Al-Quds Al-Arabi

رئيس الحكومة الجزائرية األسبق سيد أحمد غزالي: التعليم أهم ثروة لدى الجزائر اليوم

- الفرنسية.

○ أين نشأت؟

• ولــدت في مدينة تيغنيف في منطقة معسكر، وأجـدادي من الوالدة ينحدرون من هـذه املنطقة، وهـم أحفاد األمير عبد القادر اجلزائري. أما أجدادي للوالد فهم من ندرومة، على احلدود الغربية للجزائر، وهي مدينة عبد املؤمن بن علي، مؤسس الدولة املوحدية، الذي حكم منها املغرب العربي الكبير.

○ هل أثرت هذه النشــأة في ميولك ملا نضجت؟

• كان والدي مدرسا للغة العربية، ولذلك أتيح لي أن أتعلم لغة أخرى قبل لغة فولتير. وقد درسـت املرحلة االبتدائية في ندرومة، والثانوية في تلمسان ووهـران. ثم وجهوني إلـى شعبة «الرياضيات اخلاصــة» في إطار إعـدادي ملتابعة الدراسة في كليات الهندسة

○ هل تذكر أسماء زمالء درسوا معك في تلك املرحلة؟

• هم قلة قليلة ألن عدد اجلزائريني الذين يصلون إلى تلك املرحلة املتقدمة، ضئيل جدا، ففي شعبتي مثال كنا اثنني فقط. ثم انتقلت إلى الدراسة في مدرسة «اجلسور والطرقات» الفرنسية الشهيرة، وكنا ثالثــة جزائريني وستة تونسيني فقط.

○ وكيف بدأت مســيرتك السياســية؟ هل هناك حــدٌث ما دفعك إلى الســباحة في بحورها؟

• ليس هناك حــدٌث مـحـدٌد، وإمنــا كان أبناء جيلي يفهمون السياسة على أنها شكل من أشكال خدمة الوطن. كنا شبابا، وكنا نشعر باأللم والقهر ألن بلدنا يرسف في قيود االستعمار. كانت الطريقة الوحيدة الناجعة السترداد احلقوق هي الكفاح الذي كانت تقوده جبهة التحرير الوطني، من أجل االستقالل، واالستقالُل هو أداة استعادة الكرامة.

○ متــى أكملت الدراســة وعــدت إلى اجلزائر؟

• في سنة االستقالل )1962( وطبعا كنا ُمتحزبني منذ أيام اجلامعة. وعندما عدت إلى الوطن، كنا أربعة مهندسني جزائريني فقط. ولـذا كلفتني احلكومة بقطاع النفط، فكان وجودي في هذا املوقع من باب الُصدف.

○ وكيف كانت عالقتك مع اجليل األول؟

• لم أتعرف على زعماء جبهة التحرير الوطني، ألنهم كانوا يقيمون في تونس، لكني متكنت من التعرف على القياديني أحمد بن بلة ورابــح بيطاط ومحمد خيضر وحسني آيـت أحمد ومحمد بوضياف، ألنهم كانوا مسجونني في فرنسا، وكنت أزورهم بوصفي مسؤوال في االحتاد الوطني لطالب اجلزائر. طبعا كانوا أكبر مني سنا، فنب بلة مثال يكبرني بـ62 أو 27 سنة.

○ متى التحقت بشــركة «سوناطراك» التي توليت إدارتها في مرحلة الحقة؟

• أنا من أنشأ مديرية احملروقات املركزية في وزارة الصناعة، وتعرفت أثناء عملي فيها، على بعض اإلخوة من ذوي الكفاءة، فأسست معهم «سوناطراك» مبوجب مرسوم صدر في كانون األول/ديسمبر 1963 أي بعد سنة فقط من احلصول على االسـتـقال­ل. بعد ذلك قرر الرئيس بن بلة )1965-1962( إدخالي إلى احلكومة، فعينني كاتب دولة (وكيل وزارة) لألشغال العامة، ولم أكن جتاوزت السادسة والعشرين. اضُطررت طبعا ملغادرةُ سوناطراك ووزارة الصناعة، إلى منصبي اجلديد، وقد أتاح لي ذلك املنصب زيارة عدة بلدان عربية.

