رحلة في عقل القاتل الجماعي

Al Shabiba - - المؤشر -

في عطلة نهاية الأســـبوع الفائت، فتح ســـتيفن بادوك النار على حضور مهرجان لموســـيقى الريف في مدينة لاس فيجاس بولاية نيفـــادا من فندق يطـــل على الســـاحة التي أقيم عليهـــا الحفل، فقتـــل ما لا يقل عن 59 شـــخصا وأصاب أكثـــر من 500 آخرين بجـــراح. وفي نهاية المطاف، وجِد بادوك، وهو محاســـب ســـابق يبلـــغ من العمر 64 عاما وصحيفة ســـوابقه خاليـــة من الجرائم، ميتـــا في غرفته بالفندق وبجانبه 23 ســـلاحاً ناريـــاً، بما في ذلك أكثر من عشـــرة أسلحة هجومية (بندقية آلية أو شبه آلية). وفي وقـــت لاحق عثرت قوات الشـــرطة علـــى 19 ســـلاحا ناريا آخر، ومتفجـــرات، وعِدة آلاف من الطلقات في منزل بادوك. ولكن ما لم تتوصل إليه السلطات بَعد هو الدافع.

فـــي الأيام المقبلة، ربما يتضح المزيد من التفاصيل عن عقلية بادوك وأهدافه. ولكن من يطلق النار على حشد من الناس على هذا النحو، والذي يمكننا أن نطلق عليه وصف »الذئب المنفرد« ـــــ مـــن يرتكب جريمتـــه منفـــردا ولا تربطه علاقة بـــأي حركة أو إيديولوجية ــ لا يشـــكل ظاهرة جديدة، وتزودنا مثل هذه الواقعة بأدلـــة مهمة عن الدوافع والعمليـــات الفكرية التي تدور في ذهن أولئك الذين يطلقون النار على حشود من الناس.

لا يظـــل أغلـــب مرتكبي هذا النـــوع من القتـــل الجماعي على قيـــد الحياة بعـــد هجماتهم؛ فهم إما يقتلون أنفســـهم أو يتركون لقـــوات الشـــرطة مهمة قتلهـــم. ولكـــن أولئك الذيـــن بقوا على قيـــد الحيـــاة بعد هجماتهم أظهروا بعض الســـمات المشـــتركة، والتشـــخيصان الأكثر شـــيوعا لمثل هذه الحالات هما اضطراب الشخصية النرجســـية والفصام البارانويدي (المصحوب بجنون العظمـــة). وكانت هذه هي الحال مع أنـــدرس بريفيك، الإرهابي اليميني المتطرف النرويجي الذي فَ جر في العام 2011 ســـيارة فـــان مفخخة بقنبلة، مما أدى إلى مقتل ثمانية أشـــخاص، وذلك قبل أن يطلق النار على رواد معسكر صيفي للشباب فيقتل 69 شـــخصا من المشـــاركين. ولا يزال القاتل قابعا في أحد ســـجون النرويج.

ويعزز فحص ســـلوك مثل هؤلاء الأشخاص قبل الهجمات هذا الرأي. في كتابه بعنوان »دليل وايلي لســـيكولوجية إطلاق النار على حشد من الناس«، قام جرانت دوي، مدير البحوث والتقييم في إدارة شـــؤون الإصلاحيات في ولاية مينيسوتا، بفحص 160 حالـــة إطلاق نـــار على حشـــود من النـــاس وقعت فـــي الولايات المتحدة في الفترة من العام 1915 إلى العام 2013.

وقـــد وَجَد دوي أن تشـــخيص حالة %60 من الجنـــاة كان إما الخلل النفسي أو أنهم أظهروا علامات اضطراب عقلي شديد قبل تنفيذ هجماتهم. ونحو ثلث هؤلاء كانوا على اتصال بمتخصصين في الصحة العقلية، والذين شـــخصوا حالاتهـــم في الأغلب الأعم بأنهـــم مصابون بفصام جنون العظمة. وكان التشـــخيص الثاني الأكثر شيوعا الاكتئاب.

ولكـــن لأن أغلـــب الأشـــخاص الذيـــن يعانـــون مـــن هـــذه الاضطرابـــات لا يـــؤذون عامـــة النـــاس، فإن هذا التشـــخيص لا ينبئنا بالقصة كاملة. يقول دوي إن الفـــارق ربما يكمن جزئيا في شـــعور حاد بالاضطهـــاد ــ ورغبة شديدة في الانتقام.

ويدعم هذا الـــرأي بول مولن، الطبيـــب النفســـي الشـــرعي الأسترالي. فاستنادا إلى تحقيق مفصل شمل خمسة من مرتكبي القتـــل الجماعـــي والذيـــن قـــام هو شـــخصيا بفحصهـــم. خلص مولن إلى أن مثل هـــؤلاء القتلة يناضلـــون في محاولـــة التوفيق بين تصوراتهم العظيمة لأنفسهم وعجزهـــم عن تحقيق النجاح في العمل أو العلاقات الشـــخصية. وهم يقررون أن التفســـير الوحيد هـــو أن الآخرين عازمون على تخريب حياتهم.

