Al-Quds Al-Arabi

الهروب... فن مزاولة الصيرورة

-

■ الهــروب فن مزاولــة الصيــرورة، ومن يأبه بالخطى حينذاك بطيئة كانت أم سريعة.

المبتعدون مــن الضجيــج، يســتجيبون لذلك التدفق الأصيل من أعمــاق الذات، من أجل مزيد من الطمأنينة في تحقيق التناغم مع الطبيعة وأصواتها وألحانها.

الهاربــون من ذواتهــم، يحاولــون التحرر من صنميــة وجههم الــذي حجّرتــه صــورة المثال، يحاولــون التحرر من ذلــك الإطار الــذي وضعه لهم الناس والمجتمــع بتقاليــده وعاداته وقيوده ومحرماته.

الهاربون من الحب، يحاولــون أن يتغلبوا على هشاشــتهم، بتقبل ما أنكــروه طويلًا مــن حتمية النهايات. والهاربون إلى الحب يحاولون الانتصار على الزمن بزوادة كبيرة من شــغف تلك اللحظات التي تحيا في عناق أي حبيبين يرونه، في الشاشات أو على الأرصفة، أو في أعماقهم!

المتعبــون من الصداقــات ومن ترميــم زجاجها

بمبررات المثــال، تنبهوا إلى نــزف أيديهم، فآثروا القطيعة التي تبقي تناسق اللون في وجدان إبريق البلور بلا ماء.

المتعبون من المنافســا­ت، هم الأحرار الذي تحلّوا ببصيرة كشفت لهم سر الســعادة في هذه الزيارة إلــى الأرض، فتمتعــوا بحكة القــدم على الأرض، كعاشــق يمشــي في قلب حبيبته. فلا مناصب، ولا مصالــح، ولا غايات تعــادل تلك المتعــة في جعل اللحظة غاية في ذاتها.

الهروب إلى الأمام، ســفر إلى حيز الإمكانات غير المأهولة سابقاً، لربما تكون حلماً ينفلت من لحظات السكن في الخيال إلى ما هو أبعد من النهايات.

الهــروب إلــى الوراء، عــودة إلى وســادة من اســتكانة، وقد تفيدنا إشارات نيتشــه إلى العود الأبدي أنه ليس سوى «معيار تقييم، ومبدأ لانتقاء لحظات من حياتنا تستحق أن تعاش، أو لتلك التي لا تســتحق، ذلك إن نيتشــه يدعونــا إلى العيش بطريقة لا يعــود معها للندم أو لوخــز الضمير أي معنى وأي قيمة .»

لعلنا نجد في مســاءلة ذاتنا مساءلة وجودنا، لتأتــي كل حركة فعل جــن، أو بطولــة، وفي كلتا الحالين موقــف. والموقــف لا يتدلى مــن علو، في اللازمان واللامكان. محطات في الطريق تستدعيه،

وعلينــا أن نختــار المضي في ســكة مرســومة أو الانحراف عــن مســار الأغلبية. وفــي الانحراف مغامرة الســكن في المتاهات، العمــر يمضي في كل الأحوال، والمواقف ســوف تمضــي. لا بأس ببعض الانسلاخات. الانســاخا­ت تطال المشاعر، لكنها لا تطال الروح، ما يُســلخ من الــروح، يعيد نموه في الروح. ولعل الهروب نسق من التصدعات المتتالية، تحيي من خلالها أولئــك اللامتحركي­ن على جانبي الحواجز، هم يســجلون المارين وأعداد بســماتهم وعبســاتهم، من أجل التلهــي، كالفطريــا­ت التي تعتاش من رصيد مشاعر الآخرين.

وربما كل خطوة، إنما هي محاولة لإعادة ترتيب العالــم، وربما لإعــادة ترميم وجهــه، ذلك الوجه الذي تغبش في المرايا، أو ربما يكون اســتراحة من الهذيان في الضمائر المنفصلة للأنا، تلك التي تجعل من المسافات مجالاً أوضح للرؤية.

والهــروب ليس عزوفاً عن النشــاط كما يصرح جيل دولوز، فلا شــيء أكثر نشــاطا مــن الهروب، إنه نقيــض المخيال في تعريفــه، وبذلك هو الإقامة في الحركة، تحاول عبره إنقــاذ ما بدا لك أنه يمكن إنقاذه كمحاولة أخيرة قبل الخسارة.

قــد يطول زمن هــذا الابتعــاد أو يقصر، وربما يصبح غاية، أو نمــط حياة، كمن يضع صرته على كتفه، ولا ينظر إلى الوراء، فكل ثمين تحمله الروح، ولا يعود للمــكان إلا تأثيــر في العــن، نغادره. نهرب بالرســم، نظراً وفعلا وتأويلاً، لتصح مقولة سلفادور دالي بالتصوف النووي والتوحد باللون والموضوع وكريات الحياة التي بشّــر بها، فينتفي حينــذاك كل شــعور بالغربة والانفصــا­ل. نهرب بالكتابة لإنقاذ ما تيسر من انفلات ذلك الخيال في عوالم من نور تضيء لهذا الرماد اتجاهات السفر. نهرب بالكتابة صوغاً لجمل قصيرة، لا استفهام في آخرها. نهرب بتكســير المرآة، لأنها صارت مسودة نكتــب عليها مخطوطــة لا ترى النــور، وتوجيه النظر نحو الأفق البعيــد، لتأجيل الغثيان، بقبول لا عداوة فيه للآتي.

 ??  ??

Newspapers in Arabic

Newspapers from United Kingdom