Al-Quds Al-Arabi

طموح السعودية أن تصبح منتجا عالميا للسيارات الكهربائية يصطدم بالواقع

- إبراهيم نوار

كما أن لديها «أرامكو» كبرى شركات النفط في العالم، ورابع أكبر الشركات العاملية على اإلطالق من حيث القيمة السوقية برأسمال يقرب من 2 تريليون دوالر، فإن السعودية تسعى إلـى حتويل ثروتها النفطية الناضبة إلـى ثروة مستدامة، من خالل إقامة عدد من الصناعات التكنولوجي­ة والهندسية املتقدمة، تؤكد مكانتها في االقتصاد العاملي، ليس كمجرد قوة مالية أو دولة مصدرة للنفط، ولكن كقوة اقتصادية وتكنولوجية متجددة، تلعب دورا قياديا في صناعات حديثة على رأسها صناعات الطاقة املتجددة، وصناعة السيارات املتقدمة تكنولوجيا. وقد وضع ولي العهد السعودي األمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز آل سعود عينيه على إقامة وتطوير صناعة للسيارات الكهربائية في السعودية تصعد بها بسرعة لتصبح واحدة من أكبر خمسة منتجني للسيارات الكهربائية في العالم.

هذا الطموح حتول بسرعة إلى برنامٍج عملي لالستثمار والتطوير، بدأ باالستحواذ على نسبة 62 في املئة من أسهم شركة «لوسيد» األمريكية للسيارات الكهربائية الفاخرة، ازدادت في األسبوع املاضي إلى ما يقرب من 72 في املئة، بعد أن قامت إحدى شركات صندوق االستثمارا­ت العامة السعودي بشراء ما قيمته مليار دوالر من أسهم «لوسيد» املمتازة القابلة للتحويل، لترتفع قيمة استثمارات السعودية في «لوسيد» إلى حوالي 10 مليارات دوالر.

شراكات عاملية كبيرة

وفي السياق نفسه مت إنشاء شراكة مع شركة فوكسكون التايوانية وشركة بي إم دبليو األملانية إلنتاج سيارة وطنية سعودية «سير» تستعني بالتكنولوج­يا اململوكة لكل واحدة من الشركتني، في مجال صناعة السيارات، فوكسكون في جانب التكنولوجي­ا واإللكترون­يات، وبي إم دبليو في مجال امليكانيكا والهندسة املتقدمة، ذلك أن سيارة املستقبل ستصبح أشبه ما يكون بصالون ترفيهي تكنولوجي متحرك ينعم فيه الراكب مبتعة التواصل مع العالم من خالل كمبيوتر يجري على أربع عجالت. كذلك عقدت السعودية اتفاقات مع شركات أخرى من كوريا اجلنوبية في مجال إنتاج السيارات، ومن أستراليا في مجال إنتاج البطاريات الكهربائية. كما تسعى أيضا إلى شراكة عاملية إلنتاج محرك جديد للسيارات يعمل بالوقود النظيف، يتوافق مع اعتبارات تخفيض نسبة االنبعاثات الكربونية اجلديدة في العالم إلى الصفر بحلول عام .2050 والستكمال أركان الصناعة بدأت أيضا عملية إقامة وتوسيع البنية األساسية، بإنشاء شبكة واسعة لشحن بطاريات السيارات بالتعاون مع شركة «بترومني» التي أنشأت شركة متخصصة لهذا الغرض في السعودية هي شركة «إليكترومني» وقد أعلنت الشركة اجلديدة في عام 2022 أنها تستهدف إقامة شبكة للشحن تتكون من 100 محطة، مع وضع خطة لزيادة سعة هذه الشبكة خصوصا في العاصمة الرياض وفي مدينة جدة. وتستهدف السعودية رفع نسبة مبيعات السيارات الكهربائية محليا إلى 25 في املئة من إجمالي مبيعات كل السيارات اجلديدة بحلول العام 2030 وذلك طبقا لتقرير عن سوق السيارات الكهربائية احمللي أصدره صندوق التنمية الصناعية السعودي عام 2022 مقابل حوالي 1 في املئة تقريبا وقت إصدار التقرير.

