ما يجمع بريطانيا بالعالم الإسلامي أقوى مما يفرقهما

جيري بروتون في «هذه الجزيرة المشرقية»:

Al-Quds Al-Arabi (UK) - - كتب - قدور حباري

عبر 339 صفحة يعود بنا المؤرخ البريطاني جيري بروتون إلى حقبة زمنية مثيرة في كتابه الصادر في 2016 عن دار «بينغوينس» العريقة بعنوان «هذه الجزيرة المشرقية، انكلترا الاليزابيثية والعالم الإسلامي.» كتاب ممتع بأسلوب قصصي لوقائع تاريخية يسردها الكاتب بدقة متناهية تكشف على حس تأريخي كبير ومجهود في تصفح عشرات الكتب والمخطوطات للتأكد من الأحداث والشخصيات والوقائع. لا تملك إلا أن تشعر بالفخر بزمن كانت الأقطار الإسلامية والعربية تعامل بالند، بل عندما تقرأ في فصل كامل عن تودد وتوسل مبعوث اليزابيث الأولى وليام هالبورن للوصول إلى المقربين من الباب العالي والوزير الأكبر سوكولو محمد باشا للحصول على رخصة تجارية تمكنه من القيام بمهمته في الأراضي التي كانت تحت سلطة الإمبراطورية العثمانية يتملكك شعور بالحسرة على ما أصبحنا فيه.

هالبورن مكث ستة أشهر في إسطنبول يرشي هذا ويتودد لذلك للوصل إلى مبتغاه. أقطاب المحور الذي سعت إلى التقرب منه اليزابيث وربط علاقات سياسية وعسكرية وتجارية معهم هم الدولة السعدية والدولة العثمانية وبلاد فارس ربما بشكل أقل نظرا للعلاقة المتوترة آنذاك بين العثمانيين والفرس وتخوف اليزابيث من رد فعل سلاطين إسطنبول الذين كانوا يشاركونها كره الفاتيكان واسبانيا وملكها الناقم فيليب الثاني.

الكتاب يركز على سنوات ملك اليزابيث في نهاية العقد الأخير من القرن السادس عشر عندما كانت البروتستانتية في بدايتها تحت خطر مداهم من الفاتيكان واسبانيا اللذين كانا حريصين على إعـادة الملكة المرتدة وشعبها إلى بيت الطاعة.

يخصص الكتاب حيزا كبيرا لسفير أمير الدولة السعدية مـولاي احمد المنصور، عبد الواحد بن مسعود بن محمد العنوري، وحاشيته المتكونة من 16 مرافقا من مترجمين وتجار وعلماء حلوا بلندن سنة 1600 حيث أقاموا فيها ستة أشهر لإجراء محادثات مع الملكة ومستشاريها في قضايا تجارية وسياسية وعسكرية استراتيجية حيث جمعت القطبين المختلفين دينيا ولغويا وثقافيا وجغرافيا المصلحة وهي مواجهة إسبانيا القوية بأسطولها الذي أرعب مياه البحار والمحيطات. اليزابيث طبعا كانت تطمح إلى الحاق هزيمة أخرى بالإسبان بعد نجاة انكلترا من اجتياح الأرمادة الإسبانية فـي 1588 بمساهمة عاصفة جـارفـة حطمت الأسطول، وفصل البرتغال عن حماية الملك الإسباني فيليب الثاني. أما السعديون فكانوا يرون ان الفرصة ملائمة لخلق حلف يواجهون به أخطار الإسبان وربما استعادة الأندلس ولما لا الإستفادة من غنائمهم في أمريكا الجنوبية. المشكلة حسب بروتون هي ان انكلترا كانت شبه مفلسة في تلك الفترة بسبب تخصيص كل ما في الخزينة لدرء الخطر الإسباني.

المنصور كما يضيف الكاتب قدم عرضا مغريا لم تصدقه الملكة ولا حاشيتها من المستشارين فقد كان مستعدا لتمويل الحملة كلها بمئة وخمسين ألف دوكات أي ما يعادل مئتي ألف دولار في تلك الفترة وهو مبلغ ضخم بكل المقاييس علما ان اليزابيث طلبت من تجارها مثلا المساهمة بعشرين ألف دوكات ومن متبرعين آخرين لتغطية المصاريف ليأتي العرض المغربي المسيل للعاب ومعه أيضا تقديم المساهمة باستعمال الموانئ المغربية وسفنها.

