Al-Quds Al-Arabi

من أجل أطاريح عربية رقمية؟

-

■ تُناقــش فــي كليــات الآداب، عامــة، وفــي أقســام اللغــة العربيــة وآدابهــا خاصــة، ســنويا مئــات الرســائل والأطاريــ­ح. ويــزداد بذلــك عدد الدكاترة، ويرقى إلى درجات عليا أساتذة بمقالات ودراســات «علميــة» تصدر في مجــات «محكمة» تابعــة للجامعــة. تشــي هــذه الــدورة بــأن هناك حركة علمية، وتطورا في مجال الدراســات الأدبية العربية. وعنــد التأمل والمراجعة والتمحيص نتبين أن الحصيلــة هزيلــة على مســتوى مــا تحمله تلك الحركة اللولبية، فأغلب البحوث والدراسات تدور في فلك الاجترار والتكرار.. تتشابه العناوين، وإن اختلفــت المتون المشــتغل بهــا، وتتكــرر المحتويات وأصناف المقاربات.

ما تزال قضية «المناهج» تثــار في كل أطروحة، وبالحدة نفســها. وســتظل الطريقة التي يُفكر بها في إعداد البحــوث، وانتقاء المتون، وهيكلة البحث هي نفسها. وبكلمة: نسمع جعجعة ولا نرى طحنا.

وإذا وجدنا من بين مئات الأطاريح واحدة تســر العين والقلب، نسجل ذلك باعتزاز كبير. فإلى ماذا نرجع هذا التراجع في قيمة الدراســات والأطاريح التــي تقدم فــي كلياتنــا؟ لطالما استشــعر الجميع بالمســتوى الــذي تنحط فيــه منجزاتنــا الجامعية والأكاديمي­ــة. وكلمــا فكرنا فــي التجــاوز وجدنا أنفســنا نعود إلى نقطة الانطلاق. نتقاســم جميعا المســؤولي­ة علــى ما يقــع، قــد نحمّل السياســات المتبعة في التعليم كامل المســؤولي­ة.. وقد نرجعها إلى مســتوى الأســاتذة الذين لم يعودوا يرون في الالتحاق بالجامعة ســوى امتياز اجتماعي، وليس فضاء للبحث العلمي.. وقد نراها في تغير مستوى الطلاب، وتهافتهم على الحصــول على الدكتوراه، للحصول على منصب شــغل بأي الطرق، ما دامت النماذج المقبولة قابلة للاستنســا­خ، وقد نبحث عن أسباب أخرى لا حصر لها.

إن الإقرار بهذا الوضع يدفعنا إلى التســليم بأن هنــاك عوامــل متعددة في هــذا التراجــع والتردي الشــاملين. ولأننــا درجنا علــى إلقــاء اللائمة أبدا علــى «الآخر» في كل مــا نعانيــه، أرى أن من المفيد الالتفــات إلى «الــذات» لنحمّلها الجــزء الأوفى من المســؤولي­ة في ما يجري. إن طريقة الإشــراف على البحــوث، أولا، لم تتغير منذ أزمان. وقضية تطوير مناهج البحث، ثانيا، لم يحســم فيها النقاش الذي لم نخضــه نهائيا. ودور الجامعــة، ثالثا، لم نجدد بخصوصــه نقاشــا فكريا وفلســفيا. هــذه هي أم المشــاكل التي لم نعمل علــى قراءتها وعلى التفكير في تجاوزها. لم نلتفت منذ نهاية القرن العشــرين، وبدايــة الألفيــة الجديــدة إلــى أننا دخلنــا عصرا جديدا، وبعــد عقدين من الزمن على الثورة الرقمية ما نزال نفكر بما أنجز مع الثورة الطباعية، وبكيفية غيــر ملائمة لما تحقق فيها. لو طرحنا ســؤالا حول أهم الأطاريح التي أنجزت في الكليات العربية، منذ تأســيس الجامعات في الوطن العربي إلى الآن، ما الجــواب الذي يمكــن تقديمه يا ترى؟ تم التســاؤل مرة لأغــراض لا علاقة لها بالإبداع: ما هي أحســن مئــة روايــة عربيــة؟ لم نتســاءل قــط ما هــي المئة أطروحة التي ســنظل نقرؤها، ونحتــاج إليها رغم مــرور أزمان طويلة على طبعهــا؟ وبما أننا لا نطرح الأســئلة عينها، لا يمكننــا الجواب عنهــا بالكيفية التــي يطرحها أصحابهــا. إن التفكير في الســؤال وطرحه دليل على عمليــة تفكير وبحث في الماضي والحاضر والمســتقب­ل، ولا ينتبــه إلى هذا من يطبّل للزمار.

جوابا على هذا السؤال لا أنكر أن هناك عشرات الأطاريح العربية سيظل لها حضورها ودورها في حياتنا الجامعية والثقافية، وإذا طلب مني الجواب عن الســؤال الذي أطرح، ســأجيب بدون تردد إنها كل الأطاريــح التــي اشــتغلت بتحقيــق النصوص العربيــة القديمــة، لأنها وفــرت لنا مــادة «المدونة العربية الكبرى» وجعلتنا نطلع عليها بعد أن نفض الغبــار عنها، بعــد نقلها من المخطــوط إلى المطبوع. هذا هو العمل الأساســي. أما تحليل مــا قدمته لنا تلك التحقيقات فمتغير بتغير المناهج وتطورها.

كان المطلوب منا مع الثــورة الرقمية أن نضطلع بالعمل نفســه: جعل تلــك المدونة الكبــرى مرقَّمة، وليس مرقمنة. وكان يســتدعي هــذا تكوينا جديدا للأكاديمــ­ي ـ العالم بالرقميــا­ت، على غرار المحقق، أي: العالم بقراءة النصــوص المخطوطة، والعارف بمواطنها، والمغامر بالســفر للبحــث عنها، والقادر علــى فك شــيفراتها بالعمــل الفيلولوجـ­ـي الذي لا يمكــن أن تضطلع بــه إلا القلة القليلــة من الباحثين الموســوعي­ين. حــن دعــوت إلــى تكويــن الباحث «الُمرقّــم» على غــرار الباحث المحقق، كنــت أريد أن نناقــش الأطروحــة الرقميــة العربيــة، التي تجعل تراثنــا قابــا لأن نطلــع عليــه من خلال الوســيط الجديــد بمــا يتــاءم معــه. لا يســتدعي إنجــاز الأطروحــة الرقميــة التخلــي عن فكــرة الأطروحة بالمعنى التقليدي للكلمــة. إني أرى أن طريقة إنجاز الأطروحــة الرقميــة، كفيل بجعلنا نطور ممارســة فكــرة الأطروحــة بوجــه عــام وجعلهــا معاصرة ومتناســبة مــع العصر الــذي نعيش فيــه. ما أكثر ما نتحــدث عــن تعــدد الاختصاصــ­ات وتداخلها والدراســا­ت البينية وما جاور هــذا الكلام الخالي مــن أي معنى. عندما لا يشــتغل الباحث الأدبي مع المهنــدس في الرقميــات، ولا يمتلك هو نفســه هذه الثقافــة، ســيظل مثــل الشــاعر الرومانســ­ي التي يتغنــى بليلاه. يســتدعي تجديــد الأطاريــح تغيير النظر إلى العصر، وبدون تجديد تكويننا وتطويره رقميا ستظل أطاريحنا ودراساتنا «المحكمة» قبض ريح! ٭ كاتب مغربي

 ??  ?? سعيد يقطين٭
سعيد يقطين٭

Newspapers in Arabic

Newspapers from UK