شكوك حول السوق احمللي

هذه النسبة املستهدفة طموحة جدا ألن متوسط املبيعات العاملي للسيارات الكهربائية حاليا يقرب من 16 في املئة. وقد حتققت هذه النسبة خالل عشرين عاما على األقل منذ بداية املوجة التكنولوجي­ة اجلديدة في إنتاج هذه السيارات التي دمجت بني استخدام تكنولوجيا الطاقة اجلديدة

وتكنولوجيا القيادة الذاتية منذ أوائل القرن احلالي. نسبة مبيعات السيارات الكهربائية في بريطانيا جتاوزت بالكاد 20 في املئة من السيارات اجلديدة في العام احلالي، أو بعد ما يقرب من 20 عاما من بدء الترخيص لسيارات كهربائية بالسير على الطرق في بريطانيا. كما أن النسبة في الواليات املتحدة ما تـزال أقل من 20 في املئة حتى اآلن، في حني تتربع النرويٍج على عرش استحواذ السيارات الكهربائية على سوق السيارات عموما بنسبة تقترب من 95 في املئة في العام احلالي، حسب توقعات رابطة وكالء املبيعات في سوق السيارات. الوكالء يتوقعون بيع أكثر من 9 سيارات كهربائية من كل 10 سيارات يتم بيعها في السوق، أي أكثر من العام املاضي، الذي وصل فيه املعدل إلى أربع سيارات كهربائية من بني كل خمس سيارات جديدة بيعت في السوق. هذه الدول التي ترتفع فيها نسبة مبيعات السيارات الكهربائية تتمتع بوجود بنية أساسية قوية عالية الكفاءة، واسعة االنتشار، سهلة االستعمال، تقع تكلفتها داخل حدود قدرة أصحاب الدخل املتوسط.

ومبقارنة املستهدف السعودي مبتوسط نسبة انتشار السيارات الكهربائية في العالم العربي، يبدو أنه سيكون من الصعب جدا حتقيق هذه النسبة املستهدفة 25( في املئة) حيث أن معدل استحواذ السيارات الكهربائية على املبيعات اجلديدة سنويا تتراوح في الوقت احلاضر بني 1 في املئة في بلدان مثل السعودية وقطر إلى 3 في املئة في اإلمــارات. وما تـزال السعودية ودول اخلليٍج، وهي األكثر استخداما للسيارات الكهربائية في العالم العربي، فقيرة حتى اآلن في قدرتها على استيعاب نسبة كبيرة من مبيعات السيارات الكهربائية، نظرا لعدم توفر البنية األساسية بالشروط املناسبة، وأيضا الخــتالف ميول أصحاب السيارات، واختالف درجة تنظيم السوق. ويكفي ان نشير إلى أن دولة مثل فيتنام التي وصلت فيها نسبة مبيعات السيارات الكهربائية حاليا إلى 10 في املئة، تتبنى

سياسية إيجابية واسعة النطاق لصالح ترويٍج استخدام السيارات الكهربائية، عن طريق سلة متنوعة من احلوافز لكل من جانبي العرض والطلب، إضافة إلى أهداف محددة بدقة، منها مثال ان تكون كل سيارات التاكسي العاملة في كل أنحاء البالد هي سيارات كهربائية بحلول عام .2050 وبسبب السياسة الصناعية الواضحة، فإن مطوري صناعة السيارات الكهربائية احملليني، مثل مجموعة «فني» املالكة لشركة «فني فاست» استطاعوا أن ينتقلوا خالل سنوات قليلة من احمللية إلى العاملية.

