رسائل بن سلمان «الملغومة» لإرهاب الأصوات السعودية المعارضة

العملية نسفت صورة الرجل الإصلاحي

Al-Quds Al-Arabi (UK) - - حدث الأسبوع - الدوحة ـ «القدس العربي»: سليمان حاج إبراهيم

مهندســو عمليــة اختطــاف الكاتب الســعودي جمال خاشــقجي، والجهات المشــرفة عليها، ومن أصــدر أوامر تنفيذهــا، هدفت خطتهم المرتجلة مــن أول لحظة ـ من دون أي اعتبــار للعواقب ـ تمرير رســالة مباشــرة وقوية، إلى جميع الشــخصيات المعارضة، أو المنتقدة للنظام السعودي الحالي، مفادها: هذا مصيركم جميعا”.

ســيناريوهات القضيــة التــي هندســت بين عــدد من العواصم، تصب جميعها في خانة واحدة، لتعبد خط ســير واضحا، يبرز المدى الذي يمكن أن تصله آلة القمع، أينما كان الشخص، واستعراض امكانيات البطش داخليا وخارجيا.

عمليــة خاشــقجي، كانت تهــدف بداية حســب بعض التحليلات إلــى اختطاف الكاتب، وإعادتــه لبلاده مكبلا، تمهيدا للزج به في غياهب ســجونها، ومعتقلاتها، وإدخاله باب الطاعة، وقبلها جمع قــدر من المعلومات حول تحركات زملائه، انتهاء بتصفيته مباشرة في حال رفض، أو لم تسر العملية وفق الخطة السريعة.

القيادة السعودية في ظل ســطوة حاكمها الفعلي محمد بن سلمان، على القرار، تتحرك وفق حسابات عديدة لا تأخذ بعين الاعتبار التفاعلات التي تشــهدها البيئــة الإقليمية، وتطورات وســائل التواصل الاجتماعي التي تحرك أحيانا القوى الدولية.

محاولات ولي العهد الســعودي برســم صورة ناصعة عنــه يوجهها للرأي العــام الغربي، وتقديم نفســه كرجل إصلاحــي ينقل بلاده نحــو عهد جديد تبخــرت جميعها. انعكســت النقلة الأخيرة على رقعة شــطرنج بلاده، سلبا عليه. يواجه الرجل الآن أكثــر من أي وقت مضى، ضغوطا عديدة من صناع القرار الدولي، مع تساؤلات تطرح بحدة، عن أي إصلاحات نتحدث، والأصوات الحرة تكمم أفواهها أو تغتال بدم بارد؟”.

فضيحة إسطنبول” التعبير الأدق لما حدث في القنصلية الســعودية في العاصمة الاقتصادية لتركيا، فتحت أنظار العالم لتاريخ آل ســعود في قمع الأصوات المعارضة لنظام حكمها، وقلبــت الملفات حول عمليــات البطش التي طالت أسماء عديدة.

ولم يكن جمال خاشــقجي، أول شخص يُغدر به من قبل سلطات بلاده، والتاريخ الحديث يحتفظ في أرشيفه بعدد من الملفات لا تزال تفتح حتى الآن.

فــي الداخل كمــا في الخــارج، وحيثما كانــوا يصلون إليهم، ويســتهدفونهم، أصبحت الدوائر الرسمية الدولية، ووســائل الإعلام العالمية تعنون تقاريرها، مستعيدة عددا من القضايا التي نفذتها المملكة منذ القرن الماضي حتى الآن.

ديفيد هيرست يفتتح مقالا له بصرخة، لخص فيها نظرة المجتمع الغربي والإعلاميين والصحافيين العرب لما يقوم به آل سعود، بعد توالي النبأ المفجع.

وقال، هذا أحلك أيامي منذ عملت محرراً في موقع ميدل إســت آي” وما كان ينبغي له أن يكــون كذلك، ليس جمال خاشقجي، أول ســعودي منفيّ يُقتل، فلا أحد اليوم يتذكر ناصر السعدي، الذي اختفى من العاصمة اللبنانية بيروت في عام 1979 ولم يُرَ بعد ذلك قط” يعنون الكاتب البريطاني في افتتاحية سجلت تفاعلا واسعا.

عاد الجميع ليتحدث عن اختطاف النشطاء السعوديين مثل الأمير سلطان بن تركي، من مدينة جنيف السويسرية في عام 2003 والأمير تركي بن بندر آل ســعود، الذي تقدم بطلب اللجوء السياســي في فرنسا عام 2015 واللواء علي القحطاني الضابط في الحرس الوطني الســعودي، الذي مات أثناء وجوده في الحجز.

