Emarat Al Youm

لندن لم تعد هنا

- د. بروين حبيب @DrParweenH­abib1

«هنا لندن.. سيّداتي سادتي، نحن نذيع اليوم من لندن باللغة العربية للمرة الأولى في التاريخ» كان ذلك قبل 85 عاماً، صدح بهذه الجملة المذيع المصري أحمد سرور فصيّته نجماً في الأربعينات من القرن الماضي لينتهي به المطاف نزيل مستشفى الأمراض العقلية لمدة أربع سنوات.

لكن جملته الشهية بقيت شعاراً لإعلام أصبح مدرسة تناهبت نجومها القنوات التلفزيوني­ة الإخبارية، بداية ظهورها في التسعينات. فالقسم العربي في هيئة الإذاعة البريطانية أو «بي بي سي» أو إذاعة لندن كما عرفت اختصاراً، التي أنشئت ردّ فعل على «راديو باري» الممول من الحكومة الإيطالية الفاشية يومذاك، جعلت كل بيت عربي يقتني راديو ليضبط ساعته على الدقات الشهية لساعة «بيغ بن»، متبوعة باللازمة المهَيبة «هنا لندن»، لتفتح أعيننا أصوات مذيعيها الفخمة على ما يجري عندنا وفي العالم، بلغة عربية فصيحة رفعت المستمع العربي إليها عوض أن تنزل إليه، ففي الوقت الذي كانت تُسمع فيه في الأرياف ومن الأميّين لم يشتك أحد نخبويتها، ولا أعرض عنها رغم اشتعال المنافسة فيما بعد من إذاعة مونت كارلو وفرنسا الدولية وصوت أميكا، ولكن.. ما الحبّ إلا للحبيب اللندني.

رافقتني هذه الإذاعة صغيةً، وأثرت في تكويني المهني كبية، ففي حين كان الرجال يتسمرون أمام أخبارها أو يقطفون الفوائد من ندوة مستمعيها، كان برنامج «ذاكرة إذاعة» رافداً مهماً لذائقتي الشعرية في سنوات التكوين الأولى بما كان يستعيده من حلقات «قول على قول» للأديب حسن الكرمي، وكانت التمثيليات الدرامية التي أشرف عليها صاحب «موسم الهجرة إلى الشمال» الروائي الطيب صالح تأخذ بيدي إلى تخوم الحلم بأصوات ممثلين أصبحوا رواد السينما العربية. أما برنامج «صندوق النغم» من تقديم الإذاعية ناهد نجار فكان يحملني على أجنحة الموسيقى بأصوات مطربي الزمن الجميل على امتداد عالمنا العربي

حين زرت مقر «بي بي سي» سنة 1996 رفقة الإعلامية السعودية هدى الرشيد وكانت أول صوت نسائي عربي صدح فيها، أحسست أني «أليس في بلاد العجائب»، هنا المدرسة التي تألق فيها رشاد رمضان وسلوى الجراح ومحمود المسلمي ومديحة المدفعي وعشرات الأصوات التي سحرتني بمهنيتها يوم كنت مذيعة أخبار في تلفزيون البحرين في بداية التسعينات.

هزم نقصُ التمويل وتغوُّل وسائل التواصل القسم العربي بهيئة الإذاعة البريطانية، لكن الكثي منا حين يصِفُ نفسه، سيقول: أنا من جيل «هنا لندن.»

هزم نقصُ التمويل وتغوُّل وسائل التواصل القسم العربي بهيئة الإذاعة البريطانية، لكن الكثي منا حين يصِفُ نفسه، سيقول: أنا من جيل «هنا لندن.»

 ?? ??

Newspapers in Arabic

Newspapers from United Arab Emirates