Al-Quds Al-Arabi

اآليات العاصمة

- سعيد يقطين كاتب من املغرب

إن أسرار الكون ال حصر لها، وكلما تطور العلم في استكشاف مجاهيل الكون الذي حثنا القرآن الكرمي على سبر أغواره ما يزال البحث متواصال وسيظل مستمرا. وفي كل ذلك أكثر من داللة على أن لهذا الكون قوانني كلية ما فتئ العلم يتعلم منها للكشف عن أسراره وألغازه. ورغم كوننا نؤمن بأهمية العلم، وندعو إليه، ال نرى االنــطالق منه ضـرورة التخاذه بديال عما جاء به القرآن الكرمي لتنظيم حياة الناس، وجعلهم يسيرون على الطريق السوي إلعمار األرض، لتكون لفائدة البشرية، وليست مجاال للصراع والتسابق على التسلح خلدمة مصالح قوم على حساب أقوام أخرى. ويبدو واقعيا وتاريخيا أن العلم منذ الثورة التكنولوجي­ة بــدل أن يـوظـف لـهـذا الـغـرض بــات ساحة لفرض الهيمنة. واحلـضـارة الغربية املاديـة مثال صارخ على ذلك. فبادعاء كونها حتقق تطورات علمية وتكنولوجية مذهلة تسخر ما توصلت إليه إلبادة شعوب، واستعمار ونهب خيرات شعوب أخرى، وما تتوصل إليه اليوم لبسط هيمنتها على العالم. وفي الوقت نفسه تسهم في تخريب العالم الطبيعي، وتعريض الطبيعة للتدمير. وثمة بون شاسع بني من يدافع عن العلم النافع، والعلم الذي يخدم جتار احلروب، والنزعات الالإنساني­ة، وإن اتخذت لها شعارات تنكرت لها، وصــارت مناقضة ألصولها ذات البعد اإلنساني التي تكونت إبان نشأتها التاريخية.

ال يتعارض القرآن الكرمي مع العلم الذي

يسهم في خدمة البشرية. ولذلك جند آياته القاصمة تلح على الربط بني عاملي الشهادة والغيب، وحتــرض اإلنـسـان على التعارف والتعاون، وعدم التمييز بني األعـراق واألمم إال بالعمل الـذي يخدم اإلنسان. تلح اآليات القاصمة على أن للكون خالقا يدعو إلى الهدى، ضد الضاللة، وإلى اخلير نقيضا للشر. وهي بذلك تتوجه إلـى الـنـاس جميعا مبـن فيهم املؤمنون. وانطالقا من هذا الطابع نعتبر كل القرآن الكرمي قاصما للجهل وللطغيان. وأن ما نسميه «اآليات العاصمة»، باعتبارها نوعا خطابيا مقابال، تتكامل مع سواها لتحفيز اإلنسان ـ املؤمن على ما يؤِمن له حياة سعيدة في الدنيا باعتقاده في وجود حياة أخرى، يعمل مبقتضاها، ألنه يحاسب في آخراه على كل أعماله.

لقد بينت أن التمييَز بني اآليـات، بوصفها بنيات صغرى، منطلٌق للوصول إلى حتديد شامل ألنــواع اخلطاب القرآني برمته. وأن اختياري التمييز الثنائي لآليات «القاصمة» عن نظيرتها «العاصمة» يتسع لكل األنـواع التي ميكن أن يتضمنها كل الـقـرآن الكرمي لسبب بسيط هو أن كال منهما متعدد الدالالت، ويستجمع كل اآليات في ترابطها وتداخلها وتكاملها عكس ما جنده مثال في صنف «آيات الهداية واالستغفار» مثال كما أشرت إليها في مقالة «اآليـات القاصمة»، والتي جندها تلح على نوع معني دون أن تتضمن نقيضها في بعض اآليات عكس ما جنده في هذا التصنيف.

وإلعــطــا­ء مـثـال على ذلـــك، أرى أن اآليـة الكرمية: «ومـن يبتغ غير اإلسالم دينا فلن يقبل منه، وهو في اآلخرة من اخلاسرين» (آل عمران، )85 ميكن أن نعدها في آن واحد آية قاصمة وعاصمة. إنها تتوجه إلى غير املؤمن لتؤكد له أن اتباعه لغير اإلسالم قاصم لظهره ألنه يتبع ما يخالف اإلسالم. وهي في الوقت نفسه عاصمة للمؤمن ألنها تبني له أن إميانه بـاإلسالم مينعه من أن يكون من اخلاسربن، وتبرز له أنه على الطريق السليم. لقد اخترت هذين اللفظني لتوصيف اآليــات باعتبارها بنيات جزئية ألنها تتكامل مع القرآن في كليته. وفي قراءة متأنية ودقيقة ميكننا الوقوف على األنواع الفرعية التي يتضمنها كل من النوعني، في ذاتــه، من جهة، من خالل ما يحمله من مقومات قاصمة أو عاصمة، ومن جهة أخرى، في عالقاته بغيره من األنواع الفرعية تأكيدا للتكامل والترابط بني مختلف اآليات القرآنية في شموليتها. ولعل ذلك يؤدي بنا في النهاية إلى إيجاد روابط بني البنيات اجلزئية والكلية، مع الوقوف على طبيعة وخصوصية كل منها، وفي عالقتها بغيرها.

