم أن السيرة ـ الرواية تقدم عوالم مختلفة، ومســتويات متعــددة، وتجــارب حياتيــة ترتبط بشــخص صاحب كتاب «تحرير الإســام ورسائل زمــن التحــولات» (2014( التــي تبدأ بالشــتات، وحياة المخيم، والدراســة في دمشق ثم في باريس، والتدريس فــي الجامعة الأردنية وســلطنة عُمان، والكويت، وقطر، والتنقل بين مختلف عواصم العالم محاضرًا ومقدما أبحاثه وآراءه الفلســفية في عديد الندوات والمؤتمرات، في قضايا الفلســفة الإسلامية والفكر العربي الحديث والمعاصر، وظهرت في جملة من الأعمــال الفكرية المتميزة فــي طرحها ورؤيتها، ومنها على ســبيل المثال لا الحصر: «أســس التقدم عند مفكري الإســام» (2010،ط 4) «المحنة بحث في جدلية الديني والسياسي في الإسلام» (2000،ط2) و«خارج الســرب، بحوث في النســوية الإسلامية الرافضة وإغــراءات الحريــة» (2010( وغيرها من الأعمال الفكرية والفلســفي­ة التي جعلتــه علمًا من أعــام الفكــر العربي المعاصــر، المتميز بأســلوبه، ومنهجــه، ونظرياته ورؤاه التي كشــفت عن بعض جوانبها سيرته الفلسفية.

وإذا كان مــن غيــر الممكــن الوقوف عند مختلف أبعاد هذه التحفــة الفنية والأدبية، فــإن بعضهــا يحضر بكثافــة دالــة، ومنها على وجه التحديــد ما يمكن تســميته بتجلي الحياة الفلسفية المعتدلة. حقا إن السيرة بما هي نوع أدبي، هي الفضاء المناســب للكشــف عن الحيــاة الذاتية والفردية، ولكن في حالة صاحــب «طائر التم» فإن هــذه الحياة لا تبــدو مثلما نقرؤها في ســيرِ بعض المفكرين والفلاســف­ة، وكأنها جزء مــن أجزاء حياة المؤلف، ولكنها تظهر وكأن الحياة نفســها مشــكلة فلســفية، وذلك ليس فقط على مستوى الاختيارات النظرية، أو المفاهيم المســتعمل­ة، وإنما في التفاصيل الصغيرة، والجزئيات المختلفة للحياة التي عاشــها المؤلــف، بحيث لا يكفــي القول إن الســيرة عبارة عن خلاصة فلســفية، وإنما يجب القول إن السيرة تقدم فلســفة فهمي جدعان في الحياة بكل تشعباتها وفصولها ومفاصلهــا وأصولهــا، وبحثها الدؤوب عــن ذلك التوازن والانســجا­م بين الواقــع والمثال، وبين المعطى المحدود والأمل الفسيح، وبين إكراهات اللحظة الآنية وإمكانات المســتقبل، وبكلمة البحث عن ذلك الاعتدال الذي كان ولا يزال مطلب الفلاسفة العظام في القديم والحديث، وعلى رأســهم فلاسفة الرواقية. يؤكد هــذا المنحى ما اتســمت به الســيرة من بحث دائم عــن النفس والذات، وعبرت عنه مختلف فصولها بــدءا بالفصل الأول: )مــا قبل الكلام «برولوغــوس») وانتهــاء بالفصــل الأخير: )طائر التم يفقد الرضى( وهو مــا يعني اســتئناف الســعي والعمل والبحث من جديد، وكذلك ما رسمه في بقية الفصول أو الأسفار الأربعة، سواء بمناســبة مواقــف معينــة، أو أحداث حياتية محددة. وعلى الرغم من هذا البحث الدؤوب في أغوار الــذات الوجودية والحياتية والواقعيــ­ة، إلا أن ســيرة صاحــب «رياح العصــر، قضايا مركزية وحوارات كاشــفة» جــاءت متوازنة ومتناســقة في مختلــف جوانبها ومواضيعها وتحليلاتها، وشــهادتها، وكأنها قطعة موســيقية جميلة، فلم تُفْرِط في )الذاتية( ولم تُفَرط في )الموضوعية( التي تســم بعض الســير الذاتية، وبخاصة الفلسفية منها، سواء في حديثه عن نفسه وأســرته وقريته )عين غزال( أوعن وطنه المغتصب فلســطين ومختلف الأوطان العربية والغربية التي عــاش فيها، أو فــي نقــده لكثير مــن جوانب هذه الحيــاة الصعبة والمريــرة، وبخاصة تلــك المتمثلة في الســلطوية الأبوية، وما أصابه مــن ظلم )ذوي القربى( وحوّله كما حوّل أعز وأحب إنسان لقلبه في هذه الحياة: أمه السيدة )عزيزة( إلى حالة لامرئية، أو في اعترافاته الصادقة التي خلت من كل شطط أو ادعاء كاذب.

