المعارضة السعودية الواقع والتحديات

Al-Quds Al-Arabi (UK) - - حدث الأسبوع - علي آل غراش

هل اســتطاعت السلطات السعودية في عهد الملك سلمان وابنــه الأمير محمد بن ســلمان، الذي يوصــف بعهد الحزم والشدة والانفتاح وبناء المستقبل حسب رؤية 2030 تحقيق نجاحات باهرة وتقديم الأســباب القوية بمــا يتعلق بظهور معارضة وطنية واســعة داخــل المملكة وفــي الخارج حيث تنتشــر فــي معظــم دول العالم بهــذا الحجــم لأول مرة في تاريخها؟ وهل كل ذلك يعود لسياسة النظام الذي استهدف الجميع بأســلوبه القمعي الوحشي، وبالخصوص ما حدث في قضية الصحافي المختطف والمختفي جمال خاشــقجي، بعد دخوله إلى القنصلية السعودية في اسطنبول حسب ما سجلته كاميرات التصوير؟

وهل ســتتم الاســتفادة من قضيــة اختطــاف أو اغتيال الصحافي جمال خاشــقجي الإجراميــة، والتي تحولت إلى قضيــة رأي عالميــة بل قضية سياســية دوليــة، بجعل ملف الصحافيين والنشــطاء والحقوقيين الســعوديين في دائرة الاهتمــام بالإعلام الدولــي، وبوضع النظام الســعودي في خانة المتهم؟

للمعارضة في الدول الديمقراطية المتطورة دور إيجابي لا يقل عن دور الحكومة في خدمة الوطن، من خلال نقد برنامج الحكومة وكشــف الأخطاء وفضح الفســاد، والمساهمة في البناء. وموقع المعارضة ليــس مرهونا بتيار محدد وجماعة معينــة ربمــا الحكومــة الحاليــة تصبــح لاحقــا معارضــة، والمعارضة الحالية تتحول إلى حكومة. والمعارضة السلمية الوطنيــة حالة طبيعية موجودة فــي كل دولة وفي كل زمان ومكان، ومهما كان النظــام، وإذا لم يتح لها العمل في العلن بشكل ســلمي وعبر قنوات نظامية يكفلها الدستور، يحدث خلل ويســيطر علــى البلد نظــام واحد شــمولي دكتاتوري اســتبدادي، وتتعرض المعارضة للقمــع والتنكيل والتخوين والتصفيــة والقتل، وربما يؤدي ذلــك لظهور معارضة تؤمن بالعنف والسلاح والقتل.

تأسســت المملكة الســعودية في 1932 على أفــكار دينية متشــددة انطلقت من وسط نجد باستخدام السلاح والقتل، وكمــا هو معروف ان الملــك عبدالعزيز آل ســعود تمكن عام 1902 مــن قتــل حاكــم الريــاض ابن عجــان التابــع لإمارة الرشيد، كأسلوب من الترهيب كما هو موثق في تاريخ نشأة الســعودية. وخلال أعمال الســيطرة على المناطق بالسلاح، وفــرض فكر وعقيــدة جيش ابن ســعود وتعيــن حكام من عائلة آل سعود والنجدية على تلك المناطق، ظهرت معارضة منهــا مســلحة تبحث عن مصالحها. كما ســاهمت ســيطرة قــوات ابن ســعود على المناطــق بهجرة العديد مــن الأهالي المعارضين لسياســته لعدم قدرتهم على مواجهة قواته، كما حدث في الحجاز وفي حائل والأحساء، فالكثير منهم اتجه إلى إمارات الخليج والعراق والشــام ومصر وتركيا والدول المحيطة، ولكن قصص ممارســة قوات ابن ســعود ترسخت ونمــت وانتقلت بــن الأجيال إلــى اليوم على اعتبــار أن ابن ســعود ســيطر على مناطقهم بقوة الســاح والقمع وفرض عليهم فكر وثقافة احادية تابعة للعائلة الحاكمة.

وتشــير كتب التاريخ إلى ان الملك عبدالعزيز قام بتصفية المعارضــن له حتــى القريبين منهــم قادة جيشــه ولهم دور في تحقيــق الانتصــارات وســيطرته علــى المناطــق، منهــم ســلطان بن بجــاد العتيبــي وفيصل الدويــش وغيرهما من الذين عارضوا سياسته ومواقفه.

