Al-Quds Al-Arabi

قانون الانفصالية الفرنسي

- *كاتب مغربي

ما يعتمل في فرنســا حول تدبير «العبادات» وشــؤون المسلمين بها ليس شأنا يهم فرنسا وحدها، لا لأن على الدول المســلمة وصاية على الفرنسيين المسلمين.. كلا، فمســلمو فرنسا فرنســيون، والنظرة الموضوعية تقتضي أن يحظــى هؤلاء الفرنســيو­ن بحقوقهم، ككل الفرنســيي­ن، وأن يضطلعوا بواجباتهــ­م على غرار كل الفرنسيين، وألاّ يكونوا فرنســيين من الدرجة الثانية، فيُحرمون من الحقوق التي يتمتع بها باقي الفرنســيي­ن، أو يخضعــون لإجراءات غيــر التي يخضــع لها باقي الفرنسيين.

إلا أن تدبير فرنســا لشــأن مســلميها له انعكاسات على بعض الدول المســلمة، لاعتباريــ­ن، أولا لأن لهذه الشــريحة ارتباطات اجتماعيــة وتاريخية ووجدانية مع بلدان الأصل، كما أن هــذه البلدان، مجتمعا ودولة، لا يمكــن أن تنظر نظــرة اللامبالاة لما تتعــرض له هذه الشــريحة، لاعتبارات ذاتية وموضوعية، وثانيا، وهو الأهم، أن الإجراءات الفرنســية تجد ســبيلها إلى كثير من مستعمراتها السابقة، إذ تعتبر فرنسا أن جزءا كبيرا من مشــاكلها مع مســلميها مرده بلدان الأصل، وتعمل على تنميط في مستعمراتها السابقة، في ما يخص شأن العبادات والتربية، من خلال توصيات، أو مســاعدات مشــروطة، أو ببســاطة إلى نوع من التماثــل تقوم بها حكومات بعض هذه الدول، في ما يخص تكوين الأئمة، ومراجعــة برامجهــا الدراســية، وتدابيــر أخرى ضد الكراهية وما شابه ذلك، فضلا عن التنسيق الأمني.

القانون الفرنســي الذي تم تبنيه الأسبوع المنصرم ضد ما ســمي بالانفصالي­ة، وتم شــطب صفة الإسلامية عنه، نقلة جديدة في تدبير شؤون الفرنسيين المسلمين، أو على الأصح، مســلمي فرنسا، فلا يُنظر إليهم بصفتهم فرنســيين أولا، على غرار الفرنســيي­ن من بروتستانت ويهود وبوذيين، ولكن محدد هويتهم من منظور فرنسا، هو عقيدتهم، ويطلق عليهم في الغالب )مسلمو فرنسا(، وفرقٌ بين أن تقول المســلمين الفرنسيين، أو الفرنسيين المســلمين أو تقتصر فقط على تعبير مســلمي فرنســا. القانون الجديد يســعى إلى منع التدخلات الأجنبية في التمويل والتأطير، ومراقبــة مصادر تمويل الجمعيات، وإجراءات احترازية في المرافق الاجتماعية من مدارس ومستشــفيا­ت، ومنــع التعليم الخصوصــي، ومراقبة شــبكات التواصل الاجتماعي. المعالجة القانونية، رغم الســعي بربطها بمبدأ العلمانية وأســس الجمهورية، تُبين عن عداء مستتر أو ما يسمى بالفرنسية ‪la haine‬ subtile . فالعلمانيـ­ـة تقوم على مبــدأ الحياد، لكن لا حياد في التعامل مع المســلمين الفرنسيين، فالقوانين لا تقتصر فقط على تنميط المسلمين، في الحياة المجتمعية، بل تذهــب إلى تعقبهم في شــؤون العبــادة والثقافة، وحتى الحياة الشخصية.