بعد االنقالب الذي قاده وزير الدفاع الراحل هواري بومدين، مطيحا بنب بلة في 1965 كانت تلك جتربتي األولى في اجملال السياسي، إذ عرفت جانبها السلبي، فقد كنت الوزير الوحيد غير السياسي بني أعضاء حكومة بن بلة، ومع ذلك كنت الوحيد الذي استقال من احلكومة.

○ متى استقلت؟

• يـوم االنـــقال­ب، إذ اعتقل بن بلة ليل اجلمعة/السبت التاسع عشر من حزيران/ يونيو. ودعانا بومدين إلـى اجتماع جمللس الوزراء يوم األحد، فرفضت احلضور. ثم أرسل العسكر في طلبي، فتمسكت بالرفض. كانت غاية الرئيس اجلديد احملافظة على الطاقم احلكومي بكامله، وإثبات كونه عزل بن بلة النفراده بالقرار.

وملا التقيت بومدين بعد ذلك، سألني «ما الـذي دفعك للتضامن مع بن بلة؟» فأجبت: بن بلة ليس صديقي فهو يكبرني بأكثر من عشرين سنة، لكنه كان الرئيس الذي عينني في هذا املنصب، فلما ُأبعد هو لم يعد وجودي في احلكومة شرعيا.

في الواقع لم يكن لي تأثير داخل مجلس الوزراء، ألني كنت األصغر سنا. لكن بومدين كان حريصا على متاسك احلكومة، ومن هذه الزاوية أزعجه موقفي، فأرسل لي عديد الوزراء من بينهم عبد العزيز بوتفليقة ثم بلعيد عبد السالم. وملا أيقن أنني ُمصٌر على موقفي، قال لي «اذهب فأنت حٌر، وعندما تعود سأعطيك أي منصب تختاره».

قـــدرُت فـي بومدين رجولته، ففي عاملنا العربي من ليس معك فهو ضدك.

○ هل سافرت بعد ذلك؟

• بلى، غـادرت البلد واستمر غيابي عنه ثالثة أو أربعة أشهر، والطريف أنني اخترت السفر إلى أبعد مكان عن اجلزائر، فهو يقع على بعد 400 كيلومتر شمال العاصمة السويدية ستوكهولم. وملا عـدت إلـى اجلـزائـر، عينني بومدين رئيسا لشركة سوناطراك في السنة نفسها .1965 دخلت املؤسسة وكــان فيها ثالثة موظفني فقط، وغادرتها بعد 15 سنة، وهي تضم 120 ألف شخص. وفي العام 1977 عينني بومدين وزيرا للطاقة، لكن الفرق بني املنصبني لم يكن كبيرا بالنسبة لي. وفي أواخر 1978 توفي بومدين وخلفه الشاذلي بن جديد، فنقلني إلى وزارة الـري. وسرعان ما قدمت استقالتي بعد بضعة شهور...

○ ملاذا؟

• بدأ الهجوم على بومدين وعهده، فلم أقبل بذلك من باب الوفاء للرجل. لكن في سنة 1980 مت إقصائي من «جبهة التحرير الوطني» (احلزب احلاكم) مبعية بوتفليقة وبلعيد عبد السالم.

○ هل اعتبروكم بومدينيني؟

• أجل، واملفارقة أنهم نعتوني بكوني من أنصار بن بلة ملا استقلت في 1965 ثم نعتوني بكوني من أنصار بومدين، عندما استقلت في أواخـر السبعينات، مع أني لم أكن رجل بومدين، وإمنا هو رئيس الدولة بكل بساطة،

وأنا فخور بكوني عملت معه.

في أعقاب أحـداث تشرين األول/اكتوبر 1988 (مظاهرات ضد نظام احلزب الواحد) ُدعيُت لتولي منصب وزيـر املال في حكومة قــاصــدي مــربــاح، بعدما كنت سفيرا في بروكسيل.

