Al-Quds Al-Arabi

كريم بقرادوني في «ميشال عون، رجل التحديات»: نجح كقائد عسكري ولم تتحقق آماله السياسية

- سمير ناصيف كرمي بقرادوني: «ميشال عون رجل التحديات» كنعان للنشر والتوزيع، بيروت 2024 82 صفحة.

يكتسب كتاب كرمي بقرادوني الذي صدر مؤخرا حتت عنوان «ميشال عون، رجل التحديات» أهمية خاصة في هذه املرحلة التي يتم التداول فيها محليًا وإقليميًا ودوليًا في موضوع هوية رئيس اجلمهورية اللبنانية املقبل.

وبقرادوني هو شخصية لبنانية تنقلت في مناصب مسؤولية عديدة في جهات فاعلة في لبنان حزبية ووزارية، وكـان مقربا من عدد من رؤســاء اجلمهورية واألحــزاب السابقني وقادة فاعلني وبينهم من يستمر في مناصبه. ولعل أفضل لقب يوصف به هو «كامت األسرار» الذي يأمتنه معظم هؤالء حول قراراتهم ودوافعها، علمًا انه أجنز كتبًا عن عدد من رؤساء اجلمهورية السابقني، الياس سركيس وأمني اجلميل وأميل حلود بعد تركهم الرئاسة بأقل من سنة.

وبسبب انتماء بقرادوني إلى حلقة مقربة من الرئيس عون سمح عون له بطرح أسئلة واحلصول على أجوبة عنها لم يكن ليجيب عنها آلخرين غيره. علما أن عون قد انتخب رئيسا في 31 تشرين األول (أكتوبر) 2016 وبقي في منصبه لست سنوات، وكان قد قضى فترة طويلة في هجرة قسرية إلى فرنسا عاد بعدها في 7 أيار (مايو) 2005 إلى لبنان إثر اغتيال رئيس احلكومة رفيق احلريري قبل ذلك بثالثة أشهر 14 شباط (فبراير) .2005

يبلغ عون حاليا التاسعة والثمانني من عمره، وهو يعيش في منزله اخلاص في منطقة الرابية في قضاء املنت الواقعة شمالي بيروت، وما زال الرئيس الفخري حلزب «التيار الوطني احلر» الذي أنشأه بعد عودته إلى لبنان من املهجر القسري والـذي يترأسه تنفيذيا صهره النائب والوزير السابق جبران باسيل.

يذكر بقرادوني في الفصل األول من الكتاب أن ميشال عون، وعندما كان ضابطًا في اجليش، كان مقربًا من رئيس اجلمهورية الراحل بشير اجلميل الذي اغتيل في صيف عام 1982 بعد فترة قصيرة على انتخابه. وكان بشير على عالقة بعون قبل انتخابه رئيسًا وصمم على تعيينه قائدًا للجيش لو أتيح له الوصول إلى الرئاسة والبقاء فيها، ولكن جهات أخرى في لبنان عارضت مثل هذا التعيني بعد اغتيال بشير بسبب تنافسها مع عون على القيادة املسيحية وادراكها بكونه صاحب قـــرارات تتسم باالستقالل­ية والتحدي للخصوم. كما عارضه قادة األحزاب اللبنانية في املناطق غير املسيحية.

يقول بقرادوني في هذا اجملال في الكتاب: «أدرك ميشال عون باكرا أن منع تدخل اجليش اللبناني حلفظ األمن كان احللقة األهم إلشعال احلرب األهلية في لبنان بقصد تقسيمه وتوطني الفلسطينين­ي فيه وإذا اقتضى األمر حتويل لبنان إلى الوطن البديل وفق خطة هنري كيسنجر في العام »1973 23ص( ـ .)24 ويضيف املؤلف أن عون، وعندما طلبت منه القيادة العسكرية للجيش عام 1976 املشاركة في جلنة رباعية بهدف إعادة بناء املؤسسة العسكرية التي أصيبت بندوب منذ اندالع حرب 1975 أصر على بناء نواة موحدة للجيش تنطلق من وزارة الدفاع وتضم ضباطًا وجنودًا من مختلف املناطق والطوائف إلعادة بناء جيش واحد لكل لبنان. وقد حظي طرح عون بدعم من رئيس اجلمهورية آنذاك الياس سركيس الذي رأى بأن صيغة عون كانت تعني احلفاظ على وحدة لبنان وصيغة العيش املشترك» (ص 25 ـ .)26