إن مادة «قصم»، و«عصم» كما أبرزت حني نستعملهما معا في وصف اآليــات نؤكد ما يحملهما القرآن الكرمي من دالالت متعددة. فمادة «قصم» وردت في الهالك الذي أصيبت به القرى الظاملة في قوله تعالى: «وكم قصمنا من قرية كانت ظاملة، وأنشأنا بعدها قوما آخرين» (األنبياء، .)11 أما مادة «عصم» التي تكررت 13

مرة، من بينها قوله تعالى: «يوم تولون مدبرين ما لكم من الله من عاصم. ومن يضلل الله فما له من هاد» (غافر، .)33 وفي سورة األحزاب: «قل من ذا الذي يعصمكم من الله إن أراد بكم سوءا، أو أراد بكم رحمة، وال يجدون لهم من دون الله وليا وال نصيرا» (األحزاب، .)17 ومن مشتقات مادة عصم: «استعصم»، و«اعتصم» التي تؤكد من بني ما ترمي إليه االعتصام بحبل الله: «وكيف تكفرون، وأنتم تتلى عليكم آيات الله، وفيكم رسوله. ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم» (آل عمران، .)101 وغيرها من اآليات، كما جند في قوله تعالى: «إال الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله، وأخلصوا دينهم لله فأولئك مع املؤمنني. وسوف يؤتي الله املؤمنني أجرا عظيما» (النساء، .)146 إن مشتقات «عصم» تختلف عن «قصم» التي كان توجيهها إلى الظاملني ولذلك تعاملت معها على أنها كلها موجهة أساسا إلى غير املسلمني، وفيها كما استشهدت ببعض اآليــات التي تتضمن دالالتها ما يشير إلى أن عدم اتباعها دال على اجلحود والضاللة. وما الدعوة إلى التفكير في النفس، وفي خلق الله، وفي املوت، وضعف اإلنسان عن خلق أي شيء، وما شابه ذلك من التحديات القاصمة ملعتقدات وأقاويل غير املسلمني والتي جند من بينها ادعاءاتهم الباطلة حول القرآن الكرمي وتشكيكهم فيه: «قل لئن اجتمعت اإلنس واجلن على أن يأتوا مبثل هـذا الـقـرآن ال يـأتـون مبثله، ولـو كان بعضهم لبعض ظهيرا» (اإلسراء، .)88

نالحـظ بـجالء الفرق الواضح بني اآليات القاصمة املوجهة إلـى الكفار، والعاصمة املوجهة إلــى املــؤمــن­ني بصفة عـامـة. وكما أشرت إلى ذلك فكال النوعني، يتضمن أيضا إشــارات إلى كل منهما معا في أنـواع فرعية ميكننا التوقف عليها من خالل رصدها في جزئياتها تأكيدا ملا قلناه عن كونهما معا مـتـعـددي الــــدالا­لت، ويـقـدم كـل منهما في سياقات مختلفة. كما نالحظ في قوله تعالى: «قالت األعــراب آمنا. قـل: لم تؤمنوا، ولكن قولوا أسلمنا، وملا يدخل اإلميان في قلوبكم، وإن تطيعوا الله ورسوله ال يلتكم من أعمالكم شيئا. إن الله غفور رحيم». (احلجرات، .)14 إنها حتمل داللة اآلية القاصمة للمسلمني الذي يتوهمون أنهم مؤمنون، وهم ليسوا كذلك، وهي في الوقت نفسه تعصمهم من ادعاء ما هم عليه، ما دام شرط طاعة الله ورسوله لم يتحقق لديهم بالصورة التي جتعلهم مؤمنني حقا. وهكذا ميكننا ضرب الكثير من األمثلة التي يزخر بها القرآن الكرمي.

لقد انتهيت إلى وصف اآليات القاصمة من خالل تدبرها ألني رأيت في حتدياتها ما يدعو إلى التفكير والتأمل، وهي التي أحالتني إلى وضع مقابلها: «اآليات العاصمة»، وكان كتاب أبي بكر بن العربي «العواصم من القواصم» دافعا لتبني هذا التمييز، رغم كون الكتاب يسير في اجتاه مختلف عما نحن بصدده.

 ?? ??

Newspapers in Arabic

Newspapers from United Kingdom