مصيبة الكاتب العربي أنه يتحرك في حقول ألغام ما زالت فعالة

الروائي العراقي حميد الربيعي:

Al-Quds Al-Arabi (UK) - - ثقـافـة Culture - حاوره: مروان ياسين الدليمي

■ هل يمكــن أن تكــون الرواية بالنســبة للكاتب بمثابة تصفيــة حســاب مــع العالــم؟ أم أنــــها عمليــة مخاتلــة للاعتراف؟

□ يــا ليت هــذا يحصل، بــل إنها فتــق للجروح، فالأحداث والشخصيات والأزمنة تصير حية، وتطالب بحقها فــي الوجود اليومــي، بمعنى تبــدأ تعتاش مع الكاتب بــكل تفاصيــل حياته.الأنكى من هــذا أن تلك الشــخصيات والأحداث سوف تفتق الكوامن عن أزمنة ســبق للمؤلف أن حاول طيها عبر النسيان، أو التراكم في أســفل ذاكرة ممتلئة، بمعنى جلبها للآني، ســيقود حتما إلى إشــكالات من تلك التي توجــع الدماغ، فمهما حاول الكاتــب تجنب منطقة الاحتكاك هــذه، فلابد أن تطل في أي صورة تشاء، كأن تكون على هيئة مقاربة أو انزياح، بيدها أنها ســتظل في النهاية على هيئة كتاب، فتــح توا، وعلى الكاتب تســديد ما فيــه من ذمم تجاه التاريــخ والحياة. تبقــى الرواية فــي النهاية محاولة لمجابهة الوقائع والأحداث التي تمر.

■ هل من سمات معينة للذات المؤهلة لكتابة السرد؟

□ الــذات الواعية لحركــة الكون، مــن أقصاه إلى أدناه، بمــا فيه من قوانين وقيــم، طبيعية واجتماعية، أو مــا وراء ذلك من مفاهيم، التي شــكّلت وعي العالم، على مرّ عصوره الســابقة، وصولا إلى الســؤال المهم، لماذا هذا الجريان، الحراك، وبهذا الشــكل؟ ليس الشكل الجاهز الفيزيائي، بــل بما اعترك معه، أثناء مســيرة البشــرية، من تعقيدات اجتماعية وإنســانية، تضاف لها الخبرة الحياتية، التي تؤهل الكاتب لإدراك مفاصل الحياة، وتجعلــه ذا دراية، تمكنه من النظر إلى الأمور، ليس من باب الأحداث اليومية، بل من باب: لمَ يحدث؟ بمعنى الخبرة التي تغوص في عمق الأشياء وتستشف تفاعلاتهــا بمجمل نواحي الحيــاة. والنقطــة الثالثة هي الســليقة، تلك التي تربت ونمــت وتطورت بمعرفة عناصــر الرواية وإدارة الســرد فيها، من حيث شــكل التقنية وتطورها وتشــعبها ونوع مدارســها الحديثة، ويتأتى هذا بالمران والمعرفة والمتابعة والمقدرة الذاتية، التي تعني التأهيل الذاتي لخوض مجال كهذا في الأدب والإبداع فيه.

■ هل الفشــل فــي كتابة الرواية ســيرافق مــن لا يملك تجربة حياة طويلة؟

□ بالتأكيــد، لا يمكــن أن تدرك كنه الحيــاة، بدون الخوض في سجالها، ذلك الاحتكاك المباشر مع الوقائع ومن ثــم اختمارهــا وتبلورها وتشــذيبها، ثم امتلاك ناصية إعــادة تكوينها، فالتجربة تخلــق لدى الكاتب إمكانية التجريــد، وهي خطوة مهمة فــي إعادة تخيل الحياة، من خلال تجريد المشاهد اليومية من كل ما علق بها من حكايــات جانبية أو رتــوش واختزانها كفكرة مجــردة، عندها تبــدأ المخيلة بالعمل علــى هذا المجرد وطرحها بسرد مباشر. الحياة هي خزين صور متعددة، تمتلكها الذات ويشــذبها الســرد بما يلائــم الصورة الجمالية، هذه العمليــة المعقدة، التي تجري تلقائيا في منطقة اللاوعي هــي التي تدفع بالكاتب إلى الإبداع باستحضار الأشــكال المبتكرة في الســرد. أحد الأصدقاء، ومن باب المزاح، طرح فكرة أن لا يكتب الرواية إلاَّ مَن تجاوز الأربعين من عمره.

