ذاكرة سوريا العَصِيَّة على التدمير

رواية السوري خيري الذهبي «المكتبة السرية والجنرال»

Al-Quds Al-Arabi (UK) - - حريـات - المثنى الشيخ عطية

تضع رواية المكتبة السرية والجنرال”، وهي الثانية عشرة للروائي السوري خيري الذهبي، تضع نفسها بين أعمال المغامرة الروائية التي تنجح في المراهنة على ارتقائها الفني، في ظل حدث راهن مهول مثل حدث الثورة السورية المباشر الذي غالباً يُسقط الأعمال الفنية التي لا ترتقي إلى المستوى العميق في علاج أبعاد هوله. يتجلى هذا على نحو خاص حين تأخذ على عاتقها الفني علاجَ مسألة حساسة وشائكة يُحس السوريون ويَلمسون تناولَها لوجودهم دون أن يستطيعوا إدراك أبعاد هـذا التناول، وهي مسألة الذاكرة الجمعية السورية، التي يجري تدميرها بصورة منهجية على يد نظام عصابات بربري يرفع في الظاهر العلني شعار شـرط وجـود زعيمه إلى الأبد أو يحرق البلد، ويقوم بتنفيذ هذا الحريق بمستويات تتجاوز ما يعرضه الإعـــام مـن قتل وتقطيع واعتقالات واغتصاب وتدمير، إلى التدمير الأكثر عمقاً والمتعلق بامتداد الوجود. وتكشف الرواية عن مستويات هذا التدمير بتهديد أحد جنرالات النظام كمثال، للمعتقل بين يديه، الصحافي صـاح اليازجي الترجمان، الـذي يخفي معرفته بمكان مكتبة اليازجي، المدرَكة لدى الجنرال بأنها ليست مكتبة فحسب، بل ذاكرة بحجم مدينةٍ، متخفيةً مستترة تحت الأرض، وخلف الجـــدران الساذجة”، في الصفحة 118: اسمع... لن نستطيع حكم هذا البلد إلا لو سَلّم طواعية، وبيت اليازجي أصبح اليوم الراية الأخيرة لرفض التسليم... أعتقد أنك تتساءل: فلم لا نحرق الحي، وسكانه وكتبه، وكل ما تظنونه تميمة خلاصكم الخاصة، ناسين أننا اليوم في القرن الحادي والعشرين، ونملك من وسائل التدمير ما لم يفكر به حتى إبليس، وانحنى علي هامساً: نحن نتبناكم الــيــوم... لقد ورثناكم أحياء، و إن تفاخرتم بكثرتكم العددية، فسنخفضكم إلــى الـربـع مزيحين كل المشاغبين، الرافضين لحقنا في الحكم... والمكتبة... كنزكم الذي تعتزون به... إما أن تستسلم لنا فنتبناها، أو نحرقها حتى الـرمـاد... هل فهمت؟ نحرقها، ولتذكر حكاية الأُمَّيْن مع الملك سليمان”.

في العلاج الروائي الحديث لتعقيدات هـذه المسألة، يلجأ الذهبي إلـى حلول الواقعية السحرية بإضافة استخدام الـتـراث الـسـوري فـي جميع عصوره، الممتدة ماضياً إلى الديانات الأمومية؛ واستخدام تقنيات سرد حكايات ألف ليلة وليلة بالصورة الخاصة التي يتميز بها السرد عن الحكايات. كما يلجأ في تشويق قارئه إلـى الطابع البوليسي الـــذي يخلق شغف المتابعة دون أن يَسقط في فخ تحوّل روايته إلى رواية بوليسية، وذلك بتعميق الأبعاد النفسية لشخصياته حتى الحدود الأوديبية في علاقة الأب والابن وزوجة الأب. ويبتكر الـذهـبـي، لاحــتــواء وإطـــاق مرئياته، سرديةً يستطيع بها بلورة شخصياته الحاملة لهذه المرئيات من جميع الزوايا، وذلـك بسرد الشخصيات عن نفسها، وسـرد الآخرين عنها، وإنْ بإكثارٍ من الـفـصـول المتتابعة الـتـي كـــان يمكن اختزالها لتحقيق تأثير أعمق بوقت أقل للقراءة.

