بن سلمان وخاشقجي: اللعاب والدماء

Al-Quds Al-Arabi (UK) - - حدث الأسبوع - صبحي حديدي

في آذار )مارس( الماضي، حين قام محمد بن سلمان بزيارته الاستعراضية إلى الولايات المتحدة، لم تكن عقود مشتريات الأسلحة بقيمة 110 مليارات هي وحدها مظهر اتكاء الأمير على الرضا الأمريكي؛ فهذه تبقى في الحدود الرسمية، وفي ميادين مالية واستثمارية وتجارية اعتاد رؤساء البيت الأبيض على تكبيل الرياض بها. ويستوي، بالطبع، أن يكون الرئيس الأمريكي مهذباً ولبقاً ودبلوماسياً مع الملك السعودي، كما كانت الحال مع جورج بوش الأب، وبيل كلنتون، وبوش الابن، وباراك أوباما؛ أو أن يكون وقحاً وجلفاً ومهيناً، كما فعل دونالد ترامب، ويفعل.

المظهر الآخر، الذي يخصّ العلاقات العامة وتجميل الوجه القبيح وشراء والتطبيل والتزمير، توزّع على ميادين من طراز مختلف تماماً؛ كـأنْ يكتب توماس فريدمان مطولات تمتدح مشروع” الأمير الإصــاحــي”، وأن يهلل لما تحمله رؤية 2030 من آفاق عصرية” للمملكة؛ أو أن تُجري نجمة الـ”توك شو”، أوبرا وينفري، مقابلة مع الأمير لم تترك هامشاً للمخيلة السوريالية؛ أو أن يُستقبل MBS، كما بات يُعرف أمريكياً، في رحاب جامعة هارفارد، حيث ناقش مع رئيس الجامعة أهمية التعليم ودوره المنتظر لإنجاح رؤية المملكة 2030!”

الآن، وحتى قبل أن تكشف السلطات التركية تقاريرها حول احتمال اغتيال الصحافي السعودي جمال خاشقجي داخل القنصلية السعودية في اسطنبول، يبدو أنّ تشريفات الأمير في أمريكا تعاني من انتكاسة اللحظة، والموقف الراهن، والترقب؛ وثمة ما هو أبعد من الاستحياء إزاء إطرائه وإغــداق ألقاب الإصلاح على رؤاه: هنالك تنصّل، في مستوى أوّل؛ لا يخفي، مع ذلك، بقايا لعاب سال في آذار الماضي طمعاً في أنعام الأمير، ولا يلوح أنه جفّ بعد!

وبهذا فإنّ الذين يراهنون على مسخ مدائح الأمير إلى أهجيات، أو انقلاب الولع به رأساً على عقب، سوف تنتظرهم مقادير غير ضئيلة من خيبة الأمل. صحيح أنّ سيناريو قتل خاشقجي، إذا صحّت تفاصيله الوحشية، أشدّ فظاعة من أن يُبتلع ويُهضم لدى أخلص خلصاء بن سلمان، على شاكلة جاريد كوشنر مثلاً. ولكن من الصحيح، في المقابل، أنّ عقود الـ110 مليارات لن تتأثر، كما صرّح ترامب دون إبطاء، بصرف النظر عن تنافخ هذا السناتور أو ذاك. ومن الصحيح أنّ ذاكرة البزنس” في بلد مثل أمريكا، وفي المناخات الترامبية الجَمْعية الراهنة تحديداً، كفيلة بأن تجبّ الجريمة النكراء خلال زمن قياسي، وقادرة على أن تغسل الأيدي التي تحمل المليارات من أية دماء تلطخت بها.

وفي نهاية المطاف، وأياً كانت فظاعة ما حدث خلف جدران القنصلية، أليست أمريكا هذه هي صاحبة الباع الأطـول في الاغتيالات والتصفيات والعمليات، سرّية كانت أم علنية؟ ومَن هي القوة العظمى التي ساندت أمثال فرانكو إسبانيا، وباتيستا كوبا، وشاه إيران، وبينوشيه تشيلي، وموبوتو سيسي سيكو الكونغو، وعشرات الطغاة في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينة؛ حيث طفحت شــوارع الشعوب بالجثث، وبها غصت ملاعب كرة القدم؟ ألم تكن المخابرات المركزية الأمريكية هي القدوة” و”المثال”، لدى أجهزة الاستبداد على امتداد العالم، والتاريخ الحديث؟

ثـمّ كيف للعقل السليم، في أبسط محاكماته، أن يفسّر أسلوب الاستخفاف الذي انتهجته أجهزة بن سلمان في تصفية خاشقجي، بما تميّز به من خلائط اللامبالاة والاستهتار وعدم الاكتراث بعواقب انكشاف جريمة معلنة؛ لو لم يكن الأمير واثقاً من أنّ ملياراته كفيلة بشراء الصمت، أو بتغطية الجريمة، أو حتى بالتبرؤ منها؟ في عبارة أخرى، هل كان بن سلمان على درجة من الغباء، غير معقولة وغير ممكنة أصلاً، حتى يأمر بتنفيذ جريمة كهذه دون أن يتوقع افتضاح تفاصيلها، وفي بلد مثل تركيا تحديداً؟ وهل يكفي أن تكون حمّى سلطة المليارات قد أعمت بصر الأمير وبصيرته، فاستقر في يقينه أنّ رعيته الخانعة واسعة شاسعة بلا حدود، وأنّ الفارق واهٍ بين اللعاب السائل والدم المراق؟

Newspapers in Arabic

Newspapers from UK

© PressReader. All rights reserved.