مقدمة المحرر

Future Studies - - دراسات المستقبل -

يف بدايــة انتشــار اإلنرتنــت يف التســعيني­ات مــن القــرن املــايض وبدايــة األلفيــة الثانيــة ظهــرت بعـض القوانـن والترشيعـا­ت التـي تحمـي بيانـات األفـراد املسـتخدمة عـر اإلنرتنـت، وقـد اتسـمت بيانـات األفـراد يف هـذه الفـرتة بكونهـا محـدودة وقليلـة للغايـة وتقتـر عـى االسـم والصـورة ورقـم الهاتـف، لكـن مـع التطـورات التكنولوجي­ـة املسـتمرة وزيـادة اعتـاد األفـراد عـى اإلنرتنـت والتقنيـات الذكيـة املختلفـة يف حياتهـم اليوميـة كالهواتـف الذكيـة وأجهزة إنرتنت األشـياء واملسـاعدا­ت الشـخصية واألجهـزة التـي تعمـل باألوامـر الصوتيـة، زاد حجـم ونـوع البيانـات الشـخصية التـي ميكـن الحصـول عليهـا عـر اإلنرتنـت.

ومتتـد هـذه البيانـات لتشـمل بيانـات األفـراد الحيويـة، مثـل بصمـة العـن والوجـه واليـد والبصمـة الوراثي ،)DNA(ةـ فض ـاً ع ـن البيان ـات الصحي ـة كالط ـول وال ـوزن ومع ـدل رضب ـات القل ـب ونس ـبة السـكر يف الـدم ومعـدل الحركـة اليوميـة ونسـبة حـرق الدهـون والحالـة املرضيـة للمسـتخدم بصـورة عامـة، هـذا خافـاً عـن املوقـع الجغـرايف الحـايل ومـكان العمـل واإلقامـة وأي أماكـن أخـرى يـرتدد عليهـا، والعديـد مـن املعلومـات الشـخصية األخـرى، مثل نوعيـة األطعمة واملرشوبـا­ت واملابـس واألفام والكتـب واملوسـيقي التـي يفضلهـا املسـتخدم وسـجل مشـرتياته كامـاً عـر اإلنرتنـت، ومواعيـد عملـه ونومـه وغذائـه، وتحديـد شـبكة أصدقائـه وأفـراد عائلتـه، وإن أردت اإليجـاز فقـل إن األجهـزة الذكيـة تعلـم عـن اإلنسـان أكـر مـا يعلـم هـو عـن نفسـه.

وتكمـن الخطـورة يف أن البيانـات هـي أسـاس العـامل الرقمـي الحـايل، وجمعهـا رضوري للـرشكات بهـدف تحسـن الخدمـات التـي تقدمهـا لعمائهـا، سـواء خدمـات البحـث عـن التفضيـات أو خدمـة اإلعانـات أو ترشـيحات األخبـار والكتـب واألفـام وخافـه، فضـاً عـن كونهـا البنية األساسـية لتطوير نظـم الـذكاء االصطناعـي وتعلـم اآلالت والسـيارات ذاتيـة القيـادة وغريهـا، فهـي تحتـاج كميـات كبرية مـن البيانـات العماقـة لـي تتعلم القيـام بوظائفهـا، فالبيانات هي أسـاس عمليـة التطـور التكنولوجي وهـي الوحـدة لبنـاء الثـورة الصناعيـة الرابعة.

إال أن عمليـة الحافـظ عـى هـذه البيانـات من إسـاءة االسـتخدام هـو التحـدي الرئييس الـذي يواجه املسـتخدمن كافـة لألجهـزة الذكيـة، سـواء الحفـاظ عليها من االخـرتاق والقرصنة وإسـاءة اسـتخدامها مـن قبـل املجرمـن الـذي يسـتطيعون رسقـة البيانـات الحيويـة لألفـراد مـن األجهـزة الذكيـة وانتحال شـخصياتهم الحقيقـة يف القيـام بأعـال إجراميـة، أو الحفـاظ عليهـا مـن إسـاءة اسـتخدام رشكات التكنولوجي­ـة لهـذه املعلومـات لتحقيـق مكاسـب ماليـة أو سياسـية عى حسـاب خصوصية املسـتخدمن.

