تروبنيكوف.. أول طبيب سوفيتي في اخلليج

Okaz - - ﺫﺍﻛﺮﺓ -

ﺃﻭﻝ ﺩﻭﻟﺔ ﺧﻠﻴﺠﻴﺔ ﺃﻗﺎﻣﺖ ﻋﻼﻗﺎﺕ ﺩﺑﻠﻮﻣﺎﺳﻴﺔ »ﻛﺎﻣﻠﺔ« ﻣﻊ ﺍﻻﺗﺤﺎﺩ ﺍﻟﺴﻮﻓﻴﺘﻲ ﺍﻟﺴﺎﺑﻖ، ﺍﻟﺬﻱ ﻛﺎﻧﺖ ﺗﻘﺎﻃﻌﻪ ﺑﻘﻴﺔ ﺩﻭﻝ ﺍﻟﺨﻠﻴﺞ ﻷﺳﺒﺎﺏ ﺃﻳﺪﻳﻮﻟﻮﺟﻴﺔ ﻣﻦ ﺟﻬﺔ ﻭﺇﺳﺘﺮﺍﺗﻴﺠﻴﺔ ﺫﺍﺕ ﺻﻠﺔ ﺑﺎﻟﺤﺮﺏ ﺍﻟﺒﺎﺭﺩﺓ ﻣﻦ ﺟﻬﺔ ﺃﺧﺮﻯ، ﻫﻲ ﺍﻟﻜﻮﻳﺖ. ﻓﻔﻲ ﺃﻋﻘﺎﺏ ﺇﻋﻼﻥ ﺍﺳﺘﻘﻼﻝ ﺍﻷﺧﻴﺮﺓ ﻋﻦ ﺑﺮﻳﻄﺎﻧﻴﺎ ﻋﺎﻡ ١٦٩١ ﺍﻋﺘﺮﻑ ﺑﻬﺎ ﺍﻟﺴﻮﻓﻴﻴﺖ، ﺍﻷﻣﺮ ﺍﻟﺬﻱ ﻣﻬﺪ ﺍﻟﺴﺒﻴﻞ ﻹﻗﺎﻣﺔ ﺍﻟﺘﻤﺜﻴﻞ ﺍﻟﺪﺑﻠﻮﻣﺎﺳﻲ ﺍﻟﻤﺘﺒﺎﺩﻝ ﻭﺍﻟﺸﺮﻭﻉ ﻓﻲ ﺍﻟﺘﻌﺎﻭﻥ ﺍﻟﺜﻨﺎﺋﻲ ﻋﻠﻰ ﺃﻛﺜﺮ ﻣﻦ ﺻﻌﻴﺪ، ﻛﺎﻥ ﻣﻦ ﺑﻴﻨﻪ ﻣﺠﺎﻝ ﺍﻟﺨﺪﻣﺎﺕ ﺍﻟﺼﺤﻴﺔ ﻭﺍﻟﻄﺒﻴﺔ. ﻭﻫﻜﺬﺍ ﺍﺳﺘﻘﺒﻠﺖ ﺍﻟﻜﻮﻳﺖ، ﺑﻞ ﻣﻨﻄﻘﺔ ﺍﻟﺨﻠﻴﺞ ﺍﻟﻌﺮﺑﻲ ﻷﻭﻝ ﻣﺮﺓ ﻓﻲ ﺗﺎﺭﻳﺨﻬﺎ ﺍﻟﻤﻌﺎﺻﺮ ﻃﺒﻴﺒﺎ ﺳﻮﻓﻴﺘﻴﺎ ﺍﻧﺘﺪﺏ ﻣﻦ ﻗﺒﻞ ﺑﻼﺩﻩ ﻟﻠﻌﻤﻞ ﻓﻲ ﻣﺴﺘﺸﻔﻴﺎﺕ ﺍﻟﻜﻮﻳﺖ. ﺍﻟﻄﺒﻴﺐ ﻛﺎﻥ ﺑﺮﻭﻓﻴﺴﻮﺭﺍ ﻣﺘﺨﺼﺼﺎ ﻓﻲ ﺟﺮﺍﺣﺔ ﺍﻟﻌﻈﺎﻡ ﻣﻦ ﺃﻭﻛﺮﺍﻧﻴﺎ )ﺇﺣﺪﻯ ﺃﻫﻢ ﺟﻤﻬﻮﺭﻳﺎﺕ ﺍﻻﺗﺤﺎﺩ ﺍﻟﺴﻮﻓﻴﺘﻲ ﺍﻟﺨﻤﺲ ﻋﺸﺮﺓ(، ﻭﻳﺪﻋﻰ »ﻓﻴﻜﺘﻮﺭ ﻓﻴﻠﻴﺒﻮﻓﻴﺞ ﺗﺮﺑﻨﻴﻜﻮﻑ«. ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺠﺮﺍﺡ ﻋﺎﺵ ﻓﻲ ﺍﻟﻜﻮﻳﺖ ﺛﻼﺙ ﺳﻨﻮﺍﺕ ﻋﺎﻳﺶ ﺧﻼﻟﻬﺎ ﺃﻫﻠﻬﺎ، ﻭﺣﺎﺯ ﻋﻠﻰ ﺣﺒﻬﻢ ﺑﺪﻭﺍ ﻭﺣﻀﺮﺍ، ﻭﻋﺮﻑ ﻣﺠﺘﻤﻌﻬﻢ ﺍﻟﺴﺘﻴﻨﻲ ﺑﻜﻞ ﺷﺮﺍﺋﺤﻪ ﻋﻦ ﻗﺮﺏ، ﻭﻋﺎﻟﺞ ﻣﺮﺿﺎﻫﻢ ﺑﻤﻬﺎﺭﺓ ﻭﺍﻗﺘﺪﺍﺭ، ﻭﺃﺩﻯ ﻋﻤﻠﻪ ﺍﻹﻧﺴﺎﻧﻲ ﺑﻨﺒﻞ ﻭﺇﺧﻼﺹ، ﻓﺘﻤﺘﻊ ﺑﺸﻌﺒﻴﺔ ﻭﺟﻤﺎﻫﻴﺮﻳﺔ ﻟﻢ ﻳﺴﺒﻘﻪ ﺇﻟﻴﻬﺎ ﺃﺣﺪ ﻣﻦ ﺍﻷﻃﺒﺎﺀ ﺍﻷﺟﺎﻧﺐ. ﻭﻣﻦ ﺣﺴﻦ ﺣﻈﻨﺎ ﺃﻥ ﺗﺮﺑﻨﻴﻜﻮﻑ ﺣﻴﻨﻤﺎ ﻋﺎﺩ ﺇﻟﻰ ﺑﻼﺩﻩ ﻭﺿﻊ ﻛﺘﺎﺑﺎ ﺑﺎﻟﺮﻭﺳﻴﺔ ﺗﺤﺖ ﻋﻨﻮﺍﻥ »ﺛﻼﺙ ﺳﻨﻮﺍﺕ ﻓﻲ ﺍﻟﻜﻮﻳﺖ«، ﺿﻤﻨﻪ ﺫﻛﺮﻳﺎﺗﻪ ﻓﻲ ﺍﻟﻜﻮﻳﺖ ﻭﺍﻟﻤﺸﺎﻫﺪ ﻭﺍﻟﻌﻼﻗﺎﺕ ﻭﺍﻟﻈﺮﻭﻑ ﺍﻟﺘﻲ ﻭﺍﻛﺒﺖ ﻋﻤﻠﻪ ﻫﻨﺎﻙ ﻣﺎ ﺑﻴﻦ ﻋﺎﻣﻲ ٠٧٩١ ﻭ٣٧٩١، ﻭﺻﺪﺭ ﺍﻟﻜﺘﺎﺏ ﻓﻲ ٥٧٩١ ﻋﻦ ﺩﺍﺭ ﻧﺸﺮ »ﻧﺎﻭﻭﻛﺎ« ﺑﻤﻮﺳﻜﻮ، ﺗﺤﺖ ﺇﺷﺮﺍﻑ ﺍﻟﻤﻌﻬﺪ ﺍﻟﻌﺎﻟﻲ ﻟﻼﺳﺘﺸﺮﺍﻕ ﺑﺄﻛﺎﺩﻳﻤﻴﺔ ﺍﻟﻌﻠﻮﻡ ﺍﻟﺮﻭﺳﻴﺔ.

