جهاد الممكن:

أسباب لجوء التنظيمات الإرهابية إلى الإرهاب غير المنظم

Trending Events - Future Concepts - - ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ مفاهيم المستقبل -

شهدت العديد من دول العالم، خاصة الدول الأوروبية، خلال العامين الأخيرين، تنامياً واضحاً في عدد العمليات الإرهابية التي قام بها ذئاب منفردة ينتمون إلى التنظيمات الإسلامية المتطرفة ك"داعش" أو القاعدة. وقد امتازت هذه العمليات بأن القائمين عليها لجؤوا إلى استخدام وسائل غير تقليدية في تنفيذ عملياتهم، معتمدين على الإمكانيات المتاحة لديهم، من أجل قتل شخص أو مجموعة من الأشخاص، بطريقة غير متوقعة، مما يجعل من الصعب التنبؤ بمثل هذه العمليات، وهو ما يمكن أن نطلق عليه مجازاً "جهاد الممكن".

وقد لقي هذا التوجه قبولاً لدى العديد من الأشخاص الذين ينتمون فكرياً إلى التنظيمات الإرهابية، نظراً لسهولة تحقيقه وتوفر أدواته، الأمر الذي أصبح يطرح العديد من التساؤلات حول الفلسفة التي يستند إليها، والمرتكزات الشرعية التي يقوم عليها هذا المفهوم، من وجهة نظر التيارات الإرهابية التي تتبنى هذا النوع من العنف وتدعو إليه، ولكن قبل الشروع في هذا سيتم إلقاء الضوء على الإرهاب الفردي في كتابات التنظيمات الإسلامية المتطرفة، كالقاعدة، و"داعش"، نظراً لأن "جهاد الممكن" موجه بصورة أساسية إلى الذئاب المنفردة، وليس التنظيمات الإرهابية أو الخلايا الصغيرة.

اأولً: تبني نمط الإرهاب الفردي

بدأت الجماعات الإسلامية المتطرفة في تبني نمط الإرهاب الفردي في أواخر التسعينيات من القرن الماضي، مع كتابات أبو مصعب السوري، والذي يعد "مهندس الجهاد العالمي"، والذي أشار إلى

ضرورة تبني التنظيمات الإرهابية أسلوب اللامركزية، وذلك من خلال تبني نمط الإرهاب الفردي.

ويرى أبو مصعب السوري أن القيام بعمليات الإرهاب الفردي، سوف تساعد على رفع معنويات المجاهدين، ولكنها لن تحقق أي نتائج سياسية مفيدة، طالما أنها لم ترتبط عقائدياً، وعلى مستوى الأهداف بالتنظيم الإرهابي، ولذلك طالب الجهاديون بالانفصال عن الجماعات الجهادية تنظيمياً، مع الارتباط بأفكارها وأهدافها حتى تتحقق الأهداف السياسية المتوخاة منها) .)

1

وقام أبو مصعب السوري بتحديد عدد من الأهداف المقترحة لاستهدافها من خلال عمليات الإرهاب المنفرد في الولايات المتحدة، وفي الدول المتحالفة معها، وتتمثل في الأهداف الاقتصادية والاستراتيجية )خاصة البنية التحتية(، والقواعد العسكرية، والشخصيات العامة، خاصة السياسيين والإعلاميين، والمسؤولين الحكوميين، وأخيراً المدنيين، وذلك من خلال استهدافهم بعمليات إرهابية تسقط أكبر عدد ممكن منهم)2.)

ومن الملحوظ أن أسامة بن لادن، زعيم تنظيم القاعدة السابق، قد أصدر فتوى في عام 1998، أكد فيها أن قتل الأمريكان وحلفائهم، من المدنيين والعسكريين، واجب فردي على كل مسلم قادر في أي دولة، إذا ما سنحت له الظروف)3.)

وقد تبنى تنظيم القاعدة هذا الأسلوب بدءاً من عام 2003، وذلك من خلال مجلته الإلكترونية الناطقة بالعربية "معسكر البتار"، كما تم أخذ أجزاء من كتابات أبو مصعب السوري، وتمت ترجمتها إلى اللغة الإنجليزية، وإصدارها في مجلة "لإلهام" Inspire(،)

والذي كان يصدرها أنور العولقي، اليمني – الأمريكي، القيادي في تنظيم القاعدة في جزيرة العرب. وقد كانت المجلة تصدر عن مؤسسة الملاحم الإعلامية التابعة لتنظيم القاعدة في جزيرة العرب، ومثلت مصدر إلهام للعديد من الذئاب المنفردة في الغرب، ومنهم الأخوان تسارنيف اللذان قاما بتنفيذ تفجير ماراثون بوسطن الإرهابي في 15 أبريل 2013.

