شَرقُنا... وغَربُهم

من فلسفة الجمال إلى مفهوم الشرف:

Al-Quds Al-Arabi (UK) - - آداب وفنون - عبد الواحد لؤلؤة

شاعر الإمبراطورية البريطاني رديارد كبلنغ )1885 ـ 1936( هل كان غير محق يوم قال: «الشرق شرقٌ والغربُ غربٌ/وأبداً لن يلتقيَ الإثنان».

ثمة أمثلة كثيرة تبين أن الفكر الشرقي يصعُب عليه تقبل الفكر الغربي، ولا الفكر الغربي يسهُل عليه تقبل الفكر الشرقي في أمور حيوية يصعب الجدل حولها. أما الأمور غير الحيوية، من شؤون المأكل والملبس، والتصرف العام فهذه يمكن «التساهل في شأنها» بل يمكن تبنيها من فريق أو آخر، دون كبير جدل أو استهجان.

مفهوم الجمال مثلاً، في الإنسان، وعند المرأة على الخصوص، بل حتى في الطبيعة، يختلف في الغرب، وفي أمريكا مثلاً، عن مفهومه في المشرق، وفي الثقافة العربية تحديداً. ومن الأمثلة التي شهدتُها شخصياً، وفي محيط الدراسات العليا في الجامعات، وليس بين عامة الناس أو غير المتعلمين، حادثة غريبة في طرافتها، أخذتني بعيداً في استذكار مفهوم الجمال في تراثنا الشعري العربي. سمعتُ طالباً يجلس مع صحبه قريباً مني يقول لصاحبه: «عصر أمس رأيت جانيت خارجة من المكتبة». فأجابه: «ومن هي جانيت؟» كان الجواب: «جانيت الجميلة ذات العينين الخضراوين خضرة الدولار!».

كنا نستمتع بساعة «شــاي العصر» في نادي طلبة الدراسات العليا، في جامعة هارفرد، وليدة جامعة كمبرج البريطانية، وشاي العصر هو التقليد الإنكليزي، الـذي حرصت الجامعة على محاكاته، توكيداً لارتباط الجامعة بتقاليد البلد الأم. لم أستطع كبح جماح فضولي، فسألت ذلك السائل مبتسماً: «هل تقدّرون جمال العينين بخضرة الدولار؟» أجابني بمـــودة وابـتـسـام: «وكـيـف تصفون جـمـال عينين خضراوين يا عرب؟» حاولتُ أن أجيبه بترجمة بيت ذي الرمة، الشاعر الأموي المتوفى عام 735م: «وعينان قـال الله كونا فكانتا/ فعولان بالألباب ما تفعل الخمر». لكن ترجمتي جاءت مقصرة عن جمال البيت، بسبب غياب صيغة المثنى في الاسم والصفة في اللغة الإنكليزية، وفي أغلب اللغات الأوروبية وكذلك بسبب غياب الإشارة إلى كلام الله: كُن فيكون. لكن جاري في جلسة الشاي، أنزل ما في يده والتقط «ما تفعل الخمر». فابتهج قائلاً. «إنكم تقارنون بالخمرة إذن! لا عجب لأن شاعركم الخيام هو أكبر متغزل بالخمر». أردتُ أن أصحح له أن الخيام فارسي وليس عربياً. فقلتُ: لا فائدة.

وعاود صاحبي سؤال صاحبه: ما أخبار جانيت الحلوة خضراء العينين؟ قال: سمعتُ أنها خُطبتْ لذلك الطالب الإنكليزي: أبوه يحمل لقب كونت! جاء سؤال عاجل: وما هو مقدار دخل الكونت سنوياً؟

فضلتُ أن أترك مجلسي في ساعة شاي العصر تلك. واعَجَبي! هؤلاء أناس يصفون جمال العينين بخضرة الدولار ويسألون عن رواتب من يحمل لقب تشريف ملكي! شرق وغرب!

والشعور المرَضي بأننا أفضل من الآخرين هو من صفات الجاهلية، كما في «ملأنا البرّ حتى ضاق عنا...» أما أن نجد مثل هذا الشعور في أيامنا الحاضرة، وفي بلد مثل أمريكا، فهو من عجائب الأمور. مرةً كنتُ أقطع رديارد كبلنغ بحر المانش في عوامة الوصول إلى الجانب الفرنسي )ولن أعود لمثلها( وكانت العوامة مكتظة بالسياح، وأغلبهم من الأمريكان. كان إلى جانبي أستاذ جامعة أمريكي، وفي صفين أمام مجلسه ابنه المراهق المتحمس للوصول إلى باريس ليتصور أمام برج إيفيل، لكي يُري صورهُ لزملائه في المدرسة عند عودته. كان الإبن لا يقر له قرار، يسأل كثيراً عن باريس من والده الذي بدا أنه سبق له زيارة باريس. وكل سؤال من الإبن كان جوابه من الأب: عندنا في أمريكا ما هو أفضل وأعظم. قال: هل البرج شديد العلوّ؟ أجاب الأب: عندنا ما هو أعلى. سأل الإبن: إذا صعد أحدهم إلى طبقة عالية واختل توازنه فسقط: كم يستغرق وصوله إلى الأرض؟ وهل سيموت قبل وصوله الأرض؟ تبرع سائح أمريكي آخـر بالقول: هـذا سيستغرق ثلاثة أيـام للوصول إلى الأرض. وحتماً سيموت، لأنه في ثلاثة أيام ماذا سيأكل وماذا سيشرب؟