وحسنا فعل مركز البحوث والدراسات الكويتية حينما أوكل إلى اثنني من الباحثني الكويتيني (الدكتور ناصر محمد الكندري، والدكتور محمد عيسى األنصاري) مهمة ترجمة الكتاب من الروسية إلى العربية، وذلك من باب توثيق كل ما يتعلق بتاريخ ومجتمع الكويت وبدايات نهضتها. وقبل أن نخوض في ذكريات الرجل في الكويت وكيفية وصوله إليها، لنلقي نـظـرة مختصرة على سيرته. بعد حصوله على دكــتــوراه العلوم الطبية انضم تروبنيكوف، املولود عام 1924 املتوفى عام ،1995 إلى مؤسسة خاركوف الطبية سنة ،1962 واشتهر فيها كمسؤول نقابي ومـدرس وعالم إكلينيكي، وســرعــان مـا تـــرأس قسم جـراحـة الـعـظـام وعلم الــجــروح والــرضــوض والــجــراحــة العسكرية املـيـدانـيـة في املعهد العالي للطب في مدينة خـاركـوف األوكـرانـيـة، كما تولى منصب نائب رئيس تحرير مجلة «جـراحـة العظام وعــلــم الــجــروح والـــرضـــوض وجــراحــة تـعـويـض األعضاء املــفــقــودة» لعموم االتــحــاد السوفيتي، الـتـي كـانـت تصدر مــن مـديـنـة خــاركــوف، وأصــــدر ثمانية مـؤلـفـات فــي مجال تخصصه الطبي.

