العراق: رئيس الحكومة الجديدة ودويلة الأحزاب

التحديات التي تنتظر حكومة عادل عبد المهدي كبيرة، ولعل أخطرها مواجهة هيمنة الأحزاب والميليشيات والمافيات على مؤسسات الدولة وخيراتها.

Al-Quds Al-Arabi (UK) - - الصفحة الأمامية - بغداد ـ «القدس العربي»: مصطفى العبيدي

بعــد انتهــاء معركة إشــغال المناصــب العليــا الثلاثة )رئاســات الجمهورية والبرلمان والــوزراء( بدأت المعركة الحقيقية بــن رئيس الــوزراء المكلف بتشــكيل الحكومة المقبلة عادل عبــد المهدي، والأحزاب المتمســكة بالوزارات وامتيازاتها ومنافعها.

ومع تنوع التحديات التي تنتظر حكومة عبد المهدي، مثل إعــادة إعمار المدن المدمرة وتقــديم الخدمات والملف الأمني والاقتصادي ومحاربة الفســاد والمشاكل مع الإقليم والنأي بالعراق عن تداعيات الأزمة الأمريكيــة الإيرانية وغيرها، فــان التحدي الأكبــر أمامه هــو مواجهة هيمنــة الأحزاب والميليشيات والمافيات على مؤسسات الدولة وخيراتها.

وعقب بدء حراك رئيس الــوزراء المكلف لاختيار وزراء حكومتــه، تباينت مواقف الأحــزاب والقوى السياســية على خلفية آلية اختيار الشــخصيات للمناصب العليا التي يعتمدهــا. فكتلة الإصــاح التي يقودها التيــار الصدري، دعت إلى منح عبد المهدي، حريــة اختيار أعضاء حكومته، كما أعلن الصدر انه لن يرشــح أحدا مــن أتباعه للمناصب الوزارية لتشجيع باقي الكتل على الحذو حذوه، داعيا إلى حصر المناصب الأمنية العليا في يد عبد المهدي وإبعادها عن المحاصصة والتنافس الحزبي، ومحذرا من انتفاضة الشعب إذا فشــل الإصلاح. وفي المقابل تصر الأحزاب المهيمنة على السلطة، على مبدأ تقاســم الوزارات في التشكيلة الجديدة بناء على حصتها في مقاعد البرلمان عملا بالسياق المتعارف عليه منذ 2003.

ولقطــع الطريق على طمــوح الأحزاب، وانســجاما مع تصاعد الدعوات المحذرة من عودة الفاســدين إلى الحكومة المقبلة تحت مختلف المبررات، تشــير المصادر المختلفة، إلى ان رئيس الوزراء المكلف وضع شروطا ومواصفات لاختيار المرشــحين للمناصب الوزارية لإبعاد الأحــزاب عنها، منها ان يكونوا مســتقلين ومن ذوي الاختصاص والكفاءة، وان لا يكونــوا أعضاء في البرلمان الحالي ولم يثبت فشــلهم أو فســادهم في الحكومة الســابقة، إلا ان ذلك لم يرق لبعض الأحزاب التي تســعى للإبقــاء على وزرائهــا الحاليين في الحكومة المقبلة بحجة تحقيقهم انجازات.

ويســعى عبد المهدي للإسراع في تشــكيل حكومته، قبل مدة الثلاثين يوما الدســتورية التي أعطيت له، مع التلويح بورقة قويــة بيده هي الاعتذار عن مهمة تشــكيل الحكومة إذا لم تتعاون معه الأحزاب وأصرت على الاســتحواذ على الوزارات، وهذا التهديد يشكل خطورة جدية على الأحزاب إذا ما وقع، لأنه سيحرك الشارع والمرجعية الشيعية ضدها. علما بان عادل عبد المهدي، سبق ان استقال من منصب نائب رئيس الجمهورية وعضوية المجلس الإسلامي الأعلى بقيادة عمار الحكيم.