وقد تبنى "داعش" الأسلوب والتكتيك نفسيهما من خلال إصدار كتيب باللغة الإنجليزية في 18 أكتوبر 2015، بعنوان: "توجيهات الأمن والسلامة للمجاهدين من الذئاب المنفردة" ‪Safety & Security Guidelines for Lone Wolf(‬ Mujahideen،) والذي يحث ليس فقط على ارتكاب عمليات إرهابية فردية، ولكنه يدعوهم كذلك إلى أخذ الحيطة والحذر للبقاء أحياء لتنفيذ المزيد من عمليات الإرهاب المنفرد) (، ولذلك فإن

4 كتيب "داعش" يركز على كيفية تصميم خطة للهرب بعد تنفيذ العملية، بقدر تركيزه على التخطيط لشن العملية الإرهابية، وهو ما يختلف عن تنظيم القاعدة، والذي كان تركيزه الأساسي على تنفيذ العملية الإرهابية، ولكن في النهاية، فإن لجوء التنظيمين إلى نمط الإرهاب الفردي ضد الولايات المتحدة، يرجع بصورة أساسية إلى إدراكهما صعوبة نجاح الأجهزة الأمنية في كشف هذا النمط من الإرهاب قبل تنفيذه.

ثانياً: تعريف «جهاد الممكن»

يتضح مما سبق، أن التنظيمات الإرهابية كالقاعدة و"داعش" قد تبنت نمط الإرهاب الفردي، وأصدرت عدداً من الكتيبات لشرح كيفية القيام به، والاحتياطات التي يجب اتباعها، غير أن تنظيم "داعش" قد خطا خطوة إضافية، ودعا إلى ما يمكن تسميته "جهاد الممكن".

ويمكن تعريف "جهاد الممكن" بأنه "ذلك النوع من العنف الذي يمارسه بعض المتطرفين، تحت شعار "الجهاد بالنفس" في سبيل اله، والذي يهدف إلى القتل وإحداث أكبر قدر من الأضرار البشرية والمادية في الآخرين، عبر استخدام كل الوسائل المتاحة لديهم"، لذا فإن هذا النوع من العنف يقوم بصفة أساسية على تحقيق هدف القتل من دون التقيد بشروط الجهاد المعروفة في كتب الفقه والشريعة، حتى تلك الشروط التي تتبناها التنظيمات الإرهابية.

ويعد هذا النوع من "الجهاد" – مجازاً – شكلاً متفرداً من أشكال الجهاد المعروفة عند التنظيمات الإرهابية، نظراً لاختلافه بشكل كبير عن مفهوم "الجهاد التقليدي" الذي يحتاج إلى الإعداد الجيد، وتجميع الصفوف، وتحديد الهدف، أما "جهاد الممكن" فيعتمد بشكل أساسي على تحقيق هدف القتل من دون الالتفات إلى المفاسد والمصالح المترتبة على ذلك القتل.

وتعد الرسالة الصوتية التي أطلقها أبو محمد العدناني للمتعاطفين مع "داعش" حول العالم – والتي بثها "التنظيم" في

22 مايو 2016 – دستوراً لما يسمى ب "جهاد الممكن"، حيث صرح في رسالته قائلاً: "ابذل جهدك في قتل أي أمريكي أو فرنسي، أو أي من حلفائهم، فإن عجزت عن العبوة أو الرصاصة، فاستفرد بالكافر وأرضخه بحجر، أو أنحره بسكين، أو اقذفه من شاهق، أو ادهسه بسيارة")5.)

وتلخص هذه الرسالة فكرة "جهاد الممكن" عند تنظيم "داعش"، حيث حددت هذه الرسالة أبسط الوسائل التي يمكن استخدامها في القتل، مثل الحجارة والسكاكين أو الإلقاء من فوق جبل، وما شابه ذلك، كما أن هذا لا ينفي إمكانية استخدام الوسائل الأخرى، الأكثر فتكاً، مثل العبوات الناسفة أو المسدسات، إذا ما امتلك الفرد الخبرة اللازمة لذلك.