اســتمر ظهور وبــروز حــركات معارضة في الســعودية ومنها الأحزاب القومية والشــيوعية في فترة الخمسينيات والســتينيات بقوة واســتطاعت استقطاب الشــباب، وبرز منهــم المعــارض ناصــر الســعيد الذي قــاد مظاهــرات في شــركة أرامكو. وشــنت الحكومــة حملات اعتقال واســعة ضــد المعارضين وما يزال عدد كبير من المعتقلين في ســجل

المفقودين لغاية اليوم بســبب بشاعة أسلوب النظام في قمع المعارضة.

المعارضة الســعودية لــم تكن فقط مــن بين عامة الشــعب بــل ومــن أفــراد العائلــة الحاكمــة. ففــي الستينيات وبعد الانقلاب على الملك سعود واستلام الملــك فيصل الحكــم، ظهرت معارضة باســم حركة الأمراء الأحرار منهم الأمير طلال بن عبدالعزيز.

فــي نهايــة الســبعينيات وبدايــة الثمانينيــات بــرزت المعارضــة الإســامية الشــيعية والســنية، وســيطر جهيمان العتيبي وأعوانه على الحرم المكي واندلعت مواجهات عســكرية، وانتفاضة الشــرقية في الأحســاء والقطيف بشكل ســلمي ولكن النظام قمعها بشراســة فســقط قتلــى وتم اعتقــال الآلاف وفرار المئات خــارج البلد. وانتقلت المعارضة للخارج وشــكلت ضغطا على النظام وقــد انتهت بعد دخول صــدام إلى الكويــت واتفاق الحكومة مــع المعارضة على بنود ما ساهم في عودة معظم المعارضين.

الحراك الشعبي

عــام 2011 ومع انطلاق ثــورة الشــعوب العربية مــن تونس ومصر، تفاعل المجتمع الســعودي معها، وشهدت أغلب المناطق احتجاجات واسعة للمطالبة بالإصــاح والتغييــر، فاســتخدم النظــام أســلوب الجزرة بتخصيص مبالغ كبيرة للمشــاريع التنموية كمحاولــة لتهدئــة الشــارع في ظــل وجــود الثروة، والعصــا الأمنيــة مــن اعتقــالات واســعة فــي كافة المناطق حتى القتل بالرصاص للمتظاهرين والإعدام بسبب التعبير عن الرأي.

المثيــر والمســتغرب أن المعارضــة الســعودية في الداخل والخارج طوال الســنوات الماضية لم تتمكن مــن الاتحــاد والاتفــاق علــى برنامج محدد بشــكل ناجح، فكانت الفرقة والتشــتت هي السمة الدائمة. ولعب النظام الحاكم على وتر سياســة فرق تســد، ما ســاهم في منع أي تقارب عملي يؤدي إلى اتحاد، فهو يلعب على التقســيم حســب الطائفيــة المذهبية، وتارة حســب المناطق، وحســب القبيلة والتوجهات الفكريــة، وعندما يحدث أي تحرك من أي جهة يقوم النظــام بتأطيرهــا وبالخصــوص التأطيــر الطائفي البغيض والتشكيك فيها وتشويه سمعتها وتخويف الجماعات الأخرى منها.

اســتفاد النظــام من عدم وحــدة المعارضــة فيما بينهــا، واعطاه التشــتت عمــرا أطول، واســتمر في ممارســة سياســاته المطلقة وعــدم تحقيق الإصلاح المطلوب، كما اســتفاد كثيرا من امتــاك الثروة المال والإعــام والتأثيــر على بعــض المعارضــن للعودة إلــى الوطــن مــع عــرض مغريــات ماليــة ومناصب تارة، وتــارة أخرى بالترهيــب والتخويف، حيث إن المــال الســعودي قادر على شــراء الــدول والمرتزقة لاستهداف المعارضين، ويوجد الكثير منهم إلى غاية اليــوم لا أحد يعلم عنهم شــيئا منــذ اعتقالهم داخل المملكة منذ فترة الستينيات.

القمع يطال الجميع

النظام في عهد الملك ســلمان اســتهدف جميع التيــارات، بالملاحقــة والاعتقال والعنــف وقلما توجد عائلة لم يتم اعتقال فرد أو أكثر منها بسبب التعبير عن الرأي. وقامت حكومة الرياض بشــن حملة اعتقالات تعســفية واســعة ضد الكفاءات الوطنية، وتشــويه أي حراك مطلبــي أو حقوقي بأســاليب عديــدة ومنهــا سياســة التخويــف والتمييــز والتشــكيك بــن المواطنــن وزرع عدم الثقة فــي الآخر وانمــا اليقين بالعائلــة الحاكمة فقط. وللأســف هذا الفكر المســموم تســرب إلى بعض العقول مما سبب بوجود حاجز بين فئات المجتمع وهذا بلا شك يصب في مصلحة النظام.