○ ما هو أصعب موقع سياســي وجدت نفسك فيه؟

• جميع املسؤوليات التي تقلدتها لم تكن سياسية، من وزير الطاقة إلى وزير الري إلى وزير املال، لكن املوقع الصعب كان وزير اخلارجية، ألنه تزامن مع أزمتني كبيرتني هما أزمة لبنان وحرب اخلليٍج الثانية في أعقاب االجتياح العراقي للكويت .1990 عشت األزمة األخيرة في عزلة، ألن رئيس الدولة (بن جديد) كان شبه مستقيل، وكان علي أن أتدبر أموري كوزير للخارجية مبفردي.

أدانت اجلزائر االجتياح العراقي للكويت، وهذا موقف لم يعجب العراقيني. ثم أعلنا في مؤمتر القمة العربي بالقاهرة، رفضنا التدخل األجنبي في األزمـة، تطبيقا لقرار كان وزراء اخلارجية العرب اعتمدوه في اجتماع القاهرة، بعيد االجتياح (في 4 يوليو/متوز )1990 وميكن تلخيصه في نقطتني هما: الطلب من العراق سحب قواته من الكويت، والرفض القاطع ألي تدخل أجنبي في األزمـة. ووافق اجلميع على مشروع القرار، عدا ستة بلدان هي العراق واألردن وفلسطني وتونس واليمن والسودان.

كان أبناء جيلي يفهمون السياسة على أنها شكل من أشكال خدمة الوطن

ومن ثم زرت بغداد مـرات عدة إلقناع صدام حــسني بـاالنـسـح­ـاب مـن الـكـويـت، فرفض وحاولُت أن أقنعه بأن األمريكيني ُيخططون لتدمير قوته العسكرية واالقتصادي­ة، فكان ر ُد ُه أن احلرب لن تقع، ولم يتجاوب مع املسعى. كان يردد على مسمعي أن الشعب اجلزائري والشعوب العربية تقف إلى جانبه. لكن ماذا تستطيع الشعوب فعله في موقف كهذا؟ أن تضغط على حكوماتها كي ترسل األساطيل للدفاع عن العراق؟ نحن في اجلزائر مثال، لم يكن عندنا أسطول حربي ملثل هذه األوضاع، فماذا ينفع الدعم اآلتي من الشعوب؟

تلك حقبٌة ال ُتنسى من شدة صعوبتها، فقد أمضيت تسعة أشهر (من اب/اغسطس إلى شباط/فبراير )1990 في عزلة مطلقة، فال أحد تكلم معي، إن كان رئيسا أم رئيس حكومة أم وزيرا. إن كان عربيا أم أجنبيا. ثم التقيت وزير اخلارجية األمريكي آنــذاك جيمس بيكر في نيويورك، في ذروة األزمـة، وشرحت له أننا وقفنا ضد االجتياح، لكننا ال نستطيع إخراج صدام من الكويت. فاقترح علي دعوة نظيره الروسي إدوارد شيفرناندزة، ليوقع ثالثتنا على طلب ندعو فيه إلى خروج القوات العراقية من الكويت. لكني نبهته إلى أن اجلزائر ما زالت ترفض التدخل األجنبي. وقلت لبيكر «موقفنا ال يقبله النظام العراقي، وال يرضي الشعب الكويتي وال الشعب العراقي، بل وال الشعب اجلـزائـري» فعلق بيكر ســائال: ومـا هو هذا املوقف الذي ال يرضي أحدا؟ فأجبته فورا: هو املوقف املستقل.

○ ما هو أصعب موقف عشته؟

• جـئـت لــرئــاسـ­ـة احلــكــوم­ــة فــي ظل حالة طــوارئ وبداية أعمال العنف من قبل االصوليني، فكان وضعا صعبا وبالغ الدقة.