كما يبتكر الحكاية المشوقة الظاهرة التي تتلخص فـي أن طاغية سوريا، الجنرال الأكبر”، اكتشف أن العوام يتداولون نبوءةً في كتاب الجفر” الذي هـو فـي الأصــل كتاب شيعي تنبؤي، تتلخص في أن الطاغية وسلالته لن يزيدوا في الحكم على أربعين سنة هي سنوات الدور”، أي سنوات بلوغ النبي سن النبوءة؛ وهي سنوات تغيّر الزمان، وتغيّر الأئمة بإحسانٍ إلى يوم الديّان”. ويقوم الطاغية بجمع وإتلاف كل نسخ كتاب الجفر”، واستبدالها بنسخ تتنبأ بعودة العدل إلـى أنصار الشهيد ابن الشهيد، وتخلو من نبوءة نهاية الدور، وتوزيع هذه النسخ المزورة في كل مكان، وعمل ترويج ونـدوات تزوير للحقائق في التلفزيون الوطني عن الكتاب. لكن الطاغية يكتشف من خلال كتاب رحلاتٍ بورنوغرافي عنوانه جارية في حريم دمشق”، من تأليف البريطانية الليدي مـالـرو، أن بطلة الكتاب روزي، التي تتخفى كجارية لكشف دواخل ما يدور في عوالم حـريم دمشق، رأت الكتاب وقرأت عن النبوءة في مكتبة سرية ببيت اليازجي الترجمان.

ويُـدخـل الذهبي قارئه في مغامرةِ قراءةٍ مشوقة، واقعية سوريالية بالوقت ذاته، تمر بعراقة المكان الذي هو دمشق الــقــديمــة، الحـاضـنـة لذاكرة العالم بمكتبتها السرية، وبمحاولات مـديـر فــرع المخـابـرات المكلف العثور على هذه المكتبة السرية العجيبة التي تُسْلم نفسها لمن تريد، وخاصة لأبناء الـيـازجـي الترجمان، وتــقــتــل مـــن يــحــاول الــعــبــث بـحـرمـتـهـا، ممــن يـرسـلـهـم مدير فــرع المخـــابـــرات. كما تمـــر بـــعـــرض حــيــاة أصـــحـــاب المــكــتــبــة، وبـلـورة شخصياتهم بصورة آسرة بدءاً من الجــد الأول الرحالة المــــؤســــس الــشــيــخ شمس الدين اليازجي الترجمان، مروراً بابنه الــذي خبرت المغامِرة الــبــريــطــانــيــة حـيـاة الجـــواري في قصره، وبالشيخ محيي الدين، الذي يمثل نبالة الثقافة السورية ورفعتها من خــال الخــط الكوفي أمــــام بــربــريــة نـظـام العرضحالجية” من خـــال خـــط الـنـسـخ، وانــتــهــاءً بشخصية زوجــة الشيخ محيي الدين، إلهام، الصبية الـــتـــي تـــعـــانـــي مـن الحــــرمــــان وتـصـبـو لإشــــبــــاع عـطـشـهـا الجنسي، وتتفهم فـي النهاية عقدة زوجــهــا الشيخ الـــذي أخــصــاه إذلال الجنرال لـه. كذلك تُعرض شخصيات أولاد الـشـيـخ محيي الــديــن، صـاح ونــوري، اللذين يعانيان التعذيب على أيـــدي مـخـابـرات الـنـظـام الـتـي تــدرك أهميتهما في استمرار حفظ الثقافة السورية من الاندثار، إضافة إلى العرض العميق الممتع للشخصيات المرتبطة بهذه العائلة مثل الجنرال مسعود الحسن، المكلف بالعثور على المكتبة، وشخصية عميلته ياسمين، الصحافية النجمة في صالونات دمشق، الدخيلة لكشف مكان المكتبة والعاشقة لأبناء اليازجي في الوقت ذاته.