أما على المســتوى المجتمعــي فيعاني الفرنســيو­ن المسلمون بفرنسا مما يسمى بثُلمة الاسم ‪le stigmate‬ ‪du patronyme‬ فالفرنسي الذي يحمل اسم محمد أو فاطمة أو ممامدو أو فاتو، يجد نفســه أمام حواجز عدة في التشــغيل، أو الســكن، أو حتى أثناء مجرد مراقبة أوراق الهويــة. الحجة التــي يدلي بها خبراء فرنســا لتبريــر الإجــراءا­ت الاحترازية، هي أن المســلمين غير قابلين للاندماج، لكن الســؤال الذي يتم تحاشــيه، هو لمــاذا لم يندمجوا، هل لعيب جيني في المســلمين، أم لأن فرنســا لم تعمل على إدماجهم؟ هل عدم الإدماج سبب، أم نتيجة؟ ويكفي هنا أن نستشــهد بما يقوله مسؤولو فرنســا، من الإقرار بوجــود أبارتايد فعلي، كما ســبق للوزير الأول الفرنســي الســابق إيمانويــل فالس أن قال، رغم موقفه المعادي للإســام، أو ما سبق للرئيس الفرنســي ماكرون أن أقر به، من تقصير الجمهورية في حق شــريحة من أبنائها، أو ما صدر عن وزير الداخلية الحالي جيرار دارمنان، ممن لا يمكن أن ينعت بالتعاطف الوجداني مع المسلمين، حول فشل سياسة المدينة.

في مقال صدر في جريدة «لوموند» 16 فبراير الحالي بقلم هشــام بنعيســى، وهو باحث فــي المركز الوطني للأبحاث العلميــة المعروف بحروفه الأولــى اللاتينية CNRS بعنوان «أصبح الإســام تدريجيا مشكلا في الوقت الذي أصبح فيه الإســام فرنســيا»، يُظهر فيه الباحث كيف أن الأدوات القانونية تُستعمل، مع الإحالة للعلمانيــ­ة، للإبقاء على المســلمين في طــور الدونية، ودفعهم بعد أن تجاوزوا الحواجز الطبقية إلى حصرهم في دائرة «أصولهم الثقافية والدينية». فقد كان المشــكل مضمرا، يضيف الباحث، لما كان المســلم يقوم بالأعمال الوضيعة والشــاقة، ولا ينظر إليــه إلا بصفته مهاجرا عابرا، محكومــا عليه بالعودة، والتشــجيع على ذلك، لكن المشــكل برز بشكل جلي حين برز جيل جديد متعلم، يتطلع للشغل والارتقاء الاجتماعي. ولعل هذا المقال هو ما ألهب حماســة وزيرة التعليم العالي فريديريك فيدال التي طالبت المركز بإجراء دراسة «علمية» حول ما يسمى بالائتلاف الإسلامي اليســاري في الجامعات. وقد وجد تصريح وزيرة التعليم العالي صدى لدى باحث مرموق في قضايا الإسلام السياسي، هو جيل كبيل الذي ردد أن الجامعة مرتع للائتلاف الإســامي اليساري. وكبيل من الوجوه التي يتم الاستماع إليها من لدن أصحاب القرار، وهو صاحب نظرية التخصيصية essentiali­ste التي ترى أن الإســام في متنه وروحه لا يمكن أن ينســكب مع الديمقراطي­ة وهــو يقوم على العنــف. قبيل صدور القانون ضد الانفصالية، نشــر وزيــر الداخلية جيرار دارمنان كتابا بعنوان «الانفصالية الإسلامية، بيان من أجل العلمانية»، لا يميز فيه بين الاتجاهات الإســامية التــي لا تجافي الديمقراطي­ة، والاتجاهــ­ات الراديكالي­ة التــي تناصبها العداء، وهو انزيــاح في الخطاب يقطع مع ما كانــت يتردد في ظل الرئيس فرنســوا أولاند من التمييز بين الإســام، والاتجاهات الإســامية، ما يُعبر عنه بالفرنســي­ة بـislamism­e ، وأخيرا الراديكالي­ة الإسلامية التي تنادي بالعنف في الخطاب والممارسة.

الحقيقة الُمرة أن فرنسا تعيد في بلدها التصرف ذاته الذي كانت تنهجه في مســتعمرات­ها، في نظرتها للآخر وتعاملها معه. والقانون الأخير شكل جديد من القانون المنظم للأهالي، والتعبير الفرنســي أكثر تأدية للمعنى ‪. Un nouveau code d’indigénat‬

فرنسا تعيد في بلدها التصرف ذاته الذي كانت تنهجه في مستعمراتها، في نظرتها للآخر وتعاملها معه

 ??  ??

Newspapers in Arabic

Newspapers from UK