وطـاملا تسيطر الشكوك على قـدرة السوق السعودية نفسها على االنـتـقـا­ل مبـعـدالت سريعة مـن استحواذ السيارات التي تعمل بالوقود التقليدي على السوق إلى استحواذ السيارات الكهربائية على نسبة كبيرة، فإن قدرة صناعة السيارات الكهربائية على النمو ستقع على عاتق التصدير. فهل تستطيع سيارات «سير» أو «لوسيد» فعال ان تقتحم السوق العاملية وان تصعد من اآلن وحتى عام 2030 إلى موقع بني أكبر خمسة منتجني للسيارات الكهربائية في العالم؟

احلقيقة انــه مـن الصعب جــدا قبول مصداقية هذا االفتراض، خصوصا إذا علمنا ان إنتاج السيارات الكهربائية بواسطة الشركتني «لوسيد» و «سير» يعتمد على جتميع مكونات يتم استيرادها من اخلارج لبدء اإلنتاج الفعلي في العام املقبل، بصرف النظر عن محاوالت اإلنتاج التجريبي. ويزيد من صعوبة حتقيق هذا الهدف أن درجة املنافسة تشتد بني أكبر شركتني منتجتني للسيارات الكهربائية في العالم، هما «بي واي دي» الصينية و «تـسال» األمريكية إلى درجة متنع أي شركة أخرى في العالم من الدخول إلى ساحة املنافسة بينهما. وتستحوذ «بي واي دي» و«تسال» وحدهما على ما يقرب من 40 في املئة من سوق السيارات الكهربائية في العالم، وتأتي بعدهما شركات أخرى أوروبية وآسيوية بنسب محدودة تتراوح بني أقل من 2 في املئة إلى ما يتجاوز 5 في املئة. األكثر من ذلك هو أن الشركات الصينية تستحوذ على النسبة األعظم من صناعة بطاريات الليثيوم في العالم، لدرجة أن تسال تعتمد على الصني في سد 40 في املئة من إمدادات مصانعها بالبطاريات. املتغير اجلديد الــذي ميكن أن يقلل سيطرة الــصني على سوق السيارات الكهربائية في العالم هو القيود األمريكية على استخدام مكونات اإلنتاج الصينية مبا فيها البطاريات، التي تتضمن حرمان الشركات التي تتعامل مع الصني من املعاملة الضريبية التفضيلية للسيارات التي تنتجها، التي تصل إلى 7500 دوالر للسيارة الواحدة. في هذه احلالة فإن نصيب الصني في صادرات البطاريات ومكونات السيارات

فكرة ان تصبح السعودية مركزا رئيسيا لتصدير السيارات الكهربائية إلى الدول العربية، محدودة األفق

الكهربائية ميكن أن ينخفض، لكن ذلك لن يسفر بالضرورة عن تخفيض سعر البيع للمستهلك ألن تكلفة إنتاج السيارة من املرجح أن يتم مبكونات مرتفعة الثمن مستوردة من خارج الصني، أو منتجة محليا بتكلفة أعلى. هذا يعني أن قدرة الشركات السعودية على املنافسة في السوق العاملية ستظل محدودة إلى سنوات مقبلة، نظرا لعدم ارتباطها بسالسل إنتاج وإمــدادات مستقرة، وعـدم وجـود سوق محلية وإقليمية قوية تساعد هذه الشركات على تصريف إنتاجها مع هامش ربح مرتفع نسبيا.

وهـنـاك عامل آخــر يقلل احتماالت قــدرة الشركات السعودية على املنافسة، يتعلق بجدوى االستثمار في شركة «لوسيد» األمريكية التي لم تثبت حتى اآلن أنها كانت استثمارا مجديا للسعودية.

أزمة االستثمار في «لوسيد»

