Al-Quds Al-Arabi

وفاة «عرّاب الذهب الأسود» وزير البترول السعودي السابق أحمد زكي يماني عن عمر يناهز 91 عاماً

-

■ دبي ـ رويترز: غيــب الموت أحمد زكي يماني الذي أصبــح رمزاً يجســد بزوغ قوة النفــط العربي ووجها يمثــل الحظر النفطي العربي الذي دفع الغرب للركوع في عام 1973 . وأمس الثلاثاء، قالت وسائل الإعلام الرسمية الســعودية إن يماني توفي فــي لندن عن 91 عامــاً. وجعلت من يماني الســنوات 24 التي أدار خلالها شؤون النفط في أكبر دول العالم إنتاجــاً شــخصية عالمية خــال «الصدمتين النفطيتين» بما تســببتا فيه من تضخم خلال عقد السبعينيات. وانتهت تلك الحقبة بعزله المفاجئ في عــام 1986 بعــد محاولة باهظة الثمن لرفع أســعار النفط في استراتيجية لم يكتب لها النجاح ألقت بظلالها على السياسة النفطية السعودية حتى يومنا هذا.

عملية الخطف

وفــي ديســمبر/ كانون الأول عــام 1975 حضر يمانــي اجتماع أوبــك )منظمة البلدان المصدرة للبترول( الذي انتهى في فيينا بوابل مــن الرصاص أطلقــه كارلــوس الفنزويلي الجنسية وخمســة من أعوانه على السقف. وســقط ثلاثة قتلى من الموجودين في المكان. وكان كارلــوس قد اســتهدف يماني في إطار مناصرة القضية الفلســطين­ية باعتباره أثمن

رهينــة، وقال لــه أكثر من مــرة إن الحكم قد صدر بإعدامه. واحتجز الــوزراء لمدة يومين فــي غرفة ملغمــة بالديناميت قبل الســماح للخاطفين بالسفر من النمسا على متن طائرة مع رهائنهم.

ومضت 43 ســاعة أخرى مروعة على متن الطائرة التــي توجهت إلــى الجزائر ثم إلى ليبيا قبــل أن تعود إلى الجزائــر وخلق ذلك نوعاً مــن الألفة بين المخطوفــن والخاطفين. فقد قــال يمانــي لجيفري روبنســون كاتب سيرته: «كان أمراً غريباً لكن بدا الأمر، ونحن جالســون معاً نتحاور، وكأننــا قد أصبحنا أصدقاء. أفاض في الحديث معي علماً منه أني سأموت». وتم التوصل إلى اتفاق في الجزائر واختفى كارلــوس إلى أن تم القبض عليه في العام 1994 .

وقبل ذلك بشــهور كان يمانــي إلى جوار الملك فيصل في الرياض في استقبال وفد زائر عندما أخرج أمير ســعودي ساخط مسدسه وأطلق النار على الملك فأرداه قتيلاً.

كانت حياة يمانــي العملية في ذلك الوقت اســتثنائي­ة باعتباره فرداً من عامة الشــعب في مجتمع تهيمــن عليه العائلة الحاكمة. ولد يماني فــي 30 يونيو 1930 لفقيه الإســامي كان يعمــل قاضياً في مكة وكان من المتوقع أن يقتدي الابن بوالده وجده في ســلك التعليم.

وبعد دراسة القانون في القاهرة سافر يماني إلى جامعتي نيويورك وهارفارد. وعندما عاد إلى الســعودية أسس مكتباً للمحاماة وتولى أعمالاً حكومية مما لفــت انتباه الأمير فيصل له قبل أن يصبح ملــكاً. وتولى يماني منصب وزير النفط في عام 1962.

