تونس: صراع رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي مع حركة النهضة إلى أين؟

Al-Quds Al-Arabi (UK) - - الصفحة الأمامية - تونس ـ «القدس العربي»: روعة قاسم

تـؤشـر اللهجة الحـــادة الـتـي تحــدث بها رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي، عن حركة النهضة وعــن جهازها الـسـري المــزعــوم، فـي مجلس الأمـن القومي الذي انعقد مؤخرا برئاسته، على أن الفجوة بين الطرفين تـزداد اتساعا وأن القطيعة تبقى هي العنوان الأبرز لما يحصل بين الطرفين. وتؤشر أيضا لدى البعض على أن «الأسد العجوز» ما زالت في جرابه الكثير من الأوراق بعد أن اعتقد جل المراقبين أنه حشر في الزاوية ولم يعد له أي دور يذكر في تسيير دواليب الدولة وأن الأمور آلت جميعها إلى رئيس الحكومة يوسف الشاهد بمباركة من حركة النهضة.

إذ لا يخفى على عاقل أن السبسي يستمد قوته من علاقاته الخارجية التي اكتسبها طيلة السنوات التي ترأس فيها الدبلوماسية التونسية أواخر عهد الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة وحتى قبل ذلك حين كان وزيرا للدفاع في ستينيات القرن العشرين. ولا يشك عاقل أنه الآن بصدد توظيف علاقاته بمراكز قوى خارجية لتركيع خصومه في الداخل، والذين يولون بدورهم اهتماما متزايدا لما يقال عنهم سواء في الضفة المقابلة للمتوسط أو وراء المحيط الأطلسي وكذلك في منطقة الخليج العربي.

ويحظى السبسي على ما يبدو بدعم فرنسي يؤكده مقربون من دوائر الرئيس وتجلى في الحفاوة الكبيرة التي استقبل بها من قبل الرئيس إيمانويل ماكرون في باريس بمناسبة الاحتفال بذكرى نهاية الحرب العالمية الأولى، حفاوة فاقت تلك التي استقبل بها باقي القادة المشاركين بمن فيهم زعماء الدول الكبرى، وأيضا من خلال عبارات الإطراء التي قالها عنه ماكرون قبل ذلك في أحد الملتقيات. ناهيك أن الصفحة الجديدة التي يبدو أنه فتحها مع المحور السعودي الإماراتي بعد فترة من الجفاء بسبب تحالفه مع حركة النهضة بعد انتخابات 2014 وتجلت في الاستقبال الاستثنائي لولي العهد السعودي محمد بن سلمان في مطار قرطاج وقصرها، ستدفعه إلى مزيد التعنت مع حركة النهضة التي دعمت الشاهد خلافا لإرادة الرئيس بتعلة الحفاظ على الاستقرار.

في المقابل فإن قائد السبسي لم يمس علاقاته المتينة مـع أصــدقــاء حـركـة النهضة فـي الخــارج مؤيدون لحزب النهضة وخصوصا قطر وتركيا بسوء، فهي مثالية ويسودها الاحترام والتقدير من الجانبين وربما سيسعى إلى تدعيمها خـال المرحلة المقبلة لأنـه راغـب في عزل الحركة الإخوانية ورئيس الحكومة المتمرد، وحياد هذه الأطـراف مطلوب بالنسبة له في الوقت الراهن على الأقل. كما أن الباجي وزير خارجية وسفير أسبق ذو باع في المجال الدبلوماسي ويتقن فن اكتساب الحلفاء والجمع بين المتناقضات وهو ما قد يعجز عنه غيره، وبالتالي لن يقدم على أي فعل يسيء إلى علاقاته بحلفاء وداعمي حركة النهضة الخارجيين ومنهم أيضا بعض الـدوائـر الفاعلة في الولايات المتحدة الأمريكية حتى يضمن حيادهم على الأقل في معاركه المقبلة.

ولعل السؤال الذي يطرح الآن هو إلى أين يريد أن يصل الباجي قائد السبسي مع حركة النهضة؟ المؤكد أن القضاء على الحركة واستئصالها كما حصل زمن حكم بن علي ليس من غايات رئيس الجمهورية لأن العصر غير العصر والظروف غير الظروف والعقلية غير العقلية والناس غير الناس. لكن يبدو حسب البعض أن للباجي رغبة في معاقبة حركة النهضة وإجبارها على الإذعــان لمشيئته والتخلي عن دعم يوسف الشاهد الذي لن يغفر له رئيس الجمهورية تمرده عليه وإجهاض وثيقة قرطاج 2 ووأدها في المهد والتي كان الهدف من اجتماعاتها إنهاء وجود الشاهد على رأس الحكومة.

ويختلف آخـرون مع هذا الطرح ويـرون أن «رأس الشاهد» ليس غاية الباجي الأساسية مما يقوم به بل هو مرحلة نحو الأهم وهو إضعاف حركة النهضة حتى يقرر ما يشاء بالنسبة لانتخابات العام المقبل وذلك إما بإعادة ترشيح نفسه لولاية أخرى، وهذا مستبعد قليلا بالنظر إلى سنه المتقدمة، أو بتمهيد الطريق لمرشح آخر من محيطه يجد طريق قرطاج معبدة أمامه، أو بتأجيل الانتخابات سنتين أو ثلاث يواصل فيها حكم البلاد ويجهز خليفته ويؤمن على أسرته من بعده بعد ترتيبات داخلية وخارجية. وبالتالي يرى أصحاب هذا الطرح أن حركة النهضة قد جنت على نفسها حين لم تقدر الباجي حق قدره وتوهمت أنه انتهى سياسيا وراهنت على الشاب يوسف الشاهد الذي لن يكون أداة طيعة في يدها باعتبار طبيعته المتمردة وجرأته وذهابه بعيدا ودون تردد في ما يعتزم القيام به.

وفي المقابل يرى آخرون وأغلبهم من أنصار حركة النهضة أن الباجي قائد السبسي انتهى سياسيا وعزل بداية من خلال نتائج الانتخابات البلدية التي أفرزت حصول حركة النهضة على المرتبة الثانية بعد المستقلين والنداء ثالثا، ثم من خلال خروج الشاهد ومـن معه عن طاعته وإجـهـاض مفاوضات وثيقة قرطاج 2 وأخيرا من خلال نيل وزير الداخلية الذي عينه الشاهد ثقة البرلمان وكذا الـوزراء الجدد الذي التحقوا بالحكومة بمناسبة التغيير الـوزاري الأخير الـذي قام به الشاهد خلافا لإرادة قائد السبسي. وبالتالي، وحسب هـؤلاء، فإن ما يقوم به الباجي اليوم من تصريحات وتهديدات واستقبالات مستفزة لحركة النهضة ماهي إلا رقصة الديك المذبوح المترنح الذي بات سقوطه المدوي أقرب إليه من حبل الوريد.

ويخشى هــؤلاء من انفجار الأوضــاع في البلاد نتيجة هذا السلوك الذي لا يقدر العواقب من رئيس الجمهورية وذلك بخروج الصراع من تحت قبة البرلمان ومـقـرات الحكم إلـى الـشـارع حيث لا يستطيع أي طرف مهما بلغت قوته على ضبط الأوضاع. فالبلاد على صفيح ساخن نتيجة لـأوضـاع الاقتصادية والاجتماعية المتدهورة والناس في غليان وليس من مصلحة أي كان أن يحركهم ليحسم الأمر في الشوارع والساحات.

Newspapers in Arabic

Newspapers from UK

© PressReader. All rights reserved.