ربما لن تجــد المعارضة الســعودية أفضل من الوقت الحالــي للاتفاق والاتحــاد والتحول إلى قوة مؤثرة حيث إن المشتركات كثيرة مهما كانت توجهاتها دينيــة أو ليبراليــة أو غيرها، فالنظام اســتهدف الجميع حتــى أفراد الأســرة الحاكمة حيث يوجد عدد منهم قد أعلنوا معارضة السلطة الحاكمة بشكل رسمي وانهم مع الإصلاح لتشييد دولة حسب دستور ونظام يقرره الشعب.

النظام السعودي الجديد، في عهد الملك سلمان وبســبب سياســته خلــق لــه معارضــن داخل وخارج الوطن، كما انه خلق دولا وأنظمة معادية لــه بالإضافــة إلــى الشــعوب. ولم تنفــع النظام المليارات التي يدفعها لشــراء الدول والإعلاميين والتــي يصرفها على شــركات العلاقــات العامة والدعاية في الخارج والداخل.

ومن الأمور المســاعدة على التغيير والإصلاح والتــي تدعــم المعارضــة هــو الغضب الشــعبي بسبب تردي الوضع الاقتصادي، حيث ان تغير الأحــوال الاقتصادية ســيغير الواقع وســيتجه الشــعب إلى المطالبــة بحقوقه التي تنــازل عنها بســبب وفــرة المــال. الحكومــة ســيطرت علــى الشعب بسياسة الجزرة ورمي الفتات للحصول علــى ولاء الشــعب، وهــذه السياســة كانــت واضحة فــي عهد الملــك عبدالله، الذي اســتطاع ان يواجــه الحراك الشــعبي الغاضــب بالأموال بين فتــرة وأخــرى وتهدئــة الشــارع، ولكن مع مجيء الملك سلمان وشن حرب عبثية على اليمن حدث اســتنزاف مالي كبير، وتأثر الاقتصاد ما جعل الســلطة تفــرض الضرائــب وتضيق على المواطنين.

الشعب السعودي حاليا غاضب جدا ومحتقن ولكنه لا يســتطيع البوح فهناك حالة من الترهيب والتخويف لكل من ينتقد سياسة النظام بل حتى من يصمت، لأنه سيصنف غير مؤيد للنظام، رغم انه يملــك المعلومة حول ما يجــري في الوطن من فســاد واستبداد، ولقد ســاهمت طفرة الإنترنت في نشــر المعلومــات للجميع وجعلت المــرء أكثر وعيــا وفهما لمــا يجري حولــه، ويعــرف حقيقة النظــام والوجه المغيب والمســكوت عنه، وأصبح باســتطاعة أي معــارض ان يكون صوتــا مؤثرا. وأصبح الشــباب في هذا الزمن يرغب بالكتابات القصيرة وبلغة مختلفة عن الســابق وهذا يعطي المعارضــة فرصة أكبر للوصول لهــذه الفئة التي هي الغالبية.

النظام يشعر بالخطر

الحكومــة تشــعر بخطر مــن تنامــي المعارضة فــي الخارج ومــن التقارب بين مكوناتهــا الفكرية )فعــدد الذيــن تقدمــوا باللجــوء من الســعودية تعتبــر أرقاما عاليــة جدا غيــر مســبوقة( وقدرة المعارضة على إقامة الفعاليات والوصول للشعب عبر برامــج التواصل ووســائل الإعــام الأخرى والقنــوات الفضائيــة، والدليل غضبهــا وقيامها بحملات مســيئة للمعارضين وتشــويه ســمعتهم بشــكل مســتمر، ولكنها فشــلت، وبــدأت مؤخرا بتغييــر طريقتهــا لاســتقطاب المعارضــن بطرق عديــدة، ووصل الأمــر إلى ظهور أحــد المعارضين بعد مصالحة النظام على إحــدى القنوات القريبة جــدا مــن صناعــة القــرار فــي الريــاض بتوجيه دعــوة للمعارضين في الخارج للعــودة للوطن مع ضمانات.

فهــل اختفــاء واختطــاف واغتيــال جمــال خاشقجي يشكل فرصة للمعارضة السعودية من كل التيارات للاتفاق والاتحاد؟ فالنظام أعلن بكل حزم ملاحقة واســتهداف كل معارض بالترغيب أو الترهيــب، وهو لا يقبل بالــرأي الآخر والنقد أو النصيحة، فكيف بمعارضة؟

تظاهرة منددة بأختفاء الخاشقجي

Newspapers in Arabic

Newspapers from UK

© PressReader. All rights reserved.