المقامات الأدبية والتصوير

في نصوصها صورة للمجتمع العربي ـ الإسلامي أوائل العصر العباسي:

Al-Quds Al-Arabi (UK) - - حريـات - عبد الواحد لؤلؤة

في تراثنا الأدبي العربي نمط من الكتابة لا أحسبُه قادراً في عصرنا الحاضر على استمالة الكثير من القرّاء الجادين، إلا من باب الإطلاع على صورة عهد مضى، ومجتمع انقضى، سبقه بحوالي ثلاثة قرون نمط أو أنماط من الكتابة الأدبية التي ما تـزال موضع اهتمام الدارسين وأصحاب الذائقة الأدبية. ذلك هو نمط “المقامة” أي الخطبة أو العِظة، وهي نوع من الكتابة النثرية، تقوم على الإستعارات والتشبيهات والصيغ البلاغية، مع كثير مـن السجع الثقيل، الـــذي قـد يضبّب الصورة أحياناً، وترمي إلى نقد العيوب الشخصية أو المجتمعية في بلد بعينه أو لدى شعب بعينه. وقد ظهرت المقامات في أعمال بديع الـزمـان الهمذاني في الـقـرن الـرابـع الـهـجـري/الحـادي عشر الميلادي، وتطورت في أعمال الحريري البصري )446 ـ 516هـــ/1054 ـ 1122م(. وقد اتخذها الشحاذون وسيلة في طلب الرزق، كما صنّفها الباحثون بأنها تصوّر “عصر الإنحطاط” في التاريخ الأدبي.

وقبل الحريري البصري بحوالي ثلاثة قرون، أنبتت البصرة اثنين من كبار الأدباء والكتّاب اللذين ما تزال أعمالهما موضع دراسـة واهتمام من جانب الباحثين في التراث الأدبـي العربي: أبن المقفّع 106) ـ 142هــــ/724 ـ 759م(، والجاحظ )159 ـ 255هــــ/775 ـ 868م(. كـان ابـن المقفّع، على الرغم من نسبه غير العربي، صاحب أســلــوب سلس وذوق رفــيــع، كما في كتابيه “الأدب الصغير” و”الأدب الكبير”. وكانت ترجمته عن الفارسية/عن الهندية قصص “كليلة ودمنة” أول ترجمة بارعة عن لغة أجنبية في تراثنا الأدبي العربي. أما الجاحظ، ففي كتبه العديدة أمثلة من المعرفة الأدبية والحكمة، وجمال الأسلوب والعربية النفيسة العبارة: “البخلاء”، “المحــاســن والاضــــداد”، “تــاج الملوك”، “تهذيب الأخـــاق” وغيرها. نقرأ كتب الجاحظ اليوم ونترحّم على من أغنانا بهذه المعرفة الأدبية، ومنها ذكر كتُب وكتّاب لم يعدُ من آثارهم الكثير، وما كنا لنعرف عنهم شيئاً لولا أن الجاحظ حدّثنا عنهم في كتبهم الكثيرة، وكان الثمن المأساوي ما سقط عليه من قماطر الكتب.

مرت ثلاثة قرون على الأديبَين البصرييّن اغتنت بهما الثقافة الأدبية العربية كثيراً. ولكن في أواسط القرن الخامس الهجري/ الحادي عشر الميلادي، ظهر في البصرة، كذلك، عالم نحوي فقيه، اسمه أبو محمد الـقـاسـم بــن الحــريــري الـبـصـري، كان ممن درس عليه أبو زيد المطهّر بن سلام البصري الـذي ألّـف المقامات الخمسين المعروفة ونسبها إلى استاذه الحريري، فنزلت في التاريخ الأدبي باسم “مقامات الحريري”. وثمة كلام كثير عن لمن كُتبت المقامات وبطلب من أي وزير عند أي خليفة عباسي، وهو ما لا يعنينا كثيراً في هذا الحديث المختصر، لأن المهم أسلوب هذا العمل الأدبي، وقيمته، وموقعه في التراث إزاء أعمال من سبقوه مثل ابـن المقفّع والجاحظ. يصنّف الباحثون هذه المقامات أنها من إنتاج فترة الانحطاط في الأدب العربي. ولنا أن نسأل: لماذا الإنحطاط، وعن أي مستوى؟ ليس من الجائز نقديا أن نقارن أسلوب المقامات بما سبقها من أعمال أدبية أرقى منها بجميع المقاييس، فلكل عصر مقاييسه وقيَمُه. ولكن ما هو موضوع المقامات وأسلوبها؟

