Al-Quds Al-Arabi

كورونا يسحب البساط من العولمة

- *كاتبة مغربية

«العولمة هــي خطر كبير على التنوع الثقافــي الضــروري لبقــاء الجنــس البشــري، لكننــي اعتقد أنها ســتفقد مــن قوتها خلال العشــر أو الخمس عشــرة ســنة المقبلة على الأكثر». إنها استشــراف عالم المســتقبل­يات المغربي الراحل المهدي المنجرة لمســتقبل العولمة. أستحضر بقوة قولة المنجرة حول العولمة، مع تفشي وباء كورونا، الذي بدأ وســط الصين في ووهــان، وانتقل إلــى أغلبية دول العالم، واضعا الشــعوب والدول أمــام تحدي البقاء. إن قوة اســتحضار قولة المنجرة، تُمليها التحولات الفجائية فــي السياســات والاقتصادي­ــات الدوليــة، والتأثيرات الكبيرة فــي المجتمعات، وهــي تجد نفســها مُجبرة على التكيف مع واقع وباء كورونا.

الوباء ومظاهره العالمية

لا يعــد الوبــاء جديــدا علــى الإنســان، لأن مجتمعات كثيــرة عرفت انتشــاره طيلــة التاريخ البشــري، غير أن الذي جعل كورونا فيروســا مُخيفــا ومرعبا، كونه أعلن جائحتــه ـ تقريبــا- علــى العالم، ولــم يُميز بــن الدول الغنية والمتوســط­ة التنمية، والموجودة علــى عتبة الفقر، كما لــم يُفرق الوباء بين فئة وأخرى، إضافة إلى ســرعة انتشــاره، واختراقــه الحــدود، وتســلله بــن النــاس، وتقييده للعلاقات الاجتماعية. وكما أعلنت التفســيرا­ت الطبيــة لعلــم الوبــاء، فــإن كورونا، يعــد وبــاء جديدا، ولهــذا، فهو فــي علم الصحــة يفتقــر إلى ذاكــرة، ولعل التسابق الدولي لاكتشــاف اللقاح يُؤكد خطورة الوباء، لأنه ينتشــر فــي غياب مواجهتــه بلقاحٍ. تحــدي كورونا للبشــرية ليس فقط بصفته وباء فتــاكا، ومُدمرا وقاتلا، ومُخلفا وراءه ضحايا بشــرية، أغلبهــا من المتقدمين في الســن، وضحايا اقتصادية، بســبب تأثــر الاقتصاد في كل دولــة بالحجر الصحي، والتباعــد الاجتماعي، ولكن في الوقت نفســه، هو تحدٍ للمفاهيم التي ألِفها الإنســان منذ عصر النهضــة، وبداية الحداثــة، وكان يفكر ويفهم بها العالــم والسياســة والاقتصاد. ولهذا، فــإن مرحلة الوبــاء ومــا بعدها ستشــكل عالميا تحولا فــي المفاهيم. نلاحــظ مثــا أن العلاقات بــن الأفراد بــدأت تتغير في الحجر الصحي، وأصبح التواصل تكنولوجيا، فقد هدد الوباء المعنــى الحقيقي للعلاقات الاجتماعية، واقتلع من الناس الشــعور بالتوازن والأمان والمساندة الاجتماعية، فأصبح «المجتمع» نفســه ســببا محتملا لنشــر العدوى، ما خلق نوعا مــن الاغتراب داخل المجتمــع الواحد، لكن، العولمــة تُطل مرة أخــرى بمظهر جديد من خــال البحث عن علاقات اجتماعية في العالم الافتراضي، عبر وسائل التواصــل الاجتماعي. فالبعد الاجتماعي الذي خلقه هذا الفيــروس أصبح بعــدا تكنولوجيا. فمــن جهة أصبحت منصــات التواصــل الاجتماعــ­ي الوســائل الوحيــدة للهــروب من الهلــع والخوف، الذي خلقه هــذا الفيروس فــي النــاس، ومن جهــة أخرى، أصبــح النــاس يعملون ويتعلمون ويشترون لوازم الحياة وحاجياتهم بواسطة التكنولوجي­ــا، بــدون الانتقــال والحركــة، وســينعكس هــذا الواقع الاجتماعــ­ي على المجتمع. قبــل كورونا، كان العالم منفتحا على بعضه، اقتصاديا وتجاريا وسياسيا ومعلوماتيا، وتعمق الانفتاح بواســطة وسائل الاتصال والتواصل، وعصــر التكنولوجي­ا الحديثــة، التي جعلت المســافة تكاد تنهــار، والمعلومة تطوف العالــم بالوتيرة نفســها، وتصل بالوســيلة نفســها إلــى كل جغرافيات العالــم، وكانــت العولمــة وســيلة للانفتــاح علــى العالم والثقافات والديانات، وهيمنت على الاقتصاد والتجارة والسياســة، فأصبحت الحــدود مفتوحة، أمــام انتقال البضائــع والأفكار والقيم، وظواهــر اجتماعية وثقافية. فغيــرت العولمــة معالــم وخصوصيــات المجتمعــا­ت، وأصبحت حلا ومشكلة في الوقت ذاته.