وفي أوروبا، تلك القارة العجوز، المتحضرة، كنتُ ذات صيف في زيارة سياحية إلى سويسرا. أخذنا الدليل السياحي وكنا حوالي عشرين سائحاً من مختلف الأقطار وكان الشرح عن عظمة التراث العمراني في سويسرا. أخذونا إلى قلعة من بقايا العصور الإمبراطورية، ورحنا ندور بين أقسامها والدليل يذكر لنا تواريخ وأسماء من سكن تلك القلعة من كبار القوم. فجأة سألت سيدة أمريكية: «أين الحمّام والتواليت في هذه القلعة؟» شعر الجميع بالحرج من حاجة تلك السيدة لاستعمال التواليت، ونحن على ذلك العلوّ الشاهق المطل على البحر. قادنا الدليل إلى زاوية من القلعة، مطلة على البحر، في أرضيتها فتحة تُشرف على الأمواج. قال: هنا يقضي ساكن القلعة حاجته. سألت المسكينة ومعها آخــرون. ولكن هل في هذا الحمّام صنبور ماء للاغتسال؟ لا جواب!

وقد ذكّرني ذلك المشهد بما قـرأت مـرّة عن الملكة فكتوريا في القرن التاسع عشر، وقـد يكون ذلك الخبر كلاماً خبيثاً مدسوساً من عدو للنظام الملكي البريطاني. قال سألوا صاحبة الجلالة: لماذا تكرهين الاغتسال والحمّام؟ قالت: «لا أدري لماذا يجب أن أبلل نفسي بالماء من الرأس إلى القدم، إلا عند وجود حاجة لذلك!».

ذكّرني هذا النفور من الاستحمام، وغياب الماء في «دورة المياه» الأوروبية في العصور الخوالي، بالمبالغة بالاهتمام بالحمامات العامة في البلاد العربية، وبضرورة توفير الماء قبل الدخول إلى «الُمستراح» أو «دورة المياه» في بلادنا. في صيف أيام الدراسة في أمريكا، سمعنا بمجيء رجل لقضاء شهرين في منحة دراسية، فهرع بعضنا إلى المطار كعادتنا باستقبال أي عربي قادم إلى أمريكا، لنسمع منه أخبار بلادنا. نزل الرجل من الطائرة يحمل بيده حقيبة كتب كبيرة، وقد يوسف وهبي برز من طرفها «زَنبوعة إبريق نحاس» مما يُستعمل للدخول إلى «الُمستراح». دفعتنا مفاجأة الاستغراب إلـى سـؤال الرجل صراحة: لـمَ هـذا الإبـريـق؟ فقال ببساطة: للوضوء، لأنه يتسع «لأربعتاواك» ماء، وهو المقدار المسموح به شرعاً للوضوء! لم أسمع قبل ذلك أن الماء يقاس «بالأوقية» بدل المكيال بالحجم. لكن صاحبنا كان من المتشددين، وربما لا يعرف من الدين سوى «النظافة من الإيمان».

وعلى مستوى أكثر جـدّيـة هـو مفهوم الشرف والعفاف في تراثنا العربي مقارنة بما لا يُناقش في الغرب. وهذا موضوع بالغ الحساسية هنا وهناك. ففي بعض البلاد العربية الإسلامية ثمة موضوع القتل «غسلاً للعار» الذي لا تُعاقب عليه قوانين بعض البلاد. لكن هذا الأمر غير مسموع به في الغرب، ولو سمعوا به لكانت وصمة فاعليه: الهمجية والتوحش. في الغرب، وفي بريطانيا خاصة، تُعطى البنت مفتاح الدار إذا بلغت الحادية والعشرين من العمر، وربما إذا بلغت الثامنة عشرة أحيانا، اعترافاً ببلوغ الفتاة، والفتى كذلك، أنها صــارت تتحمل مسؤولية تصرفاتها، فتغيب عن الدار ليلاً وتسهر أنّى شاءت، وتستطيع العودة إلى الدار لأن المفتاح في يدها. أما إذا تجرّأ من يسال الفتاة عن ضـرورة الحفاظ على عفتها يكون جوابها: «جسدي مُلكي، أفعل به ما أشـاء!» عاشت الحرية الشخصية ودمقراطية التربية!

بين هذه الأمور، الجادة والهازلة معاً، يتضح الفرق بين عقلية وتراث الشرق والغرب. وثمة أمثلة ونواحٍ أكثر مما أوردتُ في هذا المقال القصير. وقد بقيت مسألة الشرف والعفاف شديدة البروز في مجتمعاتنا الشرقية. نجد هذا في ما يكتب في بلادنا من قصص وروايـات، وحتى في السينما والمسرح، مثل صرخة طيب الذكر يوسف بيه وهبي في أحد أفلامه: «شرف البنت زي عود الكبريت، ما يتولعش الا مرة واحدةّ».

ويبقى الشرقُ شرقٌ والغرب غرب/وأبداً لن يلتقي الإثنان!

Newspapers in Arabic

Newspapers from UK

© PressReader. All rights reserved.