كما يضيف الكاتب أنه في العام 1980 أنشأ بشير اجلميل هيئة مصغرة من املستشارين بينهم انطوان جنم، وميشال عون الـذي اختار لقب «رعـد» وسمير جعجع امللقب بالـ «حكيم» وذلك بهدف إيجاد صيغة سياسية جديدة للبنان. ولم تخرج الهيئة بأي نتيجة بسبب التباعد املستحكم بني عون وجعجع اللذين كانا يختلفان على أي نقطة تطرح. وعلى الرغم من اخلالف بني عون وجعجع، حافظ بشير على تواصله تنظيميًا بجعجع وسياسيًا بـعـون والـتـقـى مــع عــون على مشروع املقاومة واإلصالح. وبدأ بشير ينادي بــوحــدة لبنان رافــعــا شـعـار 10452 كيلومترا مربعا وكان عون يكرر موقفه ضد التقسيم. وهكذا التقى عون وبشير على وحدة لبنان والعيش املشترك فيه وضرورة حتريره من كال االحتالالت» (ص .)32

كما تـوسـط عــون بني قيادتي حزب الكتائب وحـزب الوطنيني األحرار في عام 1980 عندما تواجها ميدانيا وكان بشير يسعى آنذاك لتوحيد البندقية املسيحية في لبنان فاشتبك احلزبان في مناطق مختلفة من املنطقة الشرقية ذات األكثرية املسيحية، علما ان بشير طلب من عون القيام بدور الوسيط بني احلزبني.

في بداية الفصل التالي، يقول املؤلف: «عارض الوزراء نبيه بري ووليد جنبالط وعبد الله الراسي بشدة تعيني ميشال عون قائدا للجيش بذريعة انه منحاز وهو من رموز احلرب». وكان األكثر تشددا في ذلك وليد جنبالط الذي قال انه «إذا بدنا نرجع على الدوامة القدمية عمرو ما يرجع لبنان» فرد الرئيس أمني اجلميل على املعترضني أن «ميشال عـون هو األقــدر على معاجلة االختراقات التي أصابت اجليش اللبناني على يد القوات اللبنانية وهو الذي يستطيع إعادة مللمة املؤسسة العسكرية املبعثرة» (ص .)49 وقد عينه الرئيس أميل اجلميل قائدا للجيش في 23 حزيران (يونيو) 1984 وذلك بالرغم من ان العالقة بني عون والرئيس اجلميل لم تكن دائما على ما يرام (ص .)50

ويضيف املؤلف: «أمـا سمير جعجع فكان قلقًا من جراء تعيني ميشال عون قائدًا للجيش خشية من أن يكون ثمن هذا التعيني اتفاقا بني عـون واجلميل على ضـرب القوات اللبنانية. ومنذ البدايات ظهرت معالم الصراع املاروني على الزعامة بني الثالثي أمني اجلميل وميشال عـون وسمير جعجع.

ويشير بــقــرادو­نــي انــه التقى عون عام 1985 وهنأه على إدارتـه املفاوضات مع إسرائيل وتسجيل كسب للبنان على الصعيد اإلعالمي «وأبـديـت خشيتي من تفخيخ هذا النجاح عن طريق تفجير الوضع بني اجليش اللبناني والقوات اللبنانية» فــرد اجلنرال بالتأكيد انه «ليس واردا عـــنـــده االصـــطــ­ـدام بالقوات اللبنانية أ و التخلص منها لكون ذلك سيخل بالتوازن في لبنان وألن إلغاءها له ثمن هو إلغاء كل امليليشيات وخاصة ميليشيا حركة أمل واحلزب التقدمي االشتراكي» (ص .)60