■ كل روايــة فيهــا قــدر معين من الســيرة الذاتيــة للكاتب، متى تصبح السيرة الذاتية عامل فشل للروائي؟

□ متــى مــا طغت الســيرة على مكونــات الرواية وتقنيتها وأصبحت الهاجس الذي يشغل بال المؤلف ويجعله المسبار لسير العملية السردية، هذا الطغيان من الســهولة عــدم أدراكه لدى الكاتب غير المتمرس، إذ يتراءى له إنه يكتب ســردا مميزا، لكن في الحقيقــة أن ذاكرته تضغط باســتمرار نحو البوح الذاتي، وكأنــه لا فاصــل أو تمييز بين مكونات الحكاية، وتلك السيرة. الإشكالية صعبة، بيد أن إدراكها هو الأهم في كتابة الرواية، لأن الســيرة سوف تســيِّر حوادث الروايــة باتجــاه المبتســر من يوميات المؤلــف، بينما الرواية تتطلــب الرســم الهندســي لأحداثها وشــخوصها وأزمنتها وأماكنهــا، وهي التــي غالبا ما تمحى مــن الســيرة، إذ تصبح الحكايــة الذاتية الشــخصية هــي المعيار الذي يقود حركة الأشــياء، في حين تتطلب الرواية أحيانا التوقف أو الانتقال بالســرد من صورة إلى أخرى، أو من زمن إلى آخر، بينما في السيرة تهيمن الذات وســيرتها على السرد. قد نستفيد من السيرة في كتابة الرواية في بعض المشــاهد، لاسيما المشاهد التي يحدث فيها التبيئر على مســتوى الحدث أو الزمن، لكن بشــرط أن لا تخرج الســيرة عن خط كتابــة الرواية، نســتطيع أن نلمس ذلك بوضوح لدى كتاب مرموقين، لكن مــع ذلك يخطؤون في هذه الجزئيــة، باعتبار أنها تعميق للصورة الســردية، لكنها فــي الحقيقة تنحية جانبيــة عن مجمل الســرد، لذلك حين نقــرأ رواية ما، نضطر إلى تجاوز صفحات عدة، فــي أثناء القراءة، إذ نشعر بها خارج إطار السياق.

■ كيف يمكن إمســاك الحد الفاصل بــن ما يحدث في النص الروائي والواقــع التاريخي العياني، من قبل المتلقي وكذلك من قبل المؤلف؟

□ القــارئ الفطــن يــدرك بالضرورة تلــك الفروق الطفيفة أو العميقة بين الاثنين، ما سيدفعه إلى إدراك هدف المؤلف. قد تكون بعض الوقائع غائبة عن ذهن القارئ وستحتم عليه الأخذ بما يطرحــه المؤلف، كمســلمات بأنهــا حقائق تاريخيــة، من هنا تتأتى الصعوبة، بيــد أن المؤلف مــن جانب آخر عليــه أن لا يوقع قارئه في منطقــة الالتباس هذه، فهو بهــذه الحالة ســيصبح أحد مزوري التاريخ، ولإزالة الإشكال، لابد له من خلال السرد الفصل بين ما هــو تاريخي وما هــو متخيل، بمعنى آخر: هل المؤلف يســحب ما هو تاريخــي إلــى المتخيل أم العكس؟ أعتقد أن مهارة الروائي تتجلى في هــذه الخاصية، التي يدرك المؤلف سلفا مقدار الإجادة والمران اللتين امتلكهما في طريقة إعادة خلق تلك الحــوادث فنيا. إن العالم والحياة صور، وإعادة تركيبهــا يتطلب مهــارة ليس في صياغتها، إنما فــي تجريد صور الحياة من ارتباطاتهــا اليومية، ومن ثم النســج عليها ومقاربتها من الواقع، التي تعني بأن المخيلة هي التي تشــتغل على التاريخي وتســحبه إلــى منطقتهــا، بهذه الحالــة ســوف يصبــح التاريخ ليس تلك الحوادث المنتظمة، إنما هو حكايات تمت بلورتها بشــكل مغاير. الوعــي بالتاريخ ضرورة تنظم سير الســرد الروائي وتكمن العبرة في ما يطرح من أفكار، بــدلا من الحكايات ومدلولاتهــا، إن زحزحة التاريخي عن قدســيته وإعادة تشــذيبه تتطلب الفهم العميق لمادة التاريخ وطريقة تشــكيلها، بما كانت عليه ســابقا، ومن ثم إعادة هذا التشــكيل بشــكل مختلف، يتناسب مع السرد الروائي.

■ هــل قيمــة العمــل الروائــي تتجلــى في قدرتــه على استحضار الشعور بأن الحياة كما وصفتها الرواية؟

□ تجــاوز الســرد بمدارســه الحديثة واقــع النقل المباشــر كما كانت تطرحه «الواقعية النقدية»، فالحياة أصبحت أكثر تعقيدا ووسائل الاتصالات أضحت متاحة أمام القارئ، بأن يطل على الحياة، من أوســع أبوابها، حتى صار القــارئ على دراية بالحــوادث اليومية، بل لا نجازف حــن نقول إن القارئ أكثــر معرفة بتفاصيل الحياة من الكاتب ذاته، بيد أن الرواية عملية فنية يعاد مــن خلالها الإطلال على هذا العالــم من زاوية الجمال، لذا على الكاتب أن يكون أكثر وعيا بهذه النقطة، بحيث أن عليه الأخذ بيد القــارئ إلى المناطق البعيدة عن تلك اليوميات، من خــال إعادة صياغة الحياة فنيا، وأيضا من خلال الوعي بحركة الحياة، في أي اتجاه تسير.

