ترامب نحو رهان على إنقاذ حليفه بن سلمان لاستكمال مسار حلب السعودية

Al-Quds Al-Arabi (UK) - - ما قبل حداثة الساسة الأمريكية - الدوحة ـ «القدس العربي»: سليمان حاج إبراهيم

يذهب العديد من المحللين والمتابعين، وخصوصا العرب منهم، بعيدا في ترجمة نتائج انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأمريكي، وتأويل فقدان الرئيس دونالد ترامب للأغلبية في مجلس النواب، بشكل يوحي أن نزيل البيت الأبيض تعرض لانتكاسة خطيرة، تنقلب معها موازين القوى، وتدفعه لتغيير مواقفه حيال عدد من الملفات المفتوحة في المنطقة، خصوصا في الخليج، وتحديدا السعودية، مع الزلزال الذي تشهده المملكة منذ الثاني من تشرين الأول/أكتوبر.

خسارة دونالد ترامب الأغلبية في الغرفة السفلى أمام الديمقراطيين في انتخابات التجديد النصفي، عمليا لن تكون تأثيراتها ملموسة بشكل سريع على سياسات واشنطن الخارجية. مبتدأ الموضوع أن الجمهوريين يحتفظون بالأغلبية في مجلس الشيوخ الذي يتمتع دون نظيره مجلس النواب، بصلاحيات أوسع في تحديد الخيارات المتعلقة بالدبلوماسية الأمريكية.

المعطى الرئيسي الــذي يجب الانـطـاق منه في قراءة المشهد الذي ستؤول إليه الأوضاع في المنطقة، أن دونـالـد تـرامـب، ليس أول رئيس أمريكي يفقد حزبه السيطرة على الكونغرس جــراء انتخابات نصفية، وقبله بسنوات خسر أوباما هو الآخر رهان الاستحقاق، وجاءت نتائج التجديد مخالفة لتوقعاته، ولم تعكس تلك النتائج تحولات محورية في قرارات البيت الأبيض نحو حلول إيجابية لقضايا الشرق الأوسط.

ومثل ترامب وأوباما خسر أيضا عدد من الرؤساء في الولايات المتحدة، الأغلبية التي تمتعوا بها خلال فترات حكمهم، وأكملوها مثلما بدأت مع اختلافات طفيفة بين حالاتهم.

الـرصـد الـدقـيـق، لحــالات الــرؤســاء الأمريكيين المتشاركين لحالة فقدان الأغلبية في الكونغرس، تشير إلى عامل محوري، يتجلى في تركيز حكام البيت الأبيض على الشؤون الخارجية في مثل هذه الحالات، تجــاوزا لمحــاولات مناوئيهم الحـد من قدراتهم في التعامل مع الشأن الداخلي.

في أعقاب الانتخابات النصفية التي أجريت عام 1994، ومني فيها حزب الرئيس بيل كلينتون بخسارة أيضا، لجأ إلى التدخل العسكري في البلقان وكثف من مناوراته السياسية في الشرق الاوسط.

أما في انتخابات 2006 النصفية، التي مني فيها الجمهوريون بخسارة جلية، عمد الرئيس بوش إلى زيادة عدد القوات الأمريكية في العراق.

الانطلاق من هذه الحقائق التاريخية يفسر بشكل عملي البدائل المتاحة لترامب بعد إعلان نتائج التجديد النصفي للكونغرس الأمريكي والتي ستترجم باندفاع أقــوى لنزيل البيت الأبيض نحو الخــارج، وملعبه الرئيسي الشرق الأوسط، بما تحمله جعبته من ملفات سجل فيها نقلات محورية، بهدف مغازلة الجمهوريين، المتطرفين والمعتدلين.

العامل المحــوري في تشخيص المشهد الأمريكي الجديد، هو أن رئيس الولايات المتحدة ما زالت لها اليد الطولى في تشكيل وبلورة ملامح السياسة الخارجية، كما أن المبادئ التي تستند إليها هذه السياسة ما زالت ثابتة، رغم الازعاجات التي قد يسببها الكونغرس بتشكيلته الجديدة.

الوعود الانتخابية التي قدمها المرشح الجمهوري واستمال بها الناخبين، تمحورت أساسا حول خلق المزيد من الوظائف، والتي يعرف ترامب جيدا كيف يحققها، من خلال حلب حليفته السعودية بشكل متواصل، لاستقطاب رؤوس أموالها بمـا يخدم مواطنيه، وهو ما تضمنته رسائله المباشرة للملك سلمان أثناء تجمعاته الانتخابية بلغة وتصريحات مباشرة.

يدرك الرئيس الأمريكي أن ولي العهد السعودي، الحاكم الفعلي في المملكة، في ورطة، ويحاول جاهدا التملص من تبعات قضية خاشقجي.

