Al-Quds Al-Arabi

مي زيادة... رحلة ريادة بين القلم والصالون

- وكنت إذا ما جئت مية أزورها أرى الأرض تطوى لي ويدنو بعيدها بنت الجبال ربيبة الهرم هيهات يجهل اسمها حي لم نلق سحرا سال من قلم إلا هتفنا هذه مي طرقتك صائدة القلوب وليس ذا حين الزيارة فارجعي بسلام ٭ كاتب جزائري

■ لا ريب في أن الآنســة مــاري إلياس زيادة (1941/1886( أو مي زيادة كما سمت نفسها، فقد نحتت من اسمها الأول ماري اسما عربيا خالصا هو) مي( الــذي يقتــرب كثيرا من اســم عربي خالص ذائع تردد في أشــعار ذي الرمة فقد كانت )مية( حبيبته:

مي زيادة خير من يمثــل طموح المرأة العربية في العصر الحديث، فهذه المرأة الشرقية الطامحة ذات الحس الشــاعري والخيال الخصب والقلم الســيال، والتمكن من عدة لغات حيــة، هيأ لها الاطلاع على آداب غربية عديدة، وأتاح لها كذلك أن تتعرف على آداب نســوية غربية، وكان خير من يمثلهــا مدام دي بومبــادور صاحبة صالون أدبي مشــهور، وجورج إليــوت وجورج صاند، ومدام دي ستال وغيرهن.

هذه المرأة الأديبة التي شــهد لها شيخ فلاسفة العرب في العصــر الحديث مصطفى عبد الرازق، بالســبق والألمعية فقال في حقهــا: )أديبة جيل كتبــت فــي الجرائد والمجــات، وألفــت الكتب والرســائل وألقت الخطب والمحاضرات، وجاش صدرها بالشــعر أحيانا وكانــت نصيرة ممتازة للأدب، تعقد للأدباء في دارها مجلســا لا لغو فيه ولا تأثيم، لكن حديث مفيد وسمر حلو وحوار تتبادل فيه الآراء في غير جدل ومراء(. هكذا إذن برز في الشرق قلم نســوي متمكن تعضــده ثقافة عربيــة أصيلة، وثقافة غربية واسعة، وحس مرهف وخيال خصب، وتشــجيع أســري، وتقبل من عموم القــراء الذين راقتهم الفكرة وأبهرهم الأسلوب. من غير المجدي عزل المجهود الذي قامت به عن مجهود الكوكبة النســوية التي اضطلعت بمهمة الكتابة )النثرية والشــعرية( والصحافيــ­ة، فقد أنشــأت هند نوفــل أول صحيفة نســوية عربية عام 1892 واستمرت حتى عام 1894، كما عرفت الســاحة الأدبية أقلاما نسوية تحاول أن تتلمس طريقها في عالم فكري وأدبي رجالي ذكوري، عالم يصنعه البارودي وإســماعيل صبري وشوقي وحافــظ والزهــاوي والعقاد وطه حســن وهيكل وتوفيق الحكيم، ومن غير الثابــت أن تكون الكتابة النسوية في هذه المرحلة متميزة، يمكن أن تصل إلى مستوى الكتابة الرجالية ذات المرجعية الذكورية لغة وتراثا، بل إن المرأة منعــت من الكتابة كما يظهر ذلك في مؤلف قديم عنوانه «الإصابة في منع النســاء من الكتابة» لخير الدين نعمان بن أبــي الثناء جاء فيه )أما تعليم النســاء القراءة والكتابة فأعوذ بالله، إذ لا أرى شيئا أضر منه بهن، فإنه لما كن مجبولات على الغدر كان حصولهن على هذه الملكة من أعظم وسائل الشر والفســاد، وأما الكتابة فأول ما تقدر المرأة على تأليف الكلام بها فإنه يكون في رسالة إلى عمر وبيتا من الشــعر إلى عزب، وبيتا آخر إلى رجل آخر، فمثل النســاء والكتب والكتابة كمثل شــرير سفيه تهدي إليه سيفا، أو سكير تعطيه زجاجة خمر، فاللبيب من الرجال من تــرك زوجته في حالة من الجهل والعمى، فهو أصلح لها وأنفع(.

ها هو ابن أبي الثنــاء يعود إلى التراث الذكوري، الذي وصم المرأة بالخداع والخيانة، فلا يرى في القلم غير أداة تمارس بها المرأة العشــق والمكاتبة، وتركها أميــة أفضل وأجــدى، ضاربا عــرض الحائط أوامر الشــرع في تعليم المرأة وقد كرمهــا مثلما كرم الرجل فهما من نفس واحدة.