الضغط على الغرب

وأصبح يماني شخصية قيادية في تطوير منظمة أوبك التي تأسســت فــي العام 1960. واســتطاع انتزاع صناعة النفط الســعودية من قبضة الشركات الأمريكية في سلسلة من الخطوات التي أســفرت عن اتفاق على ملكية البلاد لشركة أرامكو السعودية في 1976. ولا تزال أرامكو واحدة من أغنى شــركات العالم من حيث الأصول.

وفي ســنوات يمانــي الأولى فــي إدارة وزارة النفــط كانــت القوميــة العربية في صعود وكانت قوة النفط عنصراً رئيســياً في جوهرها. وعندما قامت حرب «الســتة أيام» عــام 1967 بين الــدول العربيــة والاحتلال الإسرائيلي، كانت الرياض، أعلن يماني حظر إمــدادات النفط للدول الصديقة لإســرائيل. لكن الحظر لم يكن مؤلماً. فقد ســاهم في ســد العجز ضخامة المخزونات في الغرب وزيادة الإمــدادا­ت من فنزويلا ومن إيــران قبل قيام الثــورة الإســامية. وفي عــام 1973 دفعت «حرب أكتوبر» مع الاحتلال يماني إلى إعلان حظــر نفطي آخــر. وأفلح الحظر هــذه المرة فارتفع ســعر النفط لأربعة أمثالــه لتتبلور بذلك ســطوة منظمة أوبك ودفــع ذلك الدول الغربية إلى ركود اقتصادي وارتفاع شــديد في التضخم فيما أصبح يعرف باســم صدمة النفط الأولــى. ولخص يماني تلــك اللحظة التي أمســك فيها منتجو النفــط بالزمام. فقد قال: «حانت اللحظة. نحن ســادة سلعتنا.» وبانتهاء الحرب والحظر توصلت السعودية إلى وفاق مع الولايات المتحدة.

عزله

وعندما أطلقت الثورة الإيرانية عام 1979 شــرارة صدمة النفط الثانية في الغرب رفع أغلب أعضــاء أوبك أســعار النفط وأصدرت الرياض التي أصبحت تربطها الآن بواشنطن صلة وثيقة قرار يماني بالإبقاء على الأسعار السعودية عند الأســعار الرسمية للتخفيف من معاناة المستوردين.

وكان للاعتدال الجديد في الأســعار ثمنه الذي اضطر يماني لدفعــه. فقد أفضت وفرة المعــروض خلال الركود الــذي أصاب الغرب

في أوائل الثمانينيا­ت إلى تراجع الطلب على الوقود. وطالب الملك فهــد يماني بالعمل على حماية نصيب الســعودية من ســوق النفط ورفع الأســعار. وبدلاً مــن ذلك خفض يماني الإنتاج السعودي إلى أدنى مستوياته في 20 عاماً ليصــل إلى مليوني برميل فقط في اليوم في محاولة لرفع الأســعار. ولــم تكن الدول الأعضــاء في أوبــك على نفــس الدرجة من الالتزام بالإنتاج وتعــرض يماني لانتقادات في الداخل حــن زادت دول أخرى حصصها في السوق على حســاب الرياض. ومع تزايد وفرة المعــروض انهارت أســعار النفط لأقل من عشــرة دولارات للبرميــل. ودفع يماني الثمن بعد أن خالف أوامر الملك فهد وفشل في تحقيق المطلوب. وفي أكتوبر/ تشــرين الأول عام 1986 علــم بعزله مــن منصبه من خلال التلفزيون الســعودي فيما بــدا أنها خطوة لإحراجه.

انســحب يمانــي إلــى حياتــه الخاصة وأصبح رئيساً شرفياً لمؤسسة استشارية هي مركز دراســات الطاقة العالمــي. وعند إطلاق المؤسســة في لندن عام 1989 حين كان سعر النفط الخام لا يــزال 20 دولاراً للبرميل تنبأ يماني بأن الأســعار ســتتجاوز في يوم من الأيــام 100 دولار للبرميل وهــو ما حدث في الألفية الثالثة.

Newspapers in Arabic

Newspapers from UK