نهاية القرن السادس عشر أو منذ تولي اليزابيث الحكم كانت انكلترا في أمس الحاجة لدعم العثمانيين والسعديين لتزويدها بمختلف السلع كالجلود والتوابل وخاصة الملح الصخري ونترات البوتاسيوم الغنية بها آنذاك الدولة السعدية، والسلعة مطلوبة بكثرة لصناعة البارود الإنكليزي الذي كان يصدر لاحقا للسعديين ودويلات إسلامية أخرى.

الشيق في الكتاب عدم إهماله الأمور الدقيقة مثل مكان إقامة البعثة المغربية التي اختارت أو أختير لها منطقة «وايت هول بالاس» بالقرب من قصر باكنغهام حاليا وتناول اللحم الحلال بالقيام أنفسهم بذبح الذبيحة. الكاتب ينشر صورة البورتريه الوحيدة للسفير المغربي التي رسمت له خلال إقامته في لندن سنة 1600 وهي أقدم صورة لمسلم في انكلترا، وتعكس رجلا وسيما في لباس عربي أنيق كان شديد الأثر على من استقبله من رجال السياسة والأعمال وحتى أهالي لندن الذين من المرجح انها المرة الأولى التي يشاهدون فيها أميرا مسلما وحاشيته يتجولون في شوارعهم وأسواقهم ولكم أن تتخيلوا مدى فضول الإنكليز لدى رؤية زوارهم المغاربة. في الكتاب صور أخرى للملكة اليزابيث وشخصيات مؤثرة في زمنها في الزي الشرقي والحلي التي من المرجح أنها تلقتها هدايا خلال سنوات مراسلاتها مع من تعاقب على الحكم العثماني وحتى من الأمير مولاي.

الكتاب يدون تفاصيل دقيقة مثل الحديث بالتفصيل عن ملامح الملكة الجسدية وأسنانها السوداء التي يقول عنها أن ابتليت بالإدمان على السكر المغربي الذي كانت تستورده المملكة آنذاك وهي ظاهرة صحية لم تختص بها اليزابيث بل كانت منتشرة بشكل كبير بين رعيتها. تفاصيل أخرى وقصص أعاد إليها الحياة وهو ينفض الغبار عن أرشيف بلاده مثل توسل حليف الملكة وسفيرها لدى الدولة العثمانية للوصي على بيت المال في الجزائر حسن أغا لإطلاق سراح سجناء هولنديين لأن هولندا كانت من الحلفاء القلائل لإنكلترا آنذاك. الطريف في الأمر ليس توسل السفير ولا السجناء بينما حسن أغا الذي كان في الواقع تاجرا انكليزيا يدعى سامسون راولي وقع في أسر القراصنة حين كانت الجزائر تحت الوصاية العثمانية وأصبح مسلما تدرج على مختلف المناصب حتى أصبح مستشارا للسلطان في البلاد شأنه شأن العديد من الأوروبيين الذين انتهى بهم المطاف في سجن الإمبراطورية العثمانية وأصبحوا بعد ذلك يتبوؤون المناصب العليا بعد إسلامهم أو ارغامهم على الإسلام.

اليزابيث خلفت شقيقتها الكاثوليكية ماري سنة 1558 وحولت مملكتها إلى البروتستانتية لتجد نفسها أمام خطر وجودي مداهم باستمرار من قبل اسبانيا والفاتيكان وكان لتواجد العنوري في لندن مغامرة سياسية حيث أثارت غضب أعدائها أكثر لبحثها على حليف مسلم لمحاربة الكنيسة في الوقت الذي كانت فيه الدولة العثمانية العدو الأول للفاتيكان واسبانيا. اليزابيث الأولى وأمير الدولة السعدية مولاي أحمد المنصور جمعتهما المصلحة لكنهما لم يتفقا على سبل تحقيق مطامحهما، فالملكة كانت تحتاج للجيش السعدي وأموال السعديين لكبح جماح الإسبان بينما كان الأمير المغربي يريد أكثر من مجرد ردع الإسبان في مياه البحر المتوسط، كان يشترط على الملكة ودعمه لمنافسة الإسبان على كعكة أمريكا الجنوبية التي انفردت بها اسبانيا في النهب والدمار. فترة حكم اليزابيث 1558 حتى وفاتها 1603 كانت حسب المؤرخ البريطاني العصر الذهبي للعلاقات الإنكليزية الإسلامية ولم يشهد القطبان فترة تقارب مماثلة لا قبل اليزابيث ولا بعدها. لكن التقارب المذكور وإن ترجم على أرض الوقع تجاريا حيث بلغ التبادل التجاري أوجه وضمنت اليزابيث أسواقا إسلامية مهمة للغاية خاصة بعد تقربها من الدولة العثمانية، لكن الحلم العسكري مات في مهده وبعد إقامة ستة أشهر عاد السفير المغربي دون تحقيق مراد الطرفين وعند وفاة الملكة في 1603 ولحق بها المنصور في السنة ذاتها تولى التاج الإنكليزي ملك اسكتلندا جيمس الأول الذي لم يكن متحمسا لأي تقارب مسيحي إسلامي بل تصالح مع إسبانيا لينهي بذلك فترة ذهبية بين العالم الإسلامي وانكلترا.