اختطــاف خاشــقجي، وفــي انتظار اســتكمال فصول الحكاية كاملة، ومعرفة تفاصيلهــا، دفع بالكثيرين للبحث عــن وثائقي ســابق أنجزته هيئة بي بي ســي” يســرد معلومــات موثقة، عن عمليات ســابقة لاختطاف أمراء من آل سعود، بســبب معارضتهم للأســرة الحاكمة، في إطار برنامج تديره الرياض لاســتهداف المعارضين لسياساتها. وحســب الوثائقي، تمّ اختطاف الأمير ســلطان بن تركي، الــذي عرف بانتقــاده علانيــة القيادة الســعودية، المرة الأولى، يــوم 12 حزيران/يونيو 2003 بعدمــا دعاه الأمير عبدالعزيز بن فهــد للإفطار، في قصر والــده في ضواحي جنيف السويســريّة، بحضور الشــيخ صالح آل شــيخ. وحــاول بن فهد إقناع بــن تركي بالذهاب إلى الســعوديّة وعندها ســتُحلّ كل المشاكل” وعندما رفض، غادر آل شيخ وبن فهــد الغرفة، ليحضــر بعدها ملثّمــون ويكبّلون بن عبدالعزيز، ثم يغرزون إبرةً في عنقه، ليجد نفسه بعد أيام عندما استيقظ بمستشفى في الرياض، ثمّ تنقّل بين السجن والإقامة الجبرية.

ويســتطرد الوثائقي الذي تحول لمرجع، لواقعة سجلت فــي العــام 2010، بعد تدهور صحّة ســلطان بــن تركي، فسُــمح له بالذهاب إلى بوسطن الأمريكيّة للعلاج، وهناك تقدّم بشــكوى جنائيّة فــي المحاكم السويســريّة ضد بن فهــد وبن صالح. بعدها، وفي كانــون الثاني/يناير 2016 ، قرر السفر من باريس حيث كان يقيم في فندق خاص، إلى القاهرة، ليكتشــف في نهاية الرحلة أنّ الطائرة هبطت في الريــاض، وتمّ اختطافه للمرة الثانية، وكان معه مرافقون أوروبيون وأمريكيون تم احتجازهم لثلاثة أيام ثم سُــمح لهم بالمغادرة.

أما ثانــي الأمراء، فكان تركي بن بندر آل ســعود، الذي كان مســؤولاً في الأمن الســعودي، ما ســمح له بالاطّلاع على عــدة وثائــق، إذ كان مكلّفاً بفرض النظــام بين أفراد الأســرة المالكة، ليُســجن لاحقاً بســبب نزاعٍ حول الإرث. وعنــد إطــاق ســراحه، توجّــه إلــى باريس وبــدأ بثّ مقاطــع فيديــو عــام 2012 تدعــو إلــى إصلاحــات في الســعوديّة، فحــاول الســعوديّون إقناعــه بالعــودة إلــى بــاده فرفــض، وظــلّ ينشــر مقاطــع الفيديــو حتــى تموز/يوليــو 2015، ثــم اختفــى في وقــت لاحق. وأشــار الوثائقــي إلــى أنّ خبــراً واحــداً فــي الإعــام العالمــي، يعــود إلــى صحيفــة الصبــاح” المغربيّــة، يُشــير إلــى أنّــه ســجن فــي المغــرب، ثــمّ تم ترحيله إلــى الرياض بنــاءً علــى طلب الســلطات الســعوديّة. كما يحكــي الوثائقــي قصّــة اختطاف الأمير ســعود بن ســيف النصر، والــذي بدأ عــام 2014 تدويــن تغريدات تنتقــد النظــام الملكــي فــي الســعودية، وتدعــو إلــى مقاضــاة المســؤولين الســعوديين الذيــن أيــدوا عــزل الرئيــس المصــري محمــد مرســي، ثــم عــام 2015 أيّد دعوة إلــى الانقــاب على الملك ســلمان بــن عبدالعزيز. ويعرض الوثائقي نفسه شهادات من الأمير خالد بن فرحان آل سعود والذي حصل على اللجوء السياسي في ألمانيا عام 2013. ويقول بن فرحان إنّه يخشى أن يلقى المصير نفسه. كما روى كيف تمّ اختطاف ســعود بن ســيف النصر، عبر فبركة من المخابرات السعوديّة”، بعد تقديم عرض لسعود من شركة روسية إيطالية قالت إنها تسعى لاستثمارات في الخليج، وتحتاج دعماً من قبل شخص في العائلة الحاكمة. وحضرت طائرة خاصة للشركة لتقلّ بن سيف النصر، لكن بدل أن تحطّ في ميلانو، اتّجهت إلى الرياض.