■ الكاتب الغربي ليــس أمامه حدود يقف عندها، بينما الروائــي في المنطقة العربية أمامــه الكثير من المحاذير، هل يمكــن أن يكون ذلك عامل دفع له حتى يبتكر أســاليب فنية لاجتياز الممنوع؟

□ مصيبة الكاتب العربي أنه يتحرك في حقول ألغام مزروعــة منذ أزمنة قديمة ومازالــت فعالة، بينما وعيه وكتابته تتطلب تحريك الســاكن في هــذه الحياة، مما يجعل الصــدام واقعا لا محالة فــي أي منعرج يخوض به، وبســبب تكشــف مكنونات الحياة لم تعد التورية والمواربــة مفيدة، كمــا كان يســتعملها الكتاب في بدء عصر التنوير، فالســلطة، أي ســلطة، لها من الإمكانية بأن تراقب مثل هــذه الخروقات وتقف لهــا بالمرصاد، ونتيجة المواجهة الحتمية التي خلقتها وســائل الحياة أصبح رأس الكاتب هــو الثمن لأي محاولة يقوم بها في هذا الصدد، لدينا الكثير مــن الأمثلة الدالة على فداحة مــا يقدمه المثقفــون من تضحيــة، لكن الأمــر لا يخلو من مزاريب، هنا أو هناك، فبمقدار ما تشــدد الســلطة والمجتمع من قبضتهما باتجاه التغيير، بمقدار ما الكاتب يجد أمامه مــن زوايا، يســتطيع أن يمــرر بها خطابه الثقافي. والمحظورات فــي منطقتنا لم تعد ذلك الثالوث الأبدي، بل صارت تشــمل معظم مناحي الحياة، بسبب الردة التي انتكســت بهــا، ومن التطور الذي أرســاه التنويريون، في بداية القرن الماضي رأينا المنطقة تعود إلى بداية عصــور الظلام، مما تطلب جهــدا جبارا من الكُتَّاب، ليس في الحفاظ على حياتهم من القتل، بل في طرح أساليب فنية، تشــق عباب ذلك الظلام. أعتقد أن الرواية بهذا الصدد، لها الكأس المعلى في ريادة تجاوز عالم المحظــورات والطرق بقوة على قدســية التاريخ والأنظمة، حينما انتقلت فــي بداية الألفية الجديدة من حضن البنى الفوقية للدولة إلى أحضان المجتمع ، ما وفر لها مساحة طيبة للحراك.

■ العلاقــة بين التاريــخ والخيال فيها جانــب كبير من التوريط من قبل أحدهما للآخر، أنت شــخصيا كيف تحدد هذه العلاقة، وما الذي يشــغلك عندما تســحب التاريخ إلى منطقة التخييل الروائي؟

□ هذه ميــزة مهمة في الســرد الروائــي الحديث، وأحد أهم أركان الرواية الجديدة، التي اشــتغل عليها، ومنذ بــدء كتابتي للرواية وضعتها نصــب عينيّ، أولا من خلال الخوض فيها، وثانيا من خلال إعادة تشــكيل هذه العلاقة، لتكون محورا تجديديا في الســرد. ولدى الغالبية من الكتاب تعد معضلة، بســبب النظرة تجاه مادة التاريــخ، بينما أنا تجاوزت هــذه العقدة، حينما كنت في الخارج تحررت من قيود السلطة والرقابة، ولي من الســعة مكانيا وزمانيا، بأن أجدد رؤيتي للتاريخ. وقراءتــي المتواصلة لمــادة التاريخ القــديم والحديث جعلــت النظر إليه خــارج القدســية المفروضة عنوة، وإعادة قراءة هذا التاريخ بمنظور عصري، يتناسب مع تطور الحضارة العالمية، بمــا وصلت إليه من منجزات، ما حتم عليّ أن أمتلك توجها خاصا، بموجبه أغربل مادة التاريخ، ليس باعتباره كتابا دونه الملوك والسلاطين، لكن باعتباره حركة حياة للناس، الذين اشــتركوا في صناعته. وســرديا نتيجة تراكم الخبرة فــي الكتابة، وجب علــيّ التفرد عــن الآخرين، بأن أجعــل المتخيل هو الذي يســحب التاريخ إلــى مرابعه وليس العكس، كالذي نراه لدى الكثير من الكتاب، الذين يرون بسحب التاريخ إلى المتخيل، إن من مارس كتابة كهذه ســيبقى أسير المادة التاريخية، بينما طريقتي أتاحت لي الفرصة لأن أتخلص من ســطوته والتلاعب بحكاياته بما تمليه المخيلــة وما يطلبه الســرد الروائي. أعتقــد إني فعلت هذا بشــكل مكثف في رواية «دهاليز للموتى» وبأشكال متنوعة في كل من رواية «أحمر حانة» ومجموعة «بيت جني .»

Newspapers in Arabic

Newspapers from UK

© PressReader. All rights reserved.