Al-Quds Al-Arabi

فيتش التمييز أو في أهمية التطهير الثقافي للماضي

-

■ يمكــن اعتبار أطروحة كارل ماركس عن «فيتشــية الســلعة» واحدة مــن المفاهيم الأكثر تأثيــراً في الثقافة المعاصــرة، فقــد انبنــت عليهــا عشــرات النظريــات والمقاربات، ليس في المجال الاقتصادي فحسب، بل أيضاً، وربما بشــكل أكبر، في مجال التحليل الاجتماعي والنقد الثقافي. الفيتشية السلعية، بالمعنى الأبسط، هي إعطاء خصائص للمــواد الُمصنّعة، المعدّة للتداول الســلعي في الأسواق، يجعل قيمتها تنبع من ســمات ذاتية مفترضة فيهــا، وليس من العمل الاجتماعي الــذي أنتجها. وبهذا تصبح السلع أشبه بأوثان تتمتع بقدرات سحرية، تغطي على قوى وعلاقات الإنتــاج الموجودة في مجتمع معيّن. ما يســاهم في مزيد من اغتراب المنتجين عن منتجاتهم، وجعلها مسيطرة عليهم، بدلاً من أن يكونوا هم المتحكمين بما يصنعونه جماعياً.

عملــت مــدارس فكرية عــدة لاحقــاً علــى التنويع علــى الفكــرة وتطويرها، خاصــة في مجــال التحليل الأيديولوج­ي، فالبشــر لا ينتجون فقط ســلعهم المادية، بل لغاتهــم وثقافاتهم وأنماط تواصلهم، ليس عبر عملية متعلقــة بالروح/العقل على النمــط الهيغلي، بل بعملية إنتــاج اجتماعي، لا تختلف جوهرياً عن صناعة الســلع المادية، وترتبط بها، من خلال تهيئتها لســيرورة إعادة الإنتــاج Reproducti­on، أي الشــروط الأساســية لتجديد القوى العاملة، والظروف التي يعي فيها البشــر رغباتهم وميولهم وأنماط اســتهلاكه­م، وهــذه العملية

بدورهــا مجال

للفيتشية، إذ تُنتزع الرموز الثقافية والعواطف والمفاهيم العامة من ســياقها الاجتماعــ­ي، وتصبــح أوثاناً، ذات خصائص ســحرية، تهيمن على «الحس السليم» للبشر، وتخفي العلاقات السياســية والاجتماعي­ة والاقتصادي­ة التــي صاغتهــا، ما يمكــن اعتبــاره المهمة الأساســية للأيديولوج­يا المهيمنــة، التي تدّعي وجود كلمات ورموز وعلامات معينة، مقدّســة أو مدنّســة، قادرة بذاتها على التأثير فــي حياة الناس، وتحويلها مــن حال معيّن إلى وضع أفضل أو أســوأ، وبالتالي يمكن للعمل السياســي والثقافي الاكتفاء بالتركيز على هذه العلامات، وتصحيح اللغة وأنظمة الترميز الســائدة، لتحسين أوضاع الفئات المهمشة، أو حتى لقلب هرم السلطة القائم.

لا نتحدث هنا بالتأكيد عن أيديولوجيا قروســطية ما، تســبغ الســحر على العالم عن طريق العلامات اللغوية التي تصفه، بل عــن الأيديولوج­يا المعاصرة، وبالتحديد ما يســمى «الصواب السياســي» و»ثقافة الإلغاء» التي تم انتقادها كثيراً في الســنوات الماضيــة، من منظورات متعددة، بوصفها تنصرف إلى تنقية أســاليب الخطاب، بدلاً من تغيير الشــروط المادية للعنصرية والتمييز. إلا أن هذا النقد يبقى قاصراً ما دام يعتبر مشــكلة الصوابية مقتصرة على التركيز على اللغويــات، بدلاً من الماديات، دون توضيح العمليــة الأيديولوج­ية المعقدة التي تنبني عليهــا، أي كيف تحوّل الأيديولوج­يــا المعاصرة علاقات اجتماعية معينة إلى فيتشات؟ ولماذا تنجح بهذا في شرط تاريخي حديــث، من المفترض أنه لم يعــد قابلاً للصيغ

السحرية في النظر إلى العالم؟

سحر التمييز

باتت أيديولوجيا مكافحــة التمييز خطاباً رســمياً للمؤسســات الأساســية في الدول الغربيــة، بمــا فيهــا المؤسســات التي يمكن اعتبارها «النظام» بكل ما في الكلمة من معنى، مثل البيت الأبيــض أو وكالة الاســتخبا­رات المركزية الأمريكيــ­ة. ومن غيــر المنطقي اعتبار أن تبنّــي النظــام القائم لمكافحــة التمييز مجرد ركوب للموجة أو استغلال لمطالب الفئات المهمشة، فخطــاب قابل لـ«الركــوب» لهــذه الدرجة يحتوي

بالتأكيد على عناصر متســقة بنيوياً مع آليات اشــتغال مؤسسات السلطة.