ويتضـح االسـتغال املـايل لهـذه البيانـات يف تحقيـق عوائـد ماليـة مـن اإلعانـات التـي تقدمهـا هـذه الـرشكات، أو يف تطويـر منتجـات ذكيـة اسـتهاكية السـتمرار تحقيـق الريـادة يف سـوق األجهـزة الذكيـة، وهـو مـا يدفـع للتسـاؤل عـن حـق املسـتخدم يف هـذه العوائـد واملكاسـب املاليـة العماقـة، وذلــك بافــرتاض أن األفــراد موافقــون عــى اســتخدام بياناتهــم مــن األســاس، وملــاذا ال يحصلــون عـى األجهـزة الذكيـة واملسـاعدا­ت الصوتيـة الشـخصية، مثـل “مسـاعد جوجـل” ‪)Google Assistant(‬ أو إليكسـا التابعـة ألمـازون باملجـان، فهـذه األجهـزة تقـوم مثـاً بإجـراء حجـوزات لـدى العديـد مـن الجهـات لصالـح األفـراد كموعـد عنـد الطبيـب أو الحاق أو يف السـينا، وهـؤالء يدفعـون لجوجل لي تقدمهـم يف ترشـيحات اإلعانـات عـر اإلنرتنـت أو عـر املسـاعد الشـخيص، وتحقـق جوجـل منفـردة العوائـد الكبـرية، مـن دون النظـر إىل حـق األفـراد يف االسـتفادة مـن بياناتهـم الشـخصية.

ويتضـح االسـتغال السـيايس للبيانـات فيـا كشـفت عنـه فضيحـة رشكـة كامريـدج أناليتيـكا، حيـث عم ـدت ه ـذه الرشك ـة إىل اس ـتخدام بيان ـات األف ـراد الش ـخصية ع ـى موق ـع الفي ـس ب ـوك ودراس ـة اهتاماتهـم وتوجهاتهـم يف التأثـري عـى العمليـة الدميقراطي­ـة وتغيـري توجهـات الناخبـن، سـواء كان

ذلـك عـر االسـتفتاء يف بريطانيـا عـى الخـروج مـن االتحـاد األورويب أو أثنـاء االنتخابـا­ت الرئاسـية األمريكيـة عـام .2016

ومـن األمثلـة عـى التوظيـف السـيايس للبيانـات قيـام العديـد مـن املتظاهريـ­ن يف هونـج كونـج واملعرتضـن عـى اعتـزام الحكومـة إقـرار مـرشوع قانون يسـمح لسـلطات اإلقليم بتسـليم املشـتبه بهم واملطلوبـن إىل الصـن ملحاكمتهـم هنـاك، بتحطيـم كامـريات املراقبة والتعـرف عى الوجوه هنـاك، أو ارتـداء اقنعـة أو اسـتخدام مظـات شـخصية متنـع الكامـريات مـن التعـرف عـى هـؤالء األفراد خشـية ماحقتهـم مـن قبل السـلطات.

وقـد اتجهـت العديـد مـن دول العـامل مؤخـراً إلصـدار قوانن تنظـم عملية اسـتخدام وتـداول وحفظ هـذه البيانـات، فأصـدر االتحـاد األورويب “الائحـة العامـة لحايـة البيانـات” املعروفـة اختصـارا بــ )GDPR( يف نهايـة مايـو عـام ،2018 ويف يوليـو 2018 أقـرت واليـة كاليفورنيـ­ا قانونـا لحايـة بيانات األفـراد، مبـا ميهـد ملوجـة ترشيعيـة متثـل بدايـة حقيقيـة لتقييـد حريـة الـرشكات يف إسـاءة اسـتخدام بيانات املســتخدم­ن.