وبغض النظر عــن ما إذا كان المكلف بتشــكيل الحكومة ينوي جديا ترســيخ تقاليد جديدة في العملية السياســية عبــر إطلاقه ولأول مرة، الترشــيح للمناصب الوزارية عبر الانترنت وإعلانه نيته اختيار مستقلين أكفاء في حكومته، ودعوتــه لفتح المنطقة الخضراء الحصينــة أمام المواطنين، فالمؤكد ان هذا النهج الذي أكســبه تأييد الشارع، سيجد في طريقه الكثيــر من الألغام والمعوقات مــن الأحزاب المهيمنة على المشهد السياسي العراقي منذ 2003.

ويبدو واضحا ان مســاعي تشــكيل الحكومــة، تواجه ضغوطا من القوى السياســية يمكن تلمسها عبر العديد من المؤشرات، منها الحملة عبر وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، للتشــكيك بقدرة عبد المهــدي وجدوى طريقته في تشكيل الحكومة وتســريب أخبار عن تحركاته وأسماء وزراء وهو ما دفعه لإصدار بيان ينفي فيه تلك الأخبار.

كما تم تشــكيل كتلة نيابية جديدة باســم “كتلة الوطن” أعلنت انها تهدف إلى “محاربة الفســاد” لإرسال رسالة إلى عبد المهدي بلجوء نواب بعض القوى إلى اســتخدام ورقة اســتجواب وإقالة الوزراء في البرلمان. وفي مؤشــر لافت، عادت هذه الأيام حملة التفجيرات والاغتيالات إلى العاصمة العراقية والعديد من المدن الأخرى، في رســالة واضحة بان القوى السياسية لن تسمح بإقصائها عن المناصب الوزارية التي تدر عليها مكاسب وامتيازات وأموال طائلة. إضافة إلى تصاعد نشــاط بقايا تنظيم “داعش” في المناطق التي كانت خاضعة لســيطرتها كالأنبار والموصل وصلاح الدين، حيث يشــن هجمات مباغتة على نقاط عسكرية وقرى في المناطق النائية ومواقع نفطية وتخريب المشاريع الخدمية.

وفي شــأن ذو صلة، تســعى القوى الشيعية إلى تصفية الأجواء مع أربيل لإشــراكها فــي تشــكيلة الحكومة، عبر زيارة القيادي الشيعي هادي العامري إليها ولقاءه مسعود بارزانــي، بعدما عبر الحزب الديمقراطي الكردســتاني عن اســتيائه من “غدر” الأحزاب الشيعية والســنية وتنكرها لاتفاق كان يقضي بدعم مرشح بارزاني فؤاد حسين، لرئاسة الجمهورية، حيث تمسك بارزاني خلال لقاءاته وتصريحاته بالمشــاركة الكردية في قرارات بغداد، وبحصته من وزارات الحكومة المقبلة وخاصة السيادية منها كالخارجية أو المالية.

وتشــير مصادر كرديــة، ان مبعوث الرئيــس الأمريكي ماكغورك، الــذي زار أربيل والســليمانية، أكد رفض بلاده توجّه حزب بارزاني لتشــكيل حكومة أغلبية سياســية في إقليم كردستان، تستثني الأحزاب الأخرى لتجنب المزيد من المشاكل في الإقليم، مشــددا على تطبيع العلاقات مع بغداد والمشاركة في الحكومة الجديدة.

وتسود الشــارع العراقي قناعة تامة بان تشكيل حكومة ناجحــة تلبــي حاجات الشــعب وتعيــد ثقتــه بالعملية السياسية وتواجه التحديات الخطيرة، لن يتحقق دون ان يتحرر رئيس الوزراء من سطوة الأحزاب والكتل السياسية والتأثيرات الإقليمية والدولية، الأمر الذي يبدو، حتى الآن بعيد المنال، لســبب بسيط هو ان الأحزاب هي التي تقرر في البرلمان تمرير تشكيلة الحكومة أو تعطلها.

عادل عبد المهدي

Newspapers in Arabic

Newspapers from UK

© PressReader. All rights reserved.