في المقامات راوية هو الحارث بن همّام، وبطل القصص والأحـــداث هو أبـو زيد السروجي، وحقيقته هو المطهّر بن سلاّم البصري، تلميذ الحريري. تبلغ المقامات الخمسين عدداً، ويدور فيها “البطل” بين مدن العراق والشام ومصر وبلاد فارس، يفاجئ الناس في المساجد والأســواق والأعراس يستعطي عونا من مال أو متاع، بكلام مرصوف رصفاً يمسك بجنباته سجع ثقيل وصور بلاغية كثيرة. يظهر أبو زيد السروجي بهيئات مختلفة: شيخ ذو عاهات، عجوز شحّاذة، خطيب في جماعة، أو تاجر في سوق، يقوم بحيَل تنطلي على السامعين الأغـــرار، ولا يلبث أن يحصل على المــال أو المـتـاع، لأنـه بحاجة للمال لإنقاذ مريض أو زوجة، وما إلى ذلك. ولا يكتشف أحابيل السروجي ولا حِيلَه سوى الحــارث، ولكن بعد فـوات الأوان، حيث يكون المحتال قد اختفى ومعه المال والمتاع. جميع هذه الأحـداث غريرة، لا تنطلي إلا على الأغرار من الناس، وإذا كان جمهور المقامات يجد فيها براعة أو معرفة، فما ذلك إلا لأن الجمهور غرير يمكن أن ينصاع للحيلة، على ما فيها من غرارة. فالمقامات بهذا المعنى أشبه بالكاريكاتير في نقده المجتمع والناس من معاصريه.

والعجيب أن نُسخ المقامات، وما يزينها من رسوم وتصاوير قد استهوت الباحثين الأجانب بشكل كبير. فتوجد أهم النُسخ من المقامات في مكتبات باريس، لندن، فينّا، ليننغراد، إسطنبول، والبودليان في أكسفورد. وأحسب ان الباحثين الأجانب وجـدوا فيها صـوراً عن المجتمع العربي، كما تصوّرها رسوم الواسطي التي ترافق تلك المـقـامـات، ممـا يـوفّـر دراســـة فنية لبدايات الرسم في المجتمع العربي في عصر الخلافة العباسية، وبخاصة صور الملابس والوجوه والنظرات مما يعكس المهاد الاجتماعي وتنوع أجناس البشر في المجتمع العباسي، في بغداد، والمجتمع العربي في بلاد الشام ومصر في الأيام الخوالي.

ومسألة الصور التي أضيفت إلى نُسخ المقامات بعد كتابتها بعقود تثير مسألة تحريم التصوير أو السماح بها في الإسلام. الواقع أنه لا توجد في القرآن الكريم أية إشارة إلى تحريم الصور أو التصوير. أمّا الأنصاب والأزلام فهي التماثيل وليس الصور، أي تماثيل الآلهة التي كان يعبدها الجاهليون. وحتى هـذه تـرد في عبارة “إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون”. “اجتنبوه” لا تعني “حرِّموه” بل هي نصيحة، لا أمر، “لعلكم” تفلحون. وقد نهى الرسول )ص( عن اتخاذ التماثيل خشية أن تُعيد المسلمين الأوائـــل إلى الجاهلية. كان العرب يستعملون الدنانير البيزنطية وعليها صــورة الامبراطور، واستمر ذلك في عهد الخلفاء الراشدين، وقد سكّ عمر )رض( دنانير على النمط البيزنطي وأضاف عليها عبارة “الحمدلله” وعــبــارات إسلامية مماثلة. كما كانت الدراهم الكسروية مستعملة وعليها صورة الملك. وفي يوم فتح مكة أمر الرسول بمحو ما عليها من أصنام وصور تزين الجدران، ما عدا صورة المسيح والعذراء. ولم يمنع النبي الصور إلا إذا كانت للعبادة. ويذكر ابن الأثير في “الكامل” ان العرب كانت ترِدُهم أقمشة من اليمن عليها صور، لم يعترض عليها الرسول )ص(. كما يذكر ابن الأثير أن الرسول )ص( كانت لديه درع عليها صورة رأس خروف. وكانت في عهد عمر، مبخرة لتعطير المسجد النبوي عليها صورة شخوص آدمية. أمّا في عهد الأمويين والعباسيين، فكانت الصور تزين الدور والأبنية الرسمية دون أن يعترض عليها أحد من الخلفاء أو عامة الناس. ولا ننسى أن “المصوِّر” هو أحد أسماء الله الحسنى “الله المصور” )الأعراف،11) “ولقد خلقناكم ثم صورناكم” )آل عمران، (.6 “هــو الــذي يصوِّركم فـي الأرحـــام” )غافر،64( “صوَّركم فأحسن صوركم”.

لكن الـــذي حــدث أن بعض العلماء والفقهاء جاءوا بعد الرسول )ص( بقرنين وتحدثوا عن “المنع” الذي لا وجود له في القرآن الكريم ولا في سيرة رسول الإسلام. وحتى هنا نجد خلافاً كبيراً بين الفقهاء اللاحقين بسبب عدم وجود نص واضح لا في القرآن الكريم ولا في الأحاديث النبوية ما يحرم التصوير. لكن الصور أو التماثيل التي تستعمل للعبادة والشِرك بالله هو ما ينهي عنه الإسلام.

وتبقى “مقامات الحريري” في نصوصها صــورة للمجتمع العربي ـ الإسـامـي في أوائل العصر العباسي، كما في المجتمعات المعاصرة فـي الـبـاد الإسـامـيـة، ويبقى أسلوب الشحاذه “المتجر الــذي لا يبور” بعبارة السروجي وما تمثله المقامات تراثاً يحسُن السكوت عليه.

Newspapers in Arabic

Newspapers from UK

© PressReader. All rights reserved.