‪Hybrid Strategies‬

الاتجاه نحو الاستراتيجيات المركبة في رسم السياسات الدفاعية

Trending Events - Future Concepts - - News -

تعتمد الاستراتيجيات العسكرية للدول على مجموعة مفاهيم ومبادئ أساسية توجه حركة القوات لتحقيق الغايات الرئيسية، حيث تمثل العقيدة العسكرية الإطار المرجعي للمؤسسة العسكرية في أداء مهامها، ويتم استخلاصها من المعرفة العسكرية والخبرات التاريخية للدولة والثقافة السائدة لتحديد كيفية توظيف القوة العسكرية في مواجهة التهديدات.

ويعد مفهوم "الحرب الخاطفة" Blitzkrieg() الذي تبنته ألمانيا خلال الحرب العالمية الثانية، من أهم النماذج المرجعية للعقائد العسكرية، حيث يقوم على اختراق دفاعات الخصوم في محاور محددة، ثم شن هجوم سريع لاختراق العمق وتدمير قواتهم، أما العقيدة العسكرية السوفييتية فكانت تعتمد على مبدأ "اختراق العمق" الذي يقوم على الهجوم الشامل على الخصم وتدمير قدراته العسكرية بحيث يصبح غير قادر على القيام بالهجوم المضاد، وفي المقابل ركزت العقيدة العسكرية الأمريكية على مبدأ "عمليات النطاق الكامل" ‪Full Spectrum Operations(‬ ) الذي يقوم على توظيف كامل القوة العسكرية في إيقاع هزيمة محققة بقوات العدو، وهو ما يعكس الأجواء الصراعية للحرب الباردة.

وتضمنت العقيدة العسكرية الهندية نماذج للتوجهات الدفاعية مثل مبدأ "ردع الحد الأدنى" ‪،)Minimum Deterrence(‬ والذي يقوم على تجنب استخدام القوة النووية في الصراعات وتوظيفها كأداة للردع، وهو ما يتوازى مع مبدأ "البداية الباردة" ‪Cold Start(‬ ) الذي يقوم على التدرج في توظيف القوة العسكرية في مواجهة هجوم من جانب الدول المعادية، أما العقيدة العسكرية الإسرائيلية فتأسست على عدة مبادئ هجومية، مثل العمق الاستراتيجي ‪Strategic Depth(‬ ) والحدود الآمنة والحرب الوقائية.

وعلى مدار العقود الماضية، شهدت المفاهيم المركزية للاستراتيجيات العسكرية لدول العالم تحولات جوهرية تعكس التغيرات الاستثنائية في طبيعة التهديدات، وتزايد التهديدات غير التقليدية، وحالة انعدام اليقين والاضطراب في السياقات الداخلية والإقليمية والدولية التي تحولت جميعها لمصادر تهديد محتملة، وفي هذا الإطار تمثلت أهم ملامح التغير في العقائد العسكرية للجيوش فيما يلي:

1- تزايد أهمية العقائد العسكرية: أدت حالة الغموض وانعدام اليقين وتوحد بيئة التهديدات الداخلية والإقليمية المحيطة بالدول إلى تصاعد أهمية الأطر والمفاهيم المرجعية التي توجه مهام المؤسسات العسكرية أكثر من أي وقت مضى، حيث باتت العقائد العسكرية للجيوش تؤدي وظائف مركزية وثيقة الصلة ببقاء الدول، تتمثل في تحديد المفاهيم الرئيسية حول دور المؤسسة العسكرية، وصياغة مرجعية فكرية موحدة للقيادات والكوادر حول توظيف القوة العسكرية، ومعايير قابلة للتطبيق لتحقيق الأهداف والغايات القومية من خلال توظيف القوة العسكرية، ونماذج للإجراءات التي يمكن من خلالها تنظيم وإدارة المؤسسة العسكرية، وهو ما يعني أن العقيدة العسكرية تمثل الجانب الثقافي والفكري للمؤسسة العسكرية، وتحدد الهوية المؤسسية للمنتمين لها.

2- صعود الاستراتيجيات الهجينة ‪Hybrid Strategies(‬ :) إذ لم تعد الاستراتيجيات العسكرية تفرق بين الهجوم والدفاع والردع، وباتت تتبنى سياسات متزامنة لتحقيق الغايات الثلاث في مواجهة التهديدات، وهو ما يعني أن الفصل التقليدي بين الاستراتيجيات الهجومية والدفاعية لم يعد قائماً أو قابلاً للتطبيق في مواجهة التهديدات المعقدة، ومن ثم باتت دول العالم تقوم بمهام الدفاع وتحصين الداخل بالتوازي مع التدخل الاستباقي في بؤر التهديدات الإقليمية وردع التهديدات المحتملة والاستعداد للتهديدات غير المتوقعة.