وقـد حـان الوقـت للحديـث عـن حـق اإلنسـان يف الحصـول عـى البيانـات الشـخصية مـن هـذه الــرشكات، والحــق أيضــاً يف النســيان ‪)The Right To Be Forgotten(‬ أي أن يتــم محــو الســجل الشـخيص الرقمـي كامـاً، وكذلـك الحـق يف املشـاركة يف الربـح والعائـد املـادي الناجـم عـن االنتفـاع بهـذه البيانـات.

ومــن هنــا، تحــاول هــذه الدراســة إلقــاء الضــوء عــى املفهــوم الواســع الخــرتاق الخصوصيــة أو االنكشـاف السـيراين، وقـد رسـمت الدراسـة مامـح وخصائـص هـذا املجتمـع يف عـدة أركان رئيسـية منهـا تطـور تقنيـات جمـع املعلومـات وظهـور أنـواع جديـدة مـن املعلومـات وانتشـار تحليـل البيانـات الضخمـة وتقنيـات متييـز الهويـات الشـخصية وظهـور الجـدل حول ملكيـة البيانـات والوعـي مبفاهيم استغالها.

كـا حللـت أيضـا التغـريات الجوهريـة التـي طـرأت عـى خصوصيـة األفـراد وجعلتهـا أكر انكشـافاً وعرضـة إلسـاءة االسـتغال، والتـي حددتهـا الدراسـة يف انتشـار الهواتـف الذكيـة، ووسـائل التواصـل االجتاعـي، وتطبيقـات الطـرف الثالـث، وتقنيـات الـذكاء االصطناعـي، وإنرتنـت األشـياء، والحوسـبة السـحابية والحوسـبة الكميـة، وبرمجيـات القرصنـة واالخـرتاق، والـرشكات املـزودة لخدمـات اإلنرتنـت.

ويف النهايــة حاولــت الدراســة أن تســتعرض اتجاهــات مقاومــة االنكشــاف الســيراين واخــرتاق الخصوصيـة، وذلـك عـر أربـع طـرق رئيسـية تقنّيـة، وترشيعيـة، وحكوميـة، ودوليـة، تتمثـل يف تطويـر تقنيـات تسـاعد يف حايـة الخصوصيـة الشـخصية أو عـر الطـرق واألسـاليب القانونيـة والترشيعية أو مـن خـال تطبيـق مفهـوم حوكمـة البيانـات ‪)Data Governance(‬ الـذي يعنـى بوضـع نظـام لعمليات صناعـة القـرار واملحاسـبة للعمليـات القامئـة عـى املعلومـات.

ولقـد قامـت بإعـداد هـذه الدراسـة د.فاطمـة الزهـراء عبدالفتـاح، مـدرس الصحافـة وتكنولوجيـ­ا االتصـال بكليـة اإلعـام جامعـة األهـرام الكنديـة، حيـث حصلـت عـى درجتـي املاجسـتري والدكتـورا­ه مـن جامعـة القاهـرة، ولهـا أكـر مـن عرشيـن كتابـاً وورقـة بحثيـة يف مجـال التكنولوجي­ـا واإلعـام الرقمـي وتأثرياتهـ­ا السياسـية واألمنيـة واملجتمعيـ­ة. وعـى مـدار عـرش سـنوات، أسسـت وأدارت مركـز املـري للدراسـات واملعلومـا­ت، كـا عملـت مديـراً لتحريـر مجلـة “شـؤون خليجيـة” العلميـة املحكمة، فضـاً عـن تقدميهـا استشـارات بحثيـة وتدريبية للعديـد من املؤسسـات الدوليـة والعربيـة، مثل منظمة األمـم املتحـدة للرتبيـة والعلـوم والثقافـة (اليونسـكو) وجامعـة الـدول العربيـة ومؤسسـة الصـوت الحر الهولنديـة والجامعـة األمريكيـة بالقاهرة.

أ.إيهاب خليفة

رئيس وحدة التطورات التكنولوجي­ة - المستقبل لألبحاث والدراسات المتقدمة، أبوظبي

Newspapers in Arabic

Newspapers from UAE

© PressReader. All rights reserved.