ومن جهة ثانية، فإن هذه الرسالة تعدد الطرق والأدوات البسيطة التي يمكن أن يستخدمها الإرهابي في القتل، على سبيل المثال لا الحصر، فهي تفتح الباب للقتل أمام كل من يعتنق فكر "التنظيم"، بأي وسيلة يقدر عليها الشخص وتكون في مقدوره، مثل دفع شخص أمام القطار على حين غفلة أو وضع السم له في الطعام أو الشراب، أو ما شابه ذلك من وسائل القتل.

ويختلف مفهوم "جهاد الممكن" عن "الجهاد" التقليدي الذي يعتمد بشكل رئيسي على وجود الإذن من "ولى الأمر )الأمير( عند التنظيمات الإرهابية، وهو ما يسمى في الأدبيات الجهادية ب "التكليف بالجهاد"، أما في حالة جهاد الممكن، فإنه لا يشترط هذا الأمر، وإنما يُكتفي فيه بتلبية النداءات العامة للتنظيمات التي ينتمون إليها، كما يفعل مناصري "داعش" حول العالم، خاصة في الدول الأوروبية.

ثالثاً: المنطلقات ال�شرعية لجهاد الممكن

على الرغم من محدودية الضرر المترتب على "جهاد الممكن"، خاصة إذا كان القائمون عليه لا يتمتعون بأي خبرة قتالية، فإنه لا يزال هناك إقبال من قبل المتعاطفين مع التنظيم على القيام به، وهو ما وضح في قيام لاجئ أفغاني )17 عاماً( في يوليو 2016، بمهاجمة مسافرين في قطار باستخدام فأس وسكين في ولاية بافاريا جنوب ألمانيا، وأصاب أربعة بإصابات بالغة قبل أن تقتله الشرطة بالرصاص) (، أو الهجوم الذي نفذه مسلحان، أعلنا

6 ولاءهما ل"داعش"، على كنيسة بمدينة روان، شمال فرنسا، وقاما بذبح قسيس في آخر شهر يوليو كذلك) (، وهو الأمر الذي يدفع إلى

7 البحث عن المنطلقات الفكرية التي يعتمد عليها من يعتنق "جهاد الممكن"، والتي من أهمها:

1- وجوب "جهاد الممكن": إذ إن الأشخاص الذين يقومون بعمليات القتل انطلاقاً من مفهوم "جهاد الممكن"، يعتقدون اعتقاداً جازماً بوجوبه، وأنه فريضة يجب أداؤها، ويستند هؤلاء إلى مجموعة من الأدلة، منها على سبيل المثال قوله تعالى ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لَِِّ﴾ )سورة الأنفال الآية 39،) إضافة إلى عدد من الأحاديث النبوية الشريفة، منها على سبيل

المثال "أفضل الأعمال الجهاد في سبيل اله" )رواه مسلم(، وغيرها من الأدلة، حتى وصل الأمر عند هؤلاء إلى الاعتقاد بوجوب القيام بهذه العمليات حتى ولو لم يتحقق أي هدف من ورائها، إذ إنها صارت، من وجهة نظرهم، فرضاً عليهم، من باب أن القتال الدائم هو تحقيق لفريضة الجهاد)8.)

3- القتل المُيسّر: من الاعتبارات العامة التي وضعتها التنظيمات الإرهابية لتحريض أتباعها على العنف تحت شعار "جهاد الممكن"، هي القدرة على القتل بأي وسيلة متاحة، لأنه لن يعدم إنسان إيجاد وسيلة ليقتل إنساناً آخر، مثل القتل بالسكين، أو دفع الشخص أمام أحد القطارات، وإلقائه من فوق جبل أو بنيان عالٍ، أو الدهس بالسيارة، أو غيرها من الوسائل المتاحة التي يقدر عليها الجميع، وبالتالي أصبح شرط القدرة على القتل موجود طوال الوقت، مما يجعله نوعاً من "القتل الميسر"، الذي يسهل القيام به، خاصة أنه يستهدف المدنيين والأبرياء، على الرغم من عدم جواز قتل المدنيين الذين لا يشاركون في القتال) .)

9

3- جهاد الطلب: الأشخاص الذين يعتنقون أفكار التنظيمات الإرهابية، يؤمنون بشكل كامل بما يسمى "جهاد الطلب"، وهو – حسب فهمهم الخاطئ - يقوم على ضرورة طلب العدو في أرضه وقتاله، حتى يدخل الإسلام أو يدفع الجزية، لذا يحرص هؤلاء على قتل المواطنين في عقر دارهم تحت شعار "جهاد الطلب".