الجمهوري المعروف بأسلوبه البراغماتي، يضع لنفسه حتى الآن هامشا يبعده عن التورط في حادثة قنصلية السعودية في إسطنبول، من دون حرق مراكب الرجل، لمنحه طوق نجاة لاحقا، لكنه بذهنية رجل الأعمال سيحتفظ بالشيك الممضى على بياض «جوكر» يستخدمه في التوقيت المناسب، وكيفما يشاء لتحقيق مآربه.

حاكم الرياض الذي يصارع العواصف التي أثارتها عملية تصفية مواطنه، يستعد سلفا لتقديم المزيد من الـولاءات، والتنازلات، والرشاوي، والصفقات، لضمان دعم صناع القرار في واشنطن، مع منحهم «كــارت أبيض» لمسايرتهم في كل الــقــرارات التي ستتوالى تباعا بعد استكمال عملية تنصيب أعضاء الكونغرس الجدد.

وليس بعيدا عن الرياض التي ستكون جنديا فاعلا في حروب، ومعارك، ومواجهات ترامب المقبلة، طهران ستكون مصدرا رئيسيا للتصعيد، وأجندة حيوية في ملفات صقور البيت الأبيض.

تعزيز العقوبات على إيران، وملفها النووي، في المرحلة المقبلة، سيكون أحد ركائز سيناريو ترامب، لإثارة هزات في المنطقة، يصدّر من خلالها الضغوط التي سيواجهها محليا، ويسحب بها الاهتمام بالملفات التي يخطط الديمقراطيون لفتحها في مجلس النواب، وأهمها التحقيقات في التدخلات الروسية، والتصريح الضريبي.

جنوب الرياض، يرتقب أن تشهد الحرب السعودية الإماراتية في اليمن، تحـورات طفيفة، بتصريحات عابرة سيدلي بها ترامب لاحتواء بعض الغضب المثار حول المجـازر المرتكبة، لكن لا يتوقع أن تشهد تغيرا جذريا على ضوء المأزق الذي تحاول كلا من الرياض وأبو ظبي الخروج منه لكن من دون انسحاب مجاني لفشل خططهما في السيطرة على القرار في بلد يواجه أسوء أزمة في تاريخه بسبب سياسات بن سلمان وبن زايد المتهورة.

المأزق الحقيقي الذي يواجه واشنطن ويعجز ترامب بلورة بدائله، بما يخدم أجندته، يتمثل في إعادة تأهيل علاقات الولايات المتحدة بالشرق الأوسط والعالم الإسلامي، بمكاسب أكبر وبأقل تكلفة ممكنة على ضوء التعقيدات التي جره إليها حلفاؤه من المتهورين يتقدمهم بن سلمان وبتخطيط مباشر من بن زايد راعي الفوضى في المنطقة.

أما الأزمة الخليجية فلا ينتظر أن تشكل حتى الآن أولوية لنزيل البيت الأبيض، الذي ترك الأمر على حاله بما يحقق له أهدافه، وهو استنزاف حليفته الرياض، ومقابل غض بصره عن تحركات ولي العهد السعودي، وعقله المدبر في أبو ظبي.

سمات عهد ترامب بعد انتخابات التجديد والتي يوافقه فيها الــرأي، جمهور واسـع من مؤيديه، من وعائه الانتخابي، ومن صناع القرار، ستكون مزيدا من التهور، والتصعيد، وصفقات تسلح يضمن تمريرها في مجلس الشيوخ الذي يحوز فيه الأغلبية.

الأيـام الأولـى بعد مباشرة النواب الديمقراطيين مهامهم في مجلس النواب ستكون متعبة للرئيس الأمريكي، وسترافقها حتما قــرارات عـدة سيعمد لاتخاذها تباعا، لخلق دوامــة تجعله يتلافى قدر المستطاع طنين المنتقدين، حتى يستكمل بأمان فترته الرئاسية والتطلع للمرحلة المقبلة.

أما في الرياض حيث حاكمها حانيا رأسه ينتظر مرور العاصفة بسلام، ولملمة تداعيات فضيحة اغتيال الإعلامي السعودي جمال خاشقجي الـذي كادت تعصف بمستقبله وزلزلت كيانه وأركان حكمه وكلفته غاليا. فحاكم المملكة سيعول كثيرا على أوان تصدير الرئيس الأمريكي وشريكه دونالد ترامب عواصفه، ولحظتها يعرف بدقة المطلوب، فتح دفتر شيكاته والتوقيع، ربما يقبض الثمن، مباركة البيت الأبيض لاعتلاء عرش البلاد.

Newspapers in Arabic

Newspapers from UK

© PressReader. All rights reserved.