حالة مــن الحذر والتخــوف من ممارســة المرأة لفضيلــة الكتابــة، وجــدارة التفكيــر، حتى روى الجاحظ هــذا التحذير الخالص مــن صميم التراث الذكوري القــديم )إذا صاحت الدجاجة صياح الديك فاذبحوهــا( فالاقتراب من مجال الذكــر، لغة وفكرا وبيانا غير مســموح به عبر هذه اللغة الاستعارية: الصياح، الديــك، الذبح لحالة التلبس من قبل الأنثى بالممارسة اللغوية والفكرية والوجدانية.

في مثل هــذا الجو الذي يحذر من ممارســة المرأة للكتابة، ظهــرت هذه الكوكبة النســوية ممارســة ومقتحمــة لمجــال ذكــوري خالــص: هنــد نوفــل (1920/1860( لبيبة هاشم ‪/1947( )1880‬ملك حفني ناصف ‪/1918( )1886‬ووردة اليازجي ‪)1924/ )1838‬ وطبعــا أديبتنا مي زيادة، تمثيــا لا حصرا. غير أن الإصرار من قبل المرأة على التعلم وممارســة الكتابة ووجود تشــجيع رجالي على ذلك من قبل نخبة من المفكرين والشــعراء ورجال الإصلاح، خاصة قاسم أمين والطاهر الحداد وحافــظ إبراهيم وغيرهم، كل ذلك أتاح لمناضلة نسوية أن تواصل نضالها في سبيل تحرير المــرأة، ونيل حقوقها كافــة، وأولها اقتحامها مجال الثقافة، حيث ظلــت ذكورية آمادا طويلة، لغة وتراثا، وأن تقول هدى شعراوي عن مي زيادة )كانت مي المثل الأعلى للفتاة الشرقية المثقفة(.

دخلــت مي مجــال الكتابة والصــورة النمطية لا تخــرج عن توصيف لــورا ملفي )فــي عالم محكوم بالاختلال الجنســي، تم تقســيم متعة النظر ما بين ذكر فاعل وأنثى مستسلمة، تسلط النظرة الذكورية المحددة نزوتها على الشكل الأنثوي المصمم وفقا لذلك. النساء يعرضن وينظر إليهن في الآن ذاته كجزء من وظيفتهن التقليدية الافتضاحية، حيث ترمز هيئاتهن لتعطي أثرا بصريا وإيروتيكيا ليقال إن ذلك يشــير إلــى ظهورهن كفرجــة(. هذا الذي تشــير إليه لورا ملفي، هو لعبة تبادل الســلطات بين ذكر يملك سلطة النظــر أو )الطلب( وأنثى تملك ســلطة الجســد أو) العرض( وهكذا تختصر الأنوثة في جانبها الإمتاعي الشهواني، ينضاف إليه تراث شعري وحكمي، وربما ديني يصمها بالخيانة والخداع والسفه والسطحية.

لم تكتف مي بالكتابة وقد أصدرت «باحثة البادية» و »بــن المد والجــزر » و»ســوانح فتــاة » و»كلمات وإشارات» و»ظلمات وأشعة» و»ابتسامات ودموع» و»أزاهير حلم» وهو ديوان شــعر بالفرنسية، لكنها أرادت تكريــس علاقة أخــرى بين المــرأة والرجل،

ليســت بالضرورة علاقة إيروســية قوامها التثني والدلال من قبلهــا، والهياج الذكوري من قبل الرجل، ووصف لواعج الهوى وحرقة الشوق وسهاد الليالي الحبلى بالحنــن، بل علاقة فكريــة وروحية قوامها الجمال والمعنى، وهو ما حاولت تحقيقه عبر إنشائها لصالونهــا الشــهير، الذي كان ينعقد يــوم الثلاثاء وقد حــف بها نخبة من رجال الفكر والقلم، كشــبلي الشــميل وأنطون الجميل ويعقوب صروف وجرجي زيدان والعقاد وطه حســن والرافعي ولطفي السيد ومصطفى عبد الرازق وإســماعيل صبري وقاســم أمين. واشــتهر أمر ذلــك الصالون حتــى صار حقا علامة فارقة في مسار المرأة الشرقية المثقفة في القرن العشرين، وقد قال عنها شفيق المعلوف:

جمعت مي الرجال مــن حولها في صالونها، وهي تعرف ركــون الرجل الشــرقي مهما كان مســتواه الثقافــي والإبداعي إلــى بداهة التفرد والأســبقي­ة الذكوريــة، وأن المرأة مهما أبدعت ســتظل جســدا يتشــهى، وطيفا يتأوب، فالعقاد مثلا ما كان يرى في كتابات مي إبداعا مســاويا لإبــداع الرجل، ولم يكن يأخذ كتاباتهــا على محمل الجــد، وكتاباته عن مي مردها إلى المجاملــة واللياقة، فقــد كان يحبها دون أن يفكر في الارتباط بهــا، والرافعي أدلى بدلوه في مضمار العشــق ووجد في مي، خير ملهم لطائفة من كتاباته الرومنطيقي­ة في بيان جزل، مترســل، ناصع العبارة مثــل «حديث القمــر» «الســحاب الأحمر» و»أوراق الورد» وقد أدركت مي ذلك وتعذبت بسببه، فتوجهت بحبها إلى بعيد بجســده قريب بروحه هو جبران خليل جبران، وتبادلت معه رســائل، لكن هو الآخر أصابها في المقتل إنه لا يفكــر في الارتباط بها على الرغم من كونه يحبها.