الواقع أن دراســـة مولن كشـــفت أن الطريق إلى جريمة القتل الجماعـــي نمطـــي إلى حـــد ما. فقـــد كان كل مواضيع دراســـته عُرضة للتســـلط أو الإقصـــاء الاجتماعي في ســـنوات طفولتهم. وكانوا جميعا متشككين ومتزمتين، وهي السمات التي ساعدت فـــي تعميق عزلتهـــم. وكانوا يحملـــون آخرين دوما المســـؤولية عن مشـــاكلهم، معتقدين أن مجتمعهم رفضهم؛ إلا أنهم فشـــلوا في وضـــع احتمال أن يكونوا هم أنفســـهم مضجرين لغيرهم ولا يفكرون سوى في ذواتهم.

مـــن الواضـــح أن الحالات التـــي تناولها مولن بالدراســـة كانت تحمـــل الضغينـــة لكل مـــن اعتبروهم جـــزءا مـــن المجموعة أو المجتمع الذي رفض قبولهم. وكانـــوا يجترون بلا هوادة مذلتهم فـــي الماضـــي، وهي العـــادة التي غذت الســـخط في أنفســـهم، وضخمت خيالات الانتقام فـــي نهاية المطاف، الأمر الذي قادهم إلى استخدام القتل الجماعي لإيذاء أولئك الذين يتصورون أنهم آذوهم ــ حتى وإن كان ذلك يعني »الترحيب بالموت« لأنفسهم.

هنالك إذن نوع من المنطق المعوج عادة في اختيار مثل هؤلاء القتلـــة لضحاياهم. ويتجلى هذا المنطق بوضوح في حالة إطلاق النار فـــي المدارس، مثل مذبحة مدرســـة كولومبين الثانوية في العام 1999: معاقبة أولئك الذين أقصوا الجناة اجتماعيا. وعلى نحـــو مماثل، تندلع شـــرارة مثل هذه النوبات فـــي أماكن العمل غالبـــا نتيجة لفصل الجاني أو تســـريحه. ولكن حتى في الحالات حيـــث تبدو أهداف الجاني عشـــوائية، يظهـــر المنطق في نهاية المطاف عادة، حتى ولو كانت مســـألة معاقبة جماعة بكاملها أو المجتمع بأسره.

مـــن الواضح أن العديد من التســـاؤلات تظل بلا إجابة في حالة بادوك، بدءا بالتساؤل حول سبب اختياره لهذا الحفل الموسيقي على وجه التحديد لهجمته. ولكن ملامح قصته بدأت في الظهور. وما يؤكد التوجه الفردي الانعزالي ما قاله أحد جيرانه: إن بادوك »الغريـــب الأطـــوار« كان »لا يخالط أحـــدا«؛ وكان العيش بجواره »أشـــبه بالعيش بجوار لا شـــيء«. كما تبين أيضا أن بادوك أقام دعوى قضائية ضد أحد فنادق لاس فيجاس حيث انزلق وسقط؛ ويُعَـــد الميـــل إلى التنـــازع القضائي إحـــدى الســـمات المميزة المحتملة للساخطين والمصابين بجنون العظمة والاضطهاد.

يزعم دوي أن مثل هؤلاء القتلة المســـلحين، على النقيض من الاعتقاد الشائع، لا »ينفجرون فجأة«. ورغم أن ما يقرب من ثلثي مطلقي النار على حشد من الناس يتعرضون لحادثة صادمة قبل تنفيذ هجماتهم مباشـــرة ـــــ فقدان الوظيفة أو نهاية غير ســـارة لعلاقة شـــخصية عادة ــ فإن أغلبهم ينفقون عِدة أسابيع أو حتى ســـنوات في التأمل والدرس ويعدون العـــدة للانتقام. وفي حالة بادوك، ربما يفسر هذا التخطيط الهادئ مستودع الأسلحة الذي وجِد في منزله وغرفته في الفندق التي اســـتأجرها قبل عِدة أيام من الهجوم.

بعـــد المذبحة، ينتحر أكثر من نصـــف منفذي إطلاق النار على الحشـــود العامة مباشرة أو يســـتفزون أفراد الشـــرطة لحملهم على قتلهم. وهذا المعدل أعلى بنحو عشر مرات من نظيره بين مرتكبي جرائم القتل في عموم الأمر. ويتساءل دوي: هل يكشف لنا هـــذا عن مدى الاختلال العقلي الـــذي ابتلي به هؤلاء الجناة؟ ربمـــا يعتقدون أنهم لم يعد بوســـعهم أن يتحملـــوا عذاب الحياة؛ وبمجرد »تســـوية الحســـاب« عن الازدراء المتصور الذي دفعهم إلى فعلتهم، ينتفي لديهم السبب للاستمرار على قيد الحياة.

يزعـــم مولن أن النـــص المعتاد لهذا النمـــط بعينه من الانتحار أصبح راسخا في الثقافة الحديثة، ويستمر في اجتذاب الراغبين في أداء الدور الرئيســـي. وإذا كنا عاجزين عن استخدام المعرفة التي اســـتخلصناها من تجارب الماضي لمنعهم من الصعود إلى خشبة المسرح، فسوف يستمرون في استهداف جماهير الناس.

هؤلاء القتلة يناضلون للتوفيق بين تصوراتهم العظيمة لأنفسهم وعجزهم عن تحقيق النجاح في العمل أو العلاقات الشخصية

Newspapers in Arabic

Newspapers from Oman

© PressReader. All rights reserved.