فضحية إســطنبول جعلت المراقبين ينبشون في الملفات الأخرى لعدد من الأسماء السابقة، وهي بالآلاف لأشخاص يقبعون في السجون، الســعودية، مع إلصاق تهم خطيرة ببعض ناشطي حقوق الإنسان، ووصفهم بأنهم إرهابيون، تمهيــدا لتنفيذ حكم الإعــدام فيهم بســبب اتهاماتٍ تقول منظمــة هيومان رايت ووتــش” إنَّها لا تشــبه الجرائم المعترف بها”.

ويختتم الحقوقيون تقاريرهم بأن في الســعودية الآن، يكفي منشــورٌ واحد تدونه علــى الشــبكات الاجتماعية لتموت. وترمز هذه العبارة إلى المصير الذي ينتظر الداعية ســلمان العودة الذي يواجه تهما خطيرة تقود جميعها إلى إعدامه، بســبب تغريدة واحدة كتبهــا يتمنى فيها من الله أن يؤلف بين قلوب حــكام دول الخليج ليتجاوزوا الخلاف الحاد الذي تشــهده عواصم مجلس التعاون منذ فرضت 3 منها حصارا على جارتها الدوحة.

رحيل واختفاء خاشــقجي، لم يكن ســيمر بسلام وأمن هذه المرة، خلافا للمحاولات الأخرى لتكميم الأفواه، والتي تجاوزتها المملكة بأقل قدر من الخسائر، وبتنازلات قدمتها، مع إغراءات وزعتهــا على جهات عديــدة، لتجاوز تبعات الحادثة.

العملية إلى جانب بشــاعتها فتحت سيلا من الانتقادات عن الدوافع الكامنــة وراء تصرف كثيرا ما وصف بالأرعن، بالبحث والتساؤل عن الجرم الفاحش الذي ارتكبه الرجل.

العودة إلى مقالات وتغريــدات وتصريحات الكاتب في واشــنطن بوســت” لا تحيل إلى أي انتقاد صريح أو لاذع لدوائر الحكم في بلاده السعودية ولا تهجم على قياداته.

تحليل آراء خاشــقجي وتصريحاته العلنية والخاصة تصــب في خانة النصح والعتب اللطيــف، لما يحدث حوله ولما يتعرض له عدد من الأشــخاص، وكان يرفض تماما أن يطلق عليه صفة المعارض.

الموقــف الواضح للرجــل بما يحمله ســجله من تعامل وتعاون مع ســلطات بــاده المدنية والأمنيــة وكونه ظل لسنوات مستشارا لجهاز الاستخبارات، فتحت المجال أمام طرح سؤال جوهري، عن دوافع ومبررات الفعل الذي لجأت إليه دوائر صنع القرار في السعودية.

ويســتثني المتابعون لسيرة جمال تفصيلا واحدا يُعتقد أنه أحد أسباب العملية وهو ما يتجلى أكثر مع تتبع إشارات ومســارات آتية من كل من أبــو ظبي والقاهــرة، وتوالي مؤشرات مشاركتهما في العملية، لوجود بصماتهما الخفية خلف الموضوع.

الأمــر يتعلق بتهمــة التعاطف أو التعــاون والانضمام لجماعة الإخوان المســلمين التــي تصنفها الــدول الثلاث السعودية، والإمارات، ومصر إرهابية، والاستشهاد ببعض اقتباســاته: غرِّد عن الحرية.. أنت إخوان، عن الحقوق.. أنت إخوان، عــن مواطنك المعتقل.. إخوان، عن المشــاركة والكرامة.. إخوان، ترفض الاســتبداد.. طبعاً إخوان، عن غزة وســوريا.. إخوان بالتأكيد. يا كارهــي الإخوان، لقد جمعتم كل المكارم فيهم، فعملتم لهم أفضل دعاية”.

عملية إسطنبول الأخيرة بقدر بشاعتها وعكس ما سعت إليه من نتائج بتكميم أفــواه المعارضة، وإدخال الرعب في قلوب المنتقدين، سارت في اتجاه مختلف، ووجهت الأنظار نحو ما يحدث في المملكة، وخارجها، وجعلت الكل يدقق في العمليات السابقة.

المعارضون لتوجهات بن ســلمان الذي يعتبره مناوئوه الخطر المحدق بالســعودية، يتدارســون ســرا وعلانية، ويتواصلــون مــع أعضاء من الأســرة الحاكمة، لمناقشــة البدائل الممكنة لوقف اندفاع ولي العهد.

ســيجد الحاكــم الفعلــي في الســعودية الــذي يأتمر بتوجيهــات بــن زايد نفســه، معــزولا وتتهــاوى جميع مخططاته للســيطرة على الحكم، في المملكة بتأييد وهمي من القوى الغربية، أما البلد فستشتد أكثر أزماته، ويتحول لقرينة ترمز للظلام.

Newspapers in Arabic

Newspapers from UK

© PressReader. All rights reserved.