ومــع أنها كُتبــت بضميــر المتكلــم، إلا أنها كانت )موضوعيــة( في طرحهــا، لا لأنها ســجلت أحداثًا ووقائــع سياســية واجتماعيــ­ة وفكريــة كثيرة،

وتحدثــت عن علاقــات إنســانية متنوعة شــرقية وغربية، عربية وأوروبية، بحيث يمكنني القول، إنها تفردت بالتعريف ببعض المفكرين والأصدقاء الذين نســج معهم صداقاته ومعارفه، بــل إن هذا التوازن الصعب الذي لا نحققه بالأقيســة المنطقية، والحجج الجدالية، وإنما بنوع من الاعتدال الأخلاقي، والحس الجمالي، والإلهام الفنــي البديع، الذي يظهر أكثر ما يظهر في حديثه عــن )الخصوم( أو بالأحرى عن كل أولئك الذين تسببوا له في الأذى بشكل من الأشكال، ولكــن مع ذلك ذكرهم بإنصاف مــن غير غل أو حقد، مثاله في ذلــك طائر التم في نُبلــه وعلوه وترفعه، ورمزيتــه التي أعطــت لنص الســيرة كثافة دلالية خاصة، ذلــك الطائر الذي يشــار إليــه بأنه «طائر ملكي، نبيل، ســام، ذو إهاب وجيــه، وخطو مهيب، واثق معجب بنفســه، دائم الوفاء لمن يحب، تتملكه «الرغبة» بلا هوادة وتحمله على الهجرة إلى أماكن عديدة وبعيدة». وإنني أتذكر، وأنا أقرأ هذه التحفة الجماليــة، أن فهمي جدعان كان يحدثنــي، بين الحين والآخــر، عن رغبته في كتابة سيرة )موضوعية( وكنت دائما أتخفى وراء مصطلحاتي الأبســتمو­لوجية، لأسأله: كيف يمكنك أن تكتب سيرة ذاتية موضوعية؟ ألاَ ترى في ذلك تناقضًا؟ وأنه كلما تعرضنا في لقاءاتنا الأسبوعية في أحد مقاهي أو مطاعم مدينة الســالمية في الكويت، لموضوع سيرته الفكريــة، وطرحت عليه الســؤال الصوري المشروع في شــكله، والخاوي في مضمونه، إلا ولاذ بالصمت، ومدّ بصره في الأفق البعيد.

حس فني بديع

وكنت أقول بيني وبين نفســي إن صديقي إما هو في حيرة من أمره، أو أنه ينشــد المستحيل، ولكنني الآن، وبعــد أن قــرأت «طائر التــم» أدركت فحوى الصمت، ودلالة النظرة البعيــدة، وبالتالي يمكنني أن أجيب عن سؤالي بلسانه الذي أصبح نصا جميلاً يقول لي ولكل قارئ: )إنك يا صديقي لا تعرف الفنان الذي يســكنني(! وبالفعل، فقد كتــب فهمي جدعان ســيرته بحس فني بديــع، واســتطاع أن يقدم لنا حياته وفلســفته في صورة جمالية حية، وتمكن أن يُحولها إلى أثر فلســفي وجمالي. وإذا ما كان الإبداع يعني تقديم رؤية مبتكرة للأشياء والعالم والحياة، والتعبير عنها بأسلوب جميل وصادق وحقيقي، فإن نص : «طائر التــم حكايات جنى الخُطا والأيام » نص إبداعي بامتياز.

 ??  ??
 ??  ?? فهمي جدعان
فهمي جدعان

Newspapers in Arabic

Newspapers from UK