في الكتاب صورة لما يعرف بلقاء «سومرست هاوس» أو اجتماع التصالح بين الإنكليز والإسبان سنة 1604 الذي أعلن النهاية الرسمية لأي تقارب انكليزي إسلامي ولطريف في الصورة ان الطاولة التي اجتمعت حولها البعثتان كانت مغطاة بسجادة عثمانية.

الكتاب مصدر ثري للمهتمين بدراسة المسرح الشكسبيري أو الإنكليزي بصفة عامة في تلك الحقبة الزمنية حيث يخصص بروتون جـزءا كبيرا ويسهب في دراسـة دقيقة لمختلف المسرحيات التي عرضت على مسارح لندن في تلك الفترة ولمختلف الكتاب المسرحيين الذين نــادرا ما خلت مسرحياتهم من شخصيات المسلم أو «التركي» وهي التسمية التي كانت تطلق على المسلمين وأيضا «المحمديين» وهي في الغالب شخصيات شريرة مخادعة تسفك الدماء وتسبي النساء. الكتاب بمن فيهم شكسبير وكريستوفر مارلو وروبيرت ويلسون بنوا هذه الشخصيات من نسج الخيال المعتمد على الروايات التي يرويها البحارة والتجار العائدون من البلاد الإسلامية كتونس والجزائر ومراكش وإسطنبول وبلاد فارس وطبعا كتب الرحالة والمؤرخين حول الأتراك والمسلمين في تلك الفترة. مسرحيات شكسبير ) ‪1616- 1564‬ ) هي التي احتفظ بها التاريخ لعبقريته الفذة ولم يختلف الكاتب العظيم الذي عاصر حكم اليزابيث الأولى عن جيله من الكتاب في طرح الشخصيات المسلمة إلا في قدرته الكبيرة على السرد الدرامي. رغم ان الفترة بين 1576 و1603 شهدت إنتاجا غزيرا من المسرحيات التي تطرقت لشخصيات مسلمة بلغت ستين مسرحية ولكن التاريخ لا يذكر سوى مسرحيات شكسبير. المـؤرخ بروتون يرى أن مسرحية «عطيل» مثلا متأثرة بزيارة السفير المغربي للندن، كتبت في 1603 أي بعد أقل من ثلاث سنوات من مغادرة البعثة المغربية للندن، وان هناك أوجه شبه كبيرة بين الرجلين. عطيل مسلم موريسكي أعتنق المسيحية بينما محمد العنوري مسلم مورسكي على الأرجح ارتد عنها بعد أن أفلت من محاكم التفتيش إثر سقوط الأندلس والتحاقه بالمغرب. ويستدل في ذلك على ان اجتماع الملكة بالسفير المغربي لم يكن بالإنكليزية أو بالعربية ولكن بالإسبانية، لأن الزائر المغربي لم يكن يتحدث العربية. ولكن «عطيل» لم تكن المسرحية الوحيدة لشكسبير التي تطرقت للمسلمين والإســام فكانت «تاجر البندقية» و «تيتوس أندرونيكوس» و «العاصفة» وغيرها الدليل على ذلك، إلا أن «عطيل» كانت سباقة لعصرها حيث أظهر فيها شكسبير إنصافا للمسلم لم تسبقه مسرحية أخرى حسب بروتون من حيث بناء شخصية سوية آدمية تشعر وتتألم ويشعر لها المشاهد ويتفاعل معها.

بروتون يقول ان من دوافع الكتاب الحاجة الماسة في الوقت الحالي للتذكير بـأن المملكة البريطانية كانت تربطها علاقات قوية بالعالم الإسلامي قبل قرون وان الكتاب مساهمة منه ولو بسيطة للتذكير بأن ما يجمع الطرفين أقوى مما يفرقهما خاصة منذ أحداث 11 أيلول 2001.

Newspapers in Arabic

Newspapers from UK

© PressReader. All rights reserved.