خلال ذلك كله تمرّ هذه القراءة الممتعة بكنوز ذاكرة الحضارة الإنسانية المصفّاة بمرشّح مخترعي الأبجدية السوريين. وتمر بحياة الثورة السورية، بدءاً بقتل المتظاهرين السلميين، وحتى التفجير بالقنابل الفراغية التي تلقيها طائرات المحتل الروسي لتدمير السوريين والمكان الــذي يحفظ ذاكرتهم الجمعية. وتمر بطبيعة الحال بمحاولات النظام لدثر هذه الذاكرة أسـرارُ وخفايا هذه المحاولات. كما تمر في النهاية عبر القراءة وعبر إصدار مثل هذه الرواية الكاشفة، كيفية مقاومة السوريين لجرائم دثر وجودهم.

خارج الرواية ولكنْ بتأثيرات قراءتها، تتقاطع محاولات الطاغية الواقعية تدميرَ ذاكرةِ السوريين بتدمير أمكنة وخزائن هذه الـذاكـرة، مثل الجوامع التاريخية وعلى رأسها الجامع الأموي الكبير في حلب، وجامع خالد بن الوليد في حمص، والجامع الكبير في درعـا، ومثل جميع الأماكن الأثرية وساحات المدن السورية، وصـولاً إلى تدميره من خلال داعش” لسجن تدمر الـذي يمثل شاهد بشاعة مرعبة عن تدمير الطاغية للذات السورية.

وتتقاطع مع علاجات الرواية الفنية لحالة تدمير المكان حالةُ تفجير النظام السوري بقذائف المدفعية المباشرة، في 2 أيـار )مايو( 2013، جسرَ دير الزور المعلق الذي يشكل أيقونة المدينة ومظهر ذاكرتها الجمالية ومكان لقاءات الأحبة والـــزوار فيها، ورد فعل أهــل المدينة المباشر والعفوي عن طريق نشر صورهم على الجسر في جميع وسائل التواصل الاجتماعي، تعبيراً منهم عن الاستنكار والـرفـض ومقاومة الانـدثـار. ويختتم الذهبي روايته الكاشفة بمشاهد تدمير القنابل الفراغية للحي وللبيت الذي يحتضن المكتبة، بعد يـأس النظام من العثور عليها واستغلالها في التزوير، وبـــرد فـعـل أمينها نـــوري الـيـازجـي الترجمان الــذي يــروي: فــوق الركام المــتــحــرك... وجدتني أصـــرخ بطريقة خطيب المنبر الــذي لم أمـارسـه يوماً، ولكنها الجينات كما يبدو، وهتفت: يا شيخ شمس الـديـن، أنـا حفيدك الذي كنتَ تنتظر... يا جامعَ مكتبات التاريخ في مكتبة... يا جامعَ النبوءاتِ والأحلام والـرؤى في مكتبة... أمعن النظر لترى المكتبة تتحرك، لتغرق في هاوية القنبلة الفراغية إلى العدم كما يريد الجنرال المجـنـون... الجنرال الـذي أعلن: أنا أو الدمار... يا شيخ شمس الدين لا تستجب لنداء الخراب... فاستجابة كهذه سهلة، ولقد أدمناها حتى كان الخراب، اخرج عن صمتك، وأنت مَن صمَد أمام تيمور وقــازان ومغول العالم كله... يا شيخ شمس الدين، إن كان لا بد من أضحية، فسأكون الأضحية، ولكن أنقذ مكتبتك... أنقذ مشروعنا للخلود”. خيري الذهبي: “المكتبة السرية والجنرال” الأهلية للنشر والتوزيع، عمّان 2018 324 صفحة.

Newspapers in Arabic

Newspapers from UK

© PressReader. All rights reserved.