عندما تكون مكافحة التمييز شاغلاً للمؤسسة السائدة نفسها، التي من المفترض بديهياً أن تكون الجهة المسؤولة بنيوياً عــن التمييز، يصبــح الأمر أقرب لمفهــوم «جهاد النفس» الإســامي، أو حتــى مبدأ الاعتراف الكنســي: توجد وســاوس شــريرة في ذات النظام، تدفعه، بشكل واعٍ أو غير واعٍ، إلى ممارســة التمييز، ولذلك عليه دائماً أن يجاهد نفسه، ويعترف بخطاياه بشكل دوري، لينال الغفران، الذي ســيظل البحث عنه مســتمراً في الحياة الدنيا، التي لــن تخلو من التمييز يومــاً. مبدأ «العدوان المصغّر» يوفّر أساساً ممتازاً لهذا المنظور، فالتحيزات غير الواعية، والعبارات والســلوكي­ات والممارسات الجزئية والصغيرة، التي تتضمن إهانةً وتحقيراً واعتداءً معنوياً علــى أفراد الجماعــات الضعيفة أو المهمشــة، لن تنقطع أبداً في التواصل اليومي الاعتيادي بين البشــر. ولشدة «صغر» ذلك العدوان فكشفه وتحديده متعلّق بالإحساس الذاتي للضحايا، ويرتبــط بتجارب اضطهادهم الذاتية، صعبة الترجمة إلى لغة ومنطق عموميين.

ورغم أن أنصار أيديولوجيا مكافحة التمييز المعاصرة يتحدثون عن «عنصرية هيكلية» و«ماضٍ اســتعماري» يفسّــران الوجود الشــيطاني الدائم للتمييز في كل قول وســلوك ممكن، إلا أنه مــن الصعب تحديدهما بشــكل ملموس. فمــا العلاقــات الاجتماعية القائمــة، أو البنى الإنتاجية، أو المؤسســات السياسية التي تؤدي لكل هذه المظالم والاضطهاد؟ لا إجابات واضحة. وهو أمر متوقع، فكيف بالإمــكان الحديث عن بنى صلبة تنتج التمييز، إذا كانت مؤسســات وهياكل النظام القائم نفسها من يموّل ويدعــم مكافحة التمييــز؟ ربما لهذا يبــدو الحديث عن «أحاسيس» و»تحيزات غير واعية» أكثر مناسبة.

بعض التيارات، التي تُحسب على «اليسار» تتحدث عن دور الرأسمالية في إنشاء وترســيخ بنى التمييز، إلا أن «الرأســمال­ية» نفســها هنا تصبح أشــبه بكيان شــيطاني، تُعلّق عليه كل خطايا الكــون، وهو منظور مخالف لأي تحديد جدي لمصطلح «الرأسمالية» بوصفه تجريداً نظرياً حول منظومة مــن العلاقات الإنتاجية، يفيد بفهم تشــكيلات اقتصاديــة - اجتماعية متنوّعة ومختلفة، وتحديد تناقضاتها، وليس دالاً على مؤسسة

شريرة، أو مؤامرة لإنتاج الذكورية والعنصرية ورهاب المثلية.

التمييــز، الذي يدعي ناشــطون كثــر معاناتهم منه اليوم، لم يعد أكثر من فيتش ذي خصائص ســحرية، لا يشــير فعلياً إلى أي وقائع اجتماعية، بل أشــبه بتميمة تعطي من يرتدونها ســمات الضحيــة الطاهرة، ومدخلاً للحصول على فتات الدعم والامتيازا­ت المتاحة.