ويرتبط هذا الاعتقاد بأحد المرتكزات الفكرية عند هذه التنظيمات وهي، "حتمية المواجهة مع الكفار"، حيث يؤمن هؤلاء – وهو اعتقاد خاطئ - بأنه لا مناص من حدوث مواجهة مع الكفار، لأنه سنة كونية، وفريضة فرضها اله تعالى، خاصة أنهم يعتقدون أنهم أصحاب قضية عادلة، وعدالة القضية تعني حتمية المواجهة مع الآخر، وأنه ليس هناك أي بديل شرعي آخر يحقق المصالح والأهداف التي تسعى لتحقيقها سوى تلك المواجهة، ومن هنا جاءت فكرة "حتمية المواجهة")10(، التي أخطر ما يترتب عليها، هو إلغاء العقل والتفكير والجمود على الرأي الواحد)11.)

4- تلبية "النداء": معظم الذين يقومن بالعلميات الإرهابية، التي تندرج تحت شعار "جهاد الممكن"، غالباً ما يقومون به تلبية لنداء التنظيم الذي يعتنقون أفكاره، خاصة تنظيم "داعش" صاحب الأسبقية في ترسيخ مفهوم "جهاد الممكن"، حيث يعتقد هؤلاء بوجوب تلبية هذا النداء الذي يدعوهم إلى القيام بعمليات قتل تستهدف مواطني الدول التي يعدها التنظيم معادية له، لاسيما مع الاعتقاد بوجوب السمع والطاعة لقيادات لتنظيم، استناداً إلى حديث رسول اله صلى اله وعليه "اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة" )رواه البخاري(، وأعظم نداء يمكن أن يلبى عند هؤلاء هو نداء الجهاد، لأن فيه أجرين، أجر الجهاد في سبيل اله، وأجر السمع والطاعة)12.)

رابعاً: اأ�شباب انت�شار «جهاد الممكن»

من المؤكد أن هناك مجموعة من الأسباب التي أدت إلى تصاعد عمليات العنف التي تندرج تحت مفهوم "جهاد الممكن"، خاصة بين الأفراد الذين يؤمنون بأفكار التنظيمات العابرة للقارات، ويقيمون في مناطق ودول بعيدة عن مناطق نفوذ "التنظيم"، أو ما يطلق عليهم مصطلح "الذئاب المنفردة"، ومن أهم تلك الأسباب:

1- غياب الارتباط التنظيمي: غالباً ما يلجأ إلى عمليات عنف "جهاد الممكن"، الأفراد الذين يرغبون في مناصرة التنظيمات التي يعتنقون أفكارها، ولكن لا يستطيعون الالتحاق بصفوف التنظيم، فيلجؤون إلى القيام بالعمليات الإرهابية التي تخدم أهدافه، وبالتالي فهم ليسوا في حاجة إلى وجود رابطة تنظيمية، يتلقى الشخص من خلالها التكليف بالعملية، وهذا ما يتيح الفرصة للعديد من الأفراد المقتنعين بهذه الأفكار ممارسة العنف تحت غطاء شرعي – على حد اعتقادهم - لأنهم يعتقدون أنهم بهذا العنف ينصرون الإسلام، الذي يمثله التنظيم الذي ينتمون إليه.

2- انتفاء الحاجة إلى خبرة قتالية: لا يحتاج من يرغب في ممارسة العنف والقتل تحت شعار "جهاد الممكن"، إلى أي خبرة قتالية أو قدرة على تصنيع المتفجرات، حيث يعتمد هذا النوع من العنف بشكل أساسي على "الوسيلة المتاحة"، والتي غالباً ما تكون في متناول الجميع، مثل الأسلحة البيضاء، أو القتل بالغدر عبر دفع الشخص أمام إحدى المركبات، وهو في غفلة من أمره، أو وضع السم في الطعام لمجموعة من الأشخاص، وبالتالي فمن أراد أن يتجه إلى هذا النوع من العنف، فهو ليس في حاجة إلى قدرات مالية أو مادية لتنفيذ أي عملية إرهابية، لذا غالباً ما يلجأ "التنظيم"، إلى دعوة مناصريه حول العالم، والذين غالباً ما يطلق عليهم "جند الخلافة"، إلى القيام بعمليات إرهابية ضد مواطني الدول التي يرى أنه في حالة عداء معها، خاصة أن عمليات "جهاد الممكن" تمثل له أهمية كبيرة، حيث تمكنه من الوصول إلى مناطق لا يمكنه الوصول إليها، في الوقت الذي لن يتحمل فيه أي تكلفة مادية أو بشرية في هذه العمليات، حيث إن الأشخاص الذين سيقومون بهذه العمليات غالباً لا يعرفهم التنظيم ولم ينفق عليهم.