ورأى عون أن عهد الرئيس أمني اجلميل شهد فترة تكافل للثنائي السوري ـ اإلسرائيلي في لبنان وأن االتفاقات التي كان يوقعها لبنان آنذاك كانت تسقط حتت إحدى ذريعتني أما انها كانت ال ترضي دمشق التي كانت تنظر إلى أمن سوريا من أمن لبنان أو ألنها ال تأخذ باالعتبار مقتضيات األمن اإلسرائيلي. «الثغرة األهم في تلك االتفاقات كانت تتمثل بعجز السلطة اللبنانية عن ضمان التنفيذ لكونها تستمد شرعيتها من اخلارج. ان سوريا كانت قادرة على أن تسقط كل اتفاق ثنائي لبناني ـ إسرائيلي مثلما كانت تستطيع إسرائيل تفشيل كل اتفاق ثنائي لبناني ـ سوري». ورأى اجلنرال «أن اتفاقًا واحدًا ُكتبت له احلياة هو اتفاق الهدنة الذي نظم بني لبنان وإسرائيل في العام .»1949 وفي كل حال برأي اجلنرال «على سوريا وإسرائيل أن تدركا بعد جتاربهما الطويلة ان لبنان القوي هو اجلار األمثل لكليهما. واملؤسسة العسكرية القوية لها دور أساسي في الدفاع عن دميومة الدولة وحماية املواطن وعليها ان تبقى دائما على احلياد» (ص .)63 الفصول األخيرة في كتاب بقرادوني تظهر إلى حد ما بأن صـورة ميشال عون كرجل مواجه للتحديات كانت تظهر بشكل أفضل قبل وصوله إلى رئاسة اجلمهورية وكانت أكثر وضوحا آنذاك. وال يقدم الكاتب تفسيرًا مباشرًا ألسباب هذا التغيير فيما هناك تفسيرات من مصادر مقربة من عـون وأخــرى في خصومة معه. فاجلهات املقربة تعتبر بأن مشروع اجلنرال ميشال عون حورب على جبهات عدة اخلية وخارجية وأن القيادات الدولية واإلقليمية لتيحاربتهع­ندما كــانرئيسا لــحــكــو­مــة العسكرية ي املاضـــــ­ي استمرت فـــــــــ­ـي عـــرقـــل­ـــة مـــشـــار­يـــعـــه بعد وصـولـه إلى السلطة. أما خصومه

فيرون بأن اجلنرال سّجل أهدافًا في مرماه عندما بالغ في توسيع نفوذ صهره جبران باسيل في قيادة التيار الوطني احلر ما أخسر ميشال عون الكثير من حلفائه وساهم في تقليص هالة التأييد الشعبي التي كان يتمتع اجلنرال بها بسبب جتنبه املناورات السياسية واحلرتقات واعتماده الصراحة وااللتزام في املواقف خالفا ملمارسات خصومه وبعض أعوانه.

فـعـون كــان يسعى إلــى تصحيح األوضــــا­ع املالـيـة واالقتصادي­ة في البلد التي سببتها تصرفات حاكم املصرف املـركـزي السابق وتـواطـؤ أصحاب املصارف معه والعمليات املشتركة اخملالفة للشرائع والقوانني التي ساهمت فيها احلكومات املتعاقبة وخصوصا اجلهات املالية فيها باإلضافة إلى عدم فعالية اجلهاز القضائي في ضبط هذه األمور. ولكنه سلم هذه املواجهة إلى معاونيه الذين فشلوا في مهماتهم. وما كان عون ليفعل ذلك عندما كان في مناصبه العسكرية السابقة بل كان يصيب الهدف في أوامره ومواقفه وترفعه عن املادية واملراوغة والتردد. ويقول بقرادوني إن عون قال كلمته األخيرة قبل انتهاء مهمته الرئاسية وسأل الناس من سرق أموالهم وملاذا لم يوضع أحد من السارقني وراء القضبان بعد؟

وهنا يتهم عون اجلميع من سياسيني وقضاة وحكام وأصحاب مصارف في وقت كان فيه ممثلوه في احلكومات املتعاقبة يتعاملون مع هؤالء امللتوين ويستفيدون في كثير من األحيان من قراراتهم ويجددون لهم في مناصبهم. فهل كان عون سيفعل األمر نفسه عندما قاد اللواء الثامن في اجليش اللبناني؟ هل كان سينتظر تعاون الضباط واجلنود الذين كانوا حتت أمرته ليقرروا قــرارات الـرد والقصف ويختار بينهم املترددين أو انه كان سيتخذ القرارات بنفسه ويتحمل مسؤوليتها؟

ويقول بقرادوني في هذا الصدد: «على بعد تسعة أشهر من االنتخابات الرئاسية صارحني الرئيس عون في أواخر آذار (مارس) 2022 قائال: «لن أترك موقعي إال وأكون قد كشفت الفاسدين وشجعت األوادم والشجعان على تسلم مقاليد احلكم بعد انتهاء واليتي» (ص )516 فهل فعل عون ما التزم بفعله أو أنه ما زال مصمما على اكمال مسيرته بتوكيل أمور التيار الذي أنشأه إلى شخصيات مقربة منه في أمور ومختلفة عنه في أمور أخرى هامة

بالنسبة إلى مؤيديه؟

 ?? ??
 ?? ??

Newspapers in Arabic

Newspapers from United Kingdom