كورونا وتحديات العولمة

هــل العولمة ظاهــرة صالحة لــكل زمان ومــكان؟ كان العالــم قبــل كورونــا بابا مشــرعة علــى آخرهــا، حتى الحدود لــم تعد حــدودا، والمعلومة الواحدة يتقاســمها أفــراد مــن جغرافيــات عديــدة فــي العالــم، وقــد تؤثر بالطريقة نفســها. العالم قبل كورونا كان عبارة عن بيتٍ وقد انهارت جدران غرفه، فأصبح مساحة واحدة تنتقل فيهــا المعلومــة من ركن إلــى ركن، ولأن العولمــة هي التي تقود حركة الانتقــال، فإنها وجهت العالم نحو التنميط، حتــى الابتســام­ة تم تقييدهــا فــي» هوليوود ســمايل» وبــدأت ملامح الخصوصيــة تنهار أمام هجمــة النمطية التــي أصبحت محور التبــادل الاقتصادي والإنســان­ي. فـ»العولمة خلقت نظاما معقدا يتأسس على التبعية»

ثــم حلّ فيروس كورونا فجأة، فانتبهت البشــرية إلى أنها أمام أخطر تحــد لوجودها. أصبح البقاء في الحياة مرتبطــا بمقومــات الــذات الوطنيــة، واســتراتي­جياتها، وقدرتها على المواجهــة الذاتية. في لحظة، غاب الحديث إعلاميا وسياسيا واقتصاديا عن أكبر المنظمات الدولية، وحضــرت كل دولــة بمفردهــا سياســيا واقتصاديــ­ا وإعلاميا، تمتحن قدراتها، وهناك دول ستكتشف تأخرها الاقتصادي، وأخرى تقف عند حقيقة تبعيتها السياسية في اتخاذ القــرار، ودول تعيش حائرة بين إنقاذ البشــر أم الاقتصــاد.. وربما نعيش مــا فكر فيه ماركس منذ عام 1847، عندما تحدث عن تطور سوق عالمية، وأن كل الدول حتــى الكبيرة والقوية هي تابعة للاقتصاد العالمي، الذي يقرر مصير الشــعوب والدول. وهذا يعنــي، أن فيروس كورونا كشــف عن محدودية هذا الاقتصاد العولمي، لأن الوباء فضح المســاعدا­ت والمؤسسات، وجعل الشعوب تقف عند مجموعة من الحقائــق. أصبح الخطر يهدد كل الدول، وأصبحت الحدود مجالا يجلب الخطر، والســفر الذي كان اســتمتاعا ومتعة وترفيها واكتشــافا، تحول إلــى تهديد بالمــوت «ولكن الــدرس من فيــروس كورونا المستجد ليس أن العولمة فشلت. بل الدرس هو أن العولمة هشــة، على الرغم من فوائدها». ولعل تجربة المغرب خير تمثيــل على ذلك، إن الإجراءات الاســتباق­ية التي اتخذها المغرب، تعبــر عن تحول توجه الدول، مــن الاعتماد على الآخر، ســواء اقتصاديا أو علميا أو في الخبرة الصحية، إلــى الاعتماد علــى المؤهلات الوطنية. فقــد واجه المغرب هذا التحدي بالاعتماد على خصوصيته المحلية، وقدراته الذاتيــة، وقراراته الســيادية. فانعكس ذلــك على تطوير الصناعــة )مثل صناعــة الكمامــات( واتخــاذ مبادرات تضامنية لمساعدة المحتاجين، خاصة الذين تأثر وضعهم الاجتماعي بالحجر الصحي.

لــم نعد نســمع مــع كورونــا، المســاعدا­ت الدولية، أو التفكير في البلدان التي عرفت انتشارا كبيرا لهذا الوباء، فإغلاق الحــدود الجويــة والبرية بين الــدول، هو تعبير عن مواجهــة كل بلد للوبــاء، بقدراته الذاتيــة، وتدابيره الوطنية، وخياراته السياســية، وبتضامن شعبه. ولعل النجاح في التصدي للفيروس هو نجاح للسياســة التي اتبعتهــا الدولة. نســتنتج من هذه الوضعيــة العالمية مع جائحة كورونــا، أن الأزمات والأوبئة التي تقتل البشــر والاقتصــا­د، تعطي درســا مهما وهو ضــرورة الاعتماد على الذات الوطنية وعلى الصناعة المحلية. لا يتحقق ذلك إلا بتشــجيع الكفاءات الوطنيــة، وإعطائها فرصة العمل فــي بلدها حتى لا تهاجــر. إن مرحلة ما بعــد كورونا لن تكون مثل ما قبل كورونا. كل المؤشــرات الدولية خاصة السياســية والاقتصادي­ة والعلمية، تــدل على أن النظام العالمي ســينتقل إلى نظام جديد، تكون فيه التكنولوجي­ا عاملا قويا في التنمية، والصناعة المحلية جوهر التنمية، والتضامن الاجتماعي روح توازن الوطن.

هدد الوباء المعنى الحقيقي للعلاقات الاجتماعية، واقتلع من الناس الشعور بالتوازن والأمان والمساندة الاجتماعية

 ??  ??

Newspapers in Arabic

Newspapers from UK