صحراء األثرياء

يقول تروبنيكوف إن اهتمامه بالكويت بـدأ قبل وصوله إليها بزمن من خالل ما كان يقرأه أحيانا من مقاالت عنها فـي الصحف واملـجـالت حــول ضآلة مساحتها وقلة سكانها في مقابل ثرائها الفاحش املتأتي من ثروتها النفطية. لكنه يعترف أن تلك املعلومات كانت عمومية ومبتورة وال تعكس الحال بصورة دقيقة. وككل األجانب الذين وضعوا مؤلفات عن منطقتنا كـان غرضها األول تعريف مواطنيهم بها، بدأ الــبــروفــيــســور كــتــابــه بــعــرض مـفـصـل عــن جــغــرافــيــة الكويت وتاريخها وعالقتها القديمة مع بريطانيا ومراحل اكتشاف الـنـفـط بـهـا وشـــيء مــن عــــادات وتـقـالـيـد شعبها وصـــوال إلى الحديث عن برامجها التنموية وعالقاتها مع املجتمع الدولي في أعقاب استقاللها الـذي أطلق يدها في استثمار مواردها لخير شعبها وشعوب األقطار املجاورة األكثر فقرا من خالل الــصــنــاديــق اإلنــمــائــيــة. ومـــا بــني هـــذا وذاك يـتـوقـف الطبيب السوفيتي لسرد بعض الحكايات واملفارقات التي حدثت له وهـو يــؤدي دوره في تخفيف آالم ومعاناة أنــاس كثر كانوا يـشـتـكـون مــن أمــــراض الــعــظــام مــن تـلـك الــتــي تطلبت تدخال جراحيا سريعا، أو وهـو يجاهد من أجـل التأقلم مع ظروف الكويت املناخية الحارة والرطبة املختلفة كليا عن مناخ بالده الــقــارس الــبــرودة، أو وهــو يسابق الـزمـن فـي فحص 60 ـــ 70 مريضا يوميا ما بني السابعة صباحا والـواحـدة أو الثانية بعد الظهر. يقول تروبنيكوف «ليس هناك ركـن في الكويت لـم أزره، وأحيانا أكثر مـن مــرة. وقــد كــان سبب الـرحـالت إلى املــنــاطــق الـنـائـيـة فــي الــبــالد فــي عـــدد مــن الــحــاالت الضرورة املهنية (تقديم املساعدة الطبية العاجلة في محل إقامة ساكني الصحراء)، وأحيانا كانت تحمل طابعا معرفيا بحتا، وفي بعض األحيان كان إجابة دعوة البدو املضيافني والذهاب إلى محل إقامتهم في الصحراء» (ص .)14 وفي موضع آخر من كتابه 74ص( )76و يتحدث تروبنيكوف عن أحد وكالء وزارة الصحة الكويتية، وهو برجس حمود البرجس، الذي وصفه بصاحب العالقات الطيبة «ببالدنا وبنا نحن الروس»، والذي «عمل الكثير من أجل أن يكون عملي في الكويت أكثر إنتاجا، وأن تكون إقامتي في الكويت مريحة للغاية».