○ هــل هنــاك موقف اتخذتــه وندمت عليه؟

• عموما ال أذكـر، لكن أذكر أني حاولت أن أعدل القانون االنتخابي الستبدال نظام األكثرية بنظام النسبية، ألن نظام األكثرية مثل لعبة البوكر، فإما أن تفوز بكافة املقاعد، وهذه كانت النتيجة احلتمية في ظل سيطرة احلزب الواحد (جبهة التحرير الوطني) فمن يحصد خمسني في املئة من املقاعد زائدا مقعدا واحدا، ميكنه أن يستأثر بجميع املقاعد. وعليه يبدو النظام النسبي أقـل مخاطرة وأعـدل قسمة. لكن حزب جبهة التحرير، الذي كان يتمتع بالغالبية الساحقة في اجمللس الشعبي الوطني (البرملان) تشبث بنظام األكثرية ألنها تضمن له، حسب تقديره آنذاك، احملافظة على موقعه في احلكم. غير أن نتائٍج االنتخابات لم تكن لصاحله، ما وضع احلكومة في موقف أقلي، وكان علي في ذلك الوقت، أن أستقيل من رئاسة احلكومة. هذا هو تقريبا املوقف الذي ندمت على تصرفي حياله، إذ قدمت استقالتي،

لكن ال رئاسة الدولة وال قيادة اجليش قبالها، فكان ينبغي علي أن أصر على موقفي وأمضي إلى اآلخر.

○ من هم األشــخاص الذيــن أثروا في مسارك واتخذت منهم قدوة؟

• أولهم محمد بوضياف، فبالرغم من أن الفترة التي عرفته فيها كانت قصيرة، إال أنها كانت خصبة ومفيدة. في الواقع تعرفت عليه في املرة األولى عندما كان في السجن مع رفاقه القياديني، قبل االستقالل. ولم أره ثانية إال بعد ثالثني سنة، لدى عودته للجزائر في .1991

○ هل تغير؟

• ظل هو هو. لم يتغير فيه سوى الشعر األبيض. أما الدقة والصرامة واحليوية فهي ما عهدتها فيه قبل ثالثة عقود. طبعا هو لم يعرفني معرفة عميقة، فقد كنت أذهـب إليه بوصفي طالبا جزائريا في فرنسا، ثم صار بعد االستقالل يرى في رمبـا، مسؤوال عمل

مع بن بلة وبومدين والشاذلي بن جديد، فهو إذا من كــوادر النظام. هذا هو التحليل العادي واملنطقي. لكن الالفــت أن صحافيا زار بوضياف قبل شهر فقط من عودته إلى اجلزائر وصعوده إلى سدة الرئاسة، وطرح عليه السؤال التالي «هل ستعود إلى السياسة؟ فرد عليه بحزم لن أعود أبــدا... هذه صفحة طويتها». وأذكر أيضا أنه لدى تعييني رئيسا للحكومة ُسئل بوضياف: «ما رأيك في غزالي؟» فأجاب: «حمروش أو غزالي ما الفرق؟ إنهما متشابهان». تلك هي الفكرة التي كان يحملها عني في البدء، لكن أعرف أنها تغيرت في ما بعد.

○ لو ســألتك مــا هي أهم ثــروة لدى اجلزائر اليوم؟

• التعليم. عند االستقالل كان 300 ألف تلميذ جزائري يدرسون في املدارس االبتدائية والثانوية، من بينهم 5 في املئة من الفتيات. واليوم صار عندنا 9.5 ماليني تلميذ وتلميذة نصفهم من اإلنــاث. بعد االسـتـقال­ل وجدنا أن مفاصل اإلدارة بأيدي فرنسيني، وهؤالء هاجروا بكثافة عائدين إلى فرنسا، فكان علينا إعادة توزيع كفاءاتنا الوطنية على رغم قلتها، وبذلك تفادينا الفوضى واالنهيار.

1980 سنة تم إقصائي من «جبهة التحرير بمعية بوتفليقة وبلعيد عبد السالم

 ?? ??
 ?? ??
 ?? ??
 ?? ??

Newspapers in Arabic

Newspapers from United Kingdom