منجم خصب

ســعى الإنتاج الثقافي دوماً في الشرط الحداثي إلى الإحالة لمعنى ما، أو حتى إلى اللامعنى، في سبيل إعطاء رؤيا معينة عن الواقع أو الوجود، أو الأسئلة الاجتماعية والأخلاقيـ­ـة الكبرى، أي أنــه اهتم دوماً بالكشــف أو التوضيــح أو إعادة البناء والتركيب، إلا أنه في شــرط أصبحت فيه الرموز والمفاهيم أشــبه بعلامات سحرية، تعلّــق عليها أحكام الصواب الأخلاقــي، صارت الثقافة ميدانــاً للتصحيــح الدائم، أي كيفية جعــل التعبيرات اللغوية والبصرية بريئة من كل دنس.

وفقاً لهذا المنطــق، يقدم التراث الثقافي منجماً خصباً للتطهيــر الأخلاقوي: لدينا مــوروث هائل من الأعمال، التي أُنتجت في ظروف «جاهلية» بمعنى الكلمة، أي قبل أن تصبح مكافحة التمييز الأيديولوج­يا الرسمية للعالم المعاصر، وبالتالي يمكن العمــل عليها بلا نهاية، وجعل مهمة «الناقد» إظهار مدى الأذى والعدوان، الذي يشــعر به نتيجة التعرّض لها.

من جديد يمكننا أن نلاحظ أن التراث الإنساني لم يعد معبّراً عن علاقــات اجتماعية، أعطت المعنى للجماليات، وأســاليب التعبير، وأنظمة المعنى السائدة في عصر ما، بل شــروعاً بالاعتداء على ضحايا اليــوم، وهو اعتداء يتمتع بكثير من السمات الســحرية، فهو عابر للتاريخ، وكذلك للشــروط الاجتماعية للحاضر، وقادر بحد ذاته على إلحــاق الأذى وخلق التحيزات وأنمــاط العدوان المصغّر. ولهذا ليس من المســتغرب أن ينبني جانب من التلقي المعاصــر لظاهرة فنية - سياســية، مثل أعمال الشــيخ إمام وأحمد فؤاد نجم، على معايير أيديولوجية شــديدة التبســيط، أي مــدى تعبيرهمــا عــن «ثقافة الاغتصــاب»؛ وأن يصبــح النقد والتحليــل مقتصرين على النجاح بضبطهما متلبسين بتهمة الذكورية، حسب بعض التعليقات الصادرة مؤخراً، على وسائل التواصل الاجتماعــ­ي، من بعــض الأوســاط العربيــة المتأثرة بالصوابية الغربية.

الأيديولوج­يا المكشوفة

قدم المفكر الســلوفين­ي سلافوي جيجيك تحديداً لّماحاً لطبيعة الأيديولوج­يا المعاصرة: يتمتع البشــر في أيامنا بوعي كافٍ، يجعلهم يدركون الاســتغلا­ل الأيديولوج­ي للقيم الأخلاقية، بما فيها قيــم مكافحة التمييز والحفاظ على البيئــة ومناهضة الذكورية، واتخاذ مســافة منها، إلا أن هذه «المسافة» بالذات هي ما يضمن التزام الجميع بالأيديولو­جيا الســائدة، دون أن يحمّلوا أنفسهم عبئاً أخلاقياً بتبنيها، ويجعل لســان حال كثيرين هو التالي: «نعلم أنه يتم استغلال هذه القيم، لكن.»...

إلا أن المشــكلة ليست فقط في اســتغلال قيم أخلاقية نظيفة من قبل مؤسســات النظام السائد، بل في الطابع الأيديولوج­ي المخاتــل لهذه القيم، الذي يقوم، حســب جيجيك، على منح نــوع من الراحــة الأخلاقية للذوات الفردية، التي تســلك كما هو مُفترض منها سلطوياً، دون أن تُثقل ضميرها بأي فعل تمييزي وشرير، أو بمسؤولية إعادة إنتاج المنظومة القائمة.

بهذا المعنى فإن جمــوع المتظلمين من التمييز والتراث الثقافي المليء بالذكورية والعنصرية، يظهرون بوصفهم ضحايا عالمنا المليء بالشــرور، فــي حين أن معظمهم من الفئات الأكثر امتيازاً، خاصةً من يُمنحون المنابر للتعبير، وغيرها من ميزات «التمكين» وهم غالباً «النظام» نفسه، الذي يتباكى دومــاً من كونه ضحية النظــام، وهذا هو «الســحر» الأكثر إبهاراً للأيديولوج­يــا المعاصرة، الذي يحتاج نزعه إلى كثير من الجهد الفكري والاجتماعي. ٭ كاتب سوري

 ??  ??
 ??  ??

Newspapers in Arabic

Newspapers from United Kingdom