املهمةاملفاجئة

يروي املؤلف في الفصل األول من كتابه (الصفحات 59 ــ )246 قصة سفره إلى الكويت وما سبقها من استعدادات، وأسباب وقوع االختيار عليه شخصيا، فيقول إن موضوع السفر عرض عليه فجأة في ربيع ،1969 إذ تم إيقاف عمله في مستشفى خــاركــوف، واســتــدعــاؤه على عجل إلــى موسكو مـن قبل أحد وكالء وزارة الصحة السوفيتية الذي طالبه بسرعة ترتيب نفسه للسفر إلى الكويت ألن حكومتها تلح بضرورة إرسال أخصائي عظام ذي مؤهل عال للعمل في مستشفياتها. ويضيف أن أول شيء فكر فيه حينها هو تعلم اإلنجليزية التي لم يكن يجيدها وذلك من باب التفاهم مع مرضاه املقبلني. ويشرح أسباب جهله بهذه اللغة العاملية بالقول «إن مستوى تعليم اللغات األجنبية في املــدارس اإلعـداديـة والثانوية (السوفيتية) سيئ». وعليه التحق ملــدة قصيرة دون انقطاع بقسم اللغات األجنبية في املعهد العالي للطب بمدينة خاركوف، ثم تم إرساله ملدة خمسة أشهر إلى املعهد العالي لتطوير مستوى األطباء بمدينة كييف لدراسة اإلنجليزية بصورة مكثفة، لكن قبل انتهاء كورسات اللغة بشهر استدعي إلى موسكو إلنهاء إجــراءات السفر مثل استصدار الوثائق الرسمية وخالفها، فانتهز فرصة وجوده فــي مــوســكــو لـلـحـصـول عــلــى مــعــلــومــات مـفـصـلـة عــن أحوال وظروف ومناخ البلد الذي سيقيم به مدة علمها عند الله. وفي هذا السياق يخبرنا أنه زار املعاهد العليا في موسكو من تلك املختصة بدراسة األمراض في الدول األجنبية والسيما الدول ذات املناخ الحار، فأخبروه ملا سأل عن الكويت أنها تخلو من األمراض لكنها معرضة ملرض الكوليرا.

تطعيماتالكوليرا

ولهذا - يقول تروبنيكوف - إنه أخذ تطعيمات ضد الجدري والكوليرا من باب الوقاية، كما أنه اقتنى كميات كبيرة من املالبس القطنية عمال بنصيحة أحـد معاهد موسكو الذي أخبره بأن طقس الكويت يتميز بدرجة حرارة عالية ونسبة رطـوبـة مرتفعة فـي فصل الصيف. السفر جــوا مـن موسكو إلـــى الــكــويــت فــي بــدايــة السبعينات لــم يـكـن سـهـال كـمـا هو اآلن، ولهذا كان على تروبنيكوف وزوجته أن يقلعا أوال من موسكو إلـى بغداد عبر دمشق بواسطة طائرة من طائرات خطوط إيرفلوت السوفيتية، وأن ينتظرا لبعض الوقت في بغداد ريثما يجدان وسيلة تنقلهما إلى البصرة ومنها برا إلى الكويت عبر مدينة الفاو. املهم أن الطبيب وعقيلته وصال إلى الكويت في 12 مارس 1970 بعد رحلة مضنية لكنها في الوقت نفسه كانت ممتعة ألنهما تعرفا ألول مرة على بغداد التي لم يكونا يعرفان عنها إال أنها مدينة «ألف ليلة وليلة». ورغـــم أن درجـــة الــحــرارة فــي الـكـويـت يــوم وصولهما إليها كانت 30 درجــة مئوية فإنها بالنسبة لهما كانت ال تطاق بعد صقيع موسكو. عالوة على الطقس الحار الرطب عانى الـطـبـيـب فــي بــدايــة عمله بـالـكـويـت مــن الــضــغــوط النفسية والكآبة بسبب انقطاعه عن أصدقائه ونمط حياته املعتاد في بالده، واإلجهاد املتأتي من عمله الدائم في املستشفى حتى ساعات متأخرة من الليل، ناهيك عن رؤيته لحاالت مؤملة وحرجة ملرضى كان عليه معالجتهم دون تقصير أو أخطاء كــي ال تـتـأثـر سمعة الــطــب السوفييتي ومــدرســة خاركوف لألطباء، بحسب قوله. غير أن تروبنيكوف سرعان ما تأقلم مــع حـيـاتـه الــجــديــدة، خـصـوصـا بـعـدمـا تـعـرف عـلـى بعض األصدقاء من الكويتيني، ومن مواطنيه العاملني بالسفارة السوفيتية في الكويت، بل تأقلم أيضا مع ظــروف الكويت املناخية إلى درجة أنه راح يقوم برحالت صيد برية في عمق الصحراء دون خوف أو تذمر.

أحد شوارع الكويت في الستينات.

تروبنيكوف في مراحل عمرية مختلفة.

قراءة: د. عبداهلل المدني أستاذ العالقات الدولية مملكة البحرين

Newspapers in Arabic

Newspapers from Saudi Arabia

© PressReader. All rights reserved.