كان هــذا أول ما أصــاب مي وبدأ في هــد عافيتها وتعقدها مــن الرجال، لقد خف الرجــل إلى مجلس مي يوم الثلاثــاء، وطاف حول هيكل الحب ومحراب الجمال، وتأوه وكتب الأشعار والخواطر وربما ادعى أنه أســقط «ميا» مغشــيا عليها حبا وولها وصبابة، لكنه ظل يحمل النظرة الذكورية نفسها، الموروثة عن تراث ذكوري يرفــض أن تصيح الدجاجة صياح الديك ويوصــي بذبحها على تلك الحال، غير مقر بفــرادة ومســاواة وندية القلم النســوي للقلم الرجالي.

يضــاف إلى ذلــك طمع الأقارب فــي تركة مي وأملاكها التي أرادوا الاســتيلا­ء عليها بعد وفاة والديهــا وفعلا حصلــوا على إذن طبــي يعدم أهليتها العقلية واستحوذوا على كل ما تملك، بعد أن أدخلوها إلى مستشــفى الأمراض العصبية، وكان موت جبران عــام 1931 - وقد أحبته على الرغم من تصريحــه لها بأنه لا يفكر في الارتباط بهــا، وكان هذا ضربة قاصمة لها، فقد ترســخت لديهــا قناعة بــأن النظرة الذكوريــة للمرأة في الشرق لا تخلو من ظلم وتناقض ونفاق، حتى لو كانت تلك النظرة هي نظــرة أعلام العصر الذين جمعتهــم في صالونها الشــهير، حيث أرادت من خلاله التأكيد على حضور المرأة، لا ذلك الحضور الذي وصفته لــورا ملفــي تتبادل فيه الســلطات، وكانت من خلال الكتابة منافســة الرجل في أداة ظل يحتكرها لقرون وهي القلم، لكن مي أدركت من خلال تجربة الصالــون هيمنة النظــرة الذكورية التراثية حتى علــى رواده، ثم أدركت من خلال تجربة الكتابة صعوبة المهمــة، نظرا لذكورية اللغة والتراث معا، ثم تظل الكتابة الذكورية سقفا ومثالا تقيس عليه المرأة كتاباتها، هو مــا يحول دون تميــز وأصالة وفرادة تجربة الكتابة النسوية، وهذا ما باحت به في رسائل كتبتها إلى ملك حفني ناصف المعروفة باســم باحثة البادية، وتعد تلك الرســائل شهادات تاريخية توثق لصعوبة ومآزق الكتابة النســوية، أمام لغة وتراث ومخيال ذكوري كله.

لا مرية في أن النساء اللائي حملن القلم تلك الأداة الذكورية ومارســن لعبة الكلمــات محاولات تجاوز عقبة التاريخ والخلفية الفكرية، هن مدينات لتجربة مي زيادة في الكتابة، وفي إدارة الحوار عبر صالونها الشهير مسفرة، متحدثة في غير إغراء أو تبذل، وكان ذلــك الصالون اســتمرارا لصالون عقدته الســيدة سكينة بنت الحســن، التي كانت تستمع إلى أشعار الشعراء وتبدي رأيها فيها، وقصتها مع راوية جرير مشهورة في قصيدته:

لكنها كانت تكلم الشعراء من وراء حجاب، وهكذا توفرت لمــي المرجعية التاريخيــ­ة والتراثية لتجربة التواصل النســوي مــع الرجال، بالكلمــة والفكرة والخيال والوجدان.

تجربة في الكتابة النسوية تحاول فرض وجودها ولغتهــا وكيانها المســتقل غير عائدة إلــى المعيارية الذكوريــة، اســتمرت بعــد انفضــاض صالون مي ورحيلها جسديا عن عالمنا، مع بنت الشاطئ ومفيدة عبد الرحمن ونازك الملائكة وملك عبد العزيز وسهير القلماوي ونعمــات أحمد فؤاد ولطيفة الزيات ونوال السعداوي، وحديثا رضوى عاشور وأميمة الخميس وهدى بركات ولطيفة الشــعلان وأحلام مستغانمي وغيرهن ممن يضيق المقال عن حصرهن.

 ??  ?? مي زيادة
مي زيادة
 ??  ??

Newspapers in Arabic

Newspapers from United Kingdom