3- الانتحار باسم الدين: فالأشخاص الذين يقومون بالعنف تحت ستار "جهاد الممكن" يعاني بعضهم أزمات نفسية واجتماعية حادة، يرغبون في التخلص منها، عبر "ستار شرعي"، لأنهم يعلمون أن الإسلام يحرم الانتحار وقتل النفس، لذا يتوجهون إلى القيام بعمليات إرهابية تحت شعار الجهاد في سبيل اله، من أجل مناصرة "التنظيم" الذي يعتقدون أنه يمثل الإسلام، وبالتالي سوف يحولهم ذلك إلى شهداء، وبهذا يكونون حققوا هدفهم من خلال القيام بمثل هذه العملية الإرهابية – على حد اعتقادهم - وهو "التخلص من أزماتهم" بالهروب إلى "الجنة"، لأنهم لو تخلصوا من أزماتهم بطريق آخر مثل الانتحار فإن مصيرهم سيكون إلى النار.

4- شن الحرب النفسية: لا تحتاج العمليات الإرهابية التي يمكن تصنيفها تحت "جهاد الممكن" سوى الشخص الذي سيقوم بها، بأبسط الطرق والأدوات، بل ويمكن، في بعض الحالات، أن تحدث خسائر فادحة بأقل الإمكانيات، كما حدث في عملية الدهس بالشاحنة في مدينة "نيس" الفرنسية، وحتى في الحالات التي لا يسقط فيها عدد كبير من الأفراد، كما في أغلب حالات الإرهاب الفردي الأخرى، فإن وقوع العملية بصورة متتالية يعطي انطباعاً بعجز الأجهزة الأمنية، وفشلها في مواجهة التهديدات الإرهابية، بل ويعظم الشعور بعدم الأمان لدى غالبية الأفراد. 5- صعوبة منع العمليات: مهما بلغت القدرات الأمنية لأي دولة، فإنه سيكون من الصعب عليها وعلى أجهزتها المختلفة منع عمليات "جهاد الممكن" أو إحباطها قبل وقوعها، لأن هذا النوع من العمليات يعتمد على نوايا بعض الأشخاص غير المعروفين أمنياً في الغالب، خاصة أنهم لا يستخدمون أسلحة أو وسائل ملفتة للنظر عند قيامهم بهذه العمليات، كما أن الشخص الذي سيقوم بمثل هذه العمليات يعلم أن مصيره سينتهي غالباً بالموت، وبالتالي ليس لديه ما يخاف عليه أو منه، وهذا ما يزيد من صعوبة السيطرة على العمليات الإرهابية من هذا النوع.

وأخيراً، فإنه يبدو أن التنظيمات الإرهابية، خاصة العابرة للحدود، قد وجدت ضالتها المنشودة فيما يطلق عليه عمليات "جهاد الممكن"، حيث إن مثل هذا النوع من العمليات لا يكلف التنظيم سوى بعض النداءات لأنصاره بالقيام بعمليات إرهابية حول العالم، وسوف يجد من يستمع إلى مثل هذه النداء، خاصة أن تلبية النداء لن تحتاج منه سوى عقد النية على القتل، بعد أن يغلفها بغلاف شرعي "باطل".

والأخطر من ذلك في هذا النوع من العنف أنه غالباً ما يمارسه الأفراد غير المعروفين أمنياً، والذين يستهدفون الأبرياء بوسائل غير متوقعة، مما يجعل من الصعب السيطرة عليه، خاصة في ظل تحريض التنظيمات الكبرى على مثل هذا النوع من العنف، من أجل تخفيف الضغوط عليها، مما يدل على أن المرحلة القادمة ربما تشهد تنامياً لبعض عمليات العنف والإرهاب، تحت شعار "جهاد الممكن"، وهو ما يحتاج إلى وسائل غير تقليدية لمقاومتها، وإحباطها قبل وقوعها.

علي بكر باحث بمجلة السياسة الدولية، مؤسسة الأهرام - القاهرة

Newspapers in Arabic

Newspapers from UAE

© PressReader. All rights reserved.