خالل اإلثني عشر شهرا األخيرة فقط خسرت «لوسيد» حوالي 31.3 في املئة من قيمة رأسمالها السوقي في بورصة نيويورك. وقد أدى هذا ببعض شركات االستثمار أن توصي عمالءها بالتخلص من أسهم الشركة. ويتم تبرير ذلك بثالثة أسباب رئيسية هي انخفاض املبيعات، وانخفاض اإلنتاج، وارتفاع تكلفة أسعار الفائدة على قروضها قصيرة األجل. وقد أشارت القوائم املالية للشركة عن عام 2023 إلى ارتفاع خسائرها بنسبة 117 في املئة عن العام السابق، حيث بلغت 2.83 مليار دوالر. هذه القفزة الشديدة في اخلسائر انعكست على أسعار أسهم الشركة املتداولة في بورصات العالم، حيث قفزت خسارة السهم الواحد بنهاية العام 1.36 دوالر مقابل 0.78 دوالر في العام السابق. وقد بلغت اإليـرادات السنوية للشركة عام 2023 حوالي 595 مليون جنيه فقط، بنسبة انخفاض بلغت 2.1 في املئة عن العام السابق. وهو ما يعني أن صافي اخلسارة السنوية يقترب من خمسة أمثال قيمة صافي اإليـرادات. ومن املالحظ أن كمية مبيعات الشركة تقل بشكل عام بنسبة كبيرة عن كمية اإلنتاج. ولغرض تخفيض اخلسائر فإنها جلأت في العامني األخيرين إلى تخفيض كميات اإلنتاج، األمر الذي تطلب إعادة هيكلة الشركة، واالستغناء عما يعادل 18 في املئة من قوة العمل من الفنيني واملهندسني واإلداريني. ومع أن الصفقة األخيرة التي حصلت «لوسيد» مبقتضاها على مليار دوالر من «شركة أيار »3- املالية التابعة لصندوق االستثمارا­ت العامة السعودي، مقابل احلصول على أسهم ممتازة قابلة للتحويل، أدت إلى متاسك أسعار األسهم وحتقيق مكاسب هامشية منذ إعالن الصفقة يوم 25 اذار/ مارس، فإن األسهم تعرضت لضغوط شديدة خالل اليومني األخيرين، حتت تأثير موجة جديدة من الضغوط البيعية. وليس في األفق ما يشير إلى أن «لوسيد» متلك مقومات التماسك في األجل املتوسط، األمر الذي يرجح انخفاض قيمة أسهمها من جديد، خصوصا مع زيادة تكلفة اخملزون، واضطرار الشركة إلى تخفيض اإلنتاج في العام احلالي عن الرقم الذي كان مستهدفا من قبل بسبب انخفاض الطلب.

أما فكرة ان تصبح السعودية مركزا رئيسيا لتصدير السيارات الكهربائية إلـى الــدول العربية، فإنها فكرة محدودة األفق، نظرا لضيق سوق السيارات الكهربائية في الدول العربية، فما يزال هذا السوق صغيرا جدا، ويقدر بأقل من مليار دوالر، مقابل 319 مليار دوالر في الصني، ويستوعب عدة مئات من السيارات سنويا، في حني أن مبيعات السيارات الكهربائية اجلديدة في الصني تقدر بحوالي 11.5 مليون سيارة في العام احلالي. وعلى صعيد املنافسة العاملية فإن نسبة مبيعات السيارات الكهربائية املصنوعة في الصني بلغت حوالي 69 في املئة من اجمالي املبيعات على مستوى العالم في الشهر األخير من العام املاضي.

املدهش في السياسات الصناعية للدول العربية عموما أن طموح كل منها ينصب على حتقيق حلم «إنتاج سيارة كهربائية وطنية» في حني أن دوال صناعية كبرى مثل اليابان وأملانيا والواليات املتحدة وبريطانيا قد تخلصت جميعا من هذا الوهم، في سوق ال تستطيع أن تتجاهل قوة سالسل اإلنتاج واإلمدادات العاملية، وتعمل على زيادة قوة الترابط واالندماجا­ت بني سالسل اإلنتاج احمللية والعاملية بني القارات وبني الدول.

وإذا أرادت السعودية أن تصنع خيرا لنفسها وللدول ذات الطموح الصناعي من حولها فإن عليها أن تسعى لتشجيع إقامة صناعات مغذية وسالسل محلية وإقليمية لإلمدادات املرتبطة بصناعة السيارات الكهربائية في العالم العربي. الدولة العربية الوحيدة التي لم تقع في ضحية لوهم «إنتاج سيارة وطنية» هي اململكة املغربية، التي استطاعت في العام املاضي أن حتقق صادرات من منتجات مكونات صناعات السيارات بقيمة 8.7 مليار دوالر، وجنحت في جذب استثمارات أجنبية بقيمة 9.5 مليار دوالر، تركزت النسبة األكبر منها في صناعة إنتاج البطاريات الكهربائية ومكوناتها، وجاءت النسبة األكبر منها من الصني وأوروبا.

 ?? ??

Newspapers in Arabic

Newspapers from United Kingdom