ويرتبط ذلك بالتغير في طبيعة التهديدات التي لم تعد تقتصر على تهديدات الغزو الخارجي أو احتلال المناطق الحدودية الطرفية للدولة وباتت تتضمن تهديدات غير تقليدية، مثل الاختراق الداخلي، وإدارة الحروب بالوكالة بالاعتماد على ميليشيات داخلية لتفجير الحروب الأهلية، وتهديدات الحركات الانفصالية والتنظيمات الإرهابية وعصابات الجريمة المنظمة، والتهريب عبر الحدود

وانتشار الأسلحة الصغيرة والمتوسطة داخل الدولة، وممارسة الضغوط الاقتصادية على الدولة لتأجيج حالة عدم الاستقرار، بالإضافة إلى استنزاف القدرات العسكرية للدولة لإضعافها من الداخل. 3- اندماج مستويات التخطيط العسكري: لم تعد التفرقة بين المستويات الاستراتيجية والعملياتية والتكتيكية في العقائد العسكرية قائمة في واقع العمليات العسكرية للدول المختلفة، حيث باتت الجيوش تتحرك بالتزامن على المستويات الثلاثة في مواجهة كافة التهديدات الداخلية والإقليمية والدولية، وأضحت الدول تعمل على تحديد التهديدات بعيدة المدى لدورها المتصور في السياقات الإقليمية والعالمية وتطور آليات غير تقليدية لتوظيف القوة في مواجهة التهديدات وتعزز قدراتها العسكرية بالإضافة لإدارة عمليات عسكرية وميدانية في مواجهة تهديدات فعلية. 4- التعايش مع التهديدات الدائمة: باتت العقائد العسكرية تركز على تطوير آليات للتكيف مع حالات انعدام الأمن الممتد التي ترتبط بصعود تهديدات غير متوقعة نتيجة تراجع سيطرة الدول على التدفقات البشرية والمالية والمعلوماتية العابرة للحدود وصعود دور الفاعلين من غير الدول الذين لا يمكن السيطرة عليهم بآليات الضبط التقليدية، كما أن حسابات الردع التقليدية تكون غير ذات فاعلية في منعهم من تنفيذ تهديداتهم لمصالح الدولة، بالإضافة إلى تعذر إمكانية القضاء التام على مصادر التهديدات بسبب قدرات المراوغة والانتشار والتخفي للميليشيات المسلحة والتنظيمات الإرهابية وعصابات الجريمة المنظمة وقيام بعضهم بأدوار الوكالة لصالح بعض القوى الإقليمية والدولية.

وفي مواجهة هذه التهديدات غير التقليدية تتبع الدول استراتيجيات تقوم على الاستعداد الدائم والتحسب لوقوع تهديدات غير متوقعة والمرونة العالية في مواجهة الصدمات المفاجئة، فضلاً عن الدمج بين سياسات متوازية في التعامل مع التهديد الواحد مثل اتباع سياسات الانخراط العسكري والاحتواء والردع في مواجهة بؤر التهديدات في الجوار الجغرافي. 5- عودة العمليات الاستباقية: لم تعد الدول تتعامل مع التهديدات بمنطق دفاعي يقوم على انتظار تحقق التهديدات المحتملة والرد على مصادر التهديد بهجوم مُدَّمر، حيث بات من الثابت في الاستراتيجيات العسكرية للدول التعامل مع التهديدات عبر سياسات الاستباق والتدخل الوقائي باعتبارها ضمن آليات الدفاع المتقدم عن مصالح الدولة الحيوية، وتبدأ سياسات الاستباق الدفاعي من مجرد التحفز الحدودي وحشد القوات إلى التدخل العسكري المباشر في مواجهة مصادر التهديد٫ وتصل إلى الهجمات الاستباقية والضدبات الوقائية، ويمثل قيام إسرائيل بقصف مواقع حزب اله وتنظيم "داعش" في سوريا نموذجاً واضحاً على هذه الاستراتيجية، إذ إن تصاعد القدرات العسكرية لحزب اله وقيامه باستعراض عسكري في القصير السورية في منتصف يوليو 2016 واستهداف تنظيم "داعش" لهضبة الجولان يعد اختراقاً لخطوط حمراء وضعتها إسرائيل بحيث أدى تجاوزها لاتخاذ إجراءات ميدانية للحفاظ على توازن الضعف في الجبهة السورية.

-6 الاعتماد على القدرات الذاتية: أضحت الاستراتيجيات العسكرية للدول تركز على تطوير القدرات العسكرية الذاتية للدولة في مقابل تراجع الاعتماد على التحالفات لمواجهة التهديدات، ويرتبط ذلك بتآكل الثقة في قدرة الحلفاء على الوفاء بالتزاماتهم العسكرية في حال تعرض أمن الدولة للتهديد، ومحاولة الدول الكبرى تقليص تكلفة الالتزامات العسكرية الخارجية والتوزيع العادل للأعباء العسكرية بين الحلفاء، بالإضافة إلى صعود ما يسمى بالتحالفات "القطاعية" أو تحالفات "القضية الواحدة"، وهي التحالفات التي تضم أكثر من دولة يجمعها هدف واحد، بحيث ينقضي هذا النوع من التحالف بتحقيق ذلك الهدف.

ولا يعني انضمام دولة ما إلى "تحالف قطاعي" معين خروجها من تحالفات إقليمية أخرى في ظل احتمالية انضمام الدولة لأكثر من "تحالف" في الوقت ذاته، بل ومع حلفاء لديهم أجندات وتوجهات مختلفة، كما لا يُعبر عن هذا النوع من التحالفات "المؤقتة" بالضرورة أُطر مؤسسية أو تنظيمية خاصة، وإنما يعتمد فقط على تلاقي المصالح في مواجهة تهديدات محددة دون غيرها.

وفي هذا الإطار يتناول ملحق "مفاهيم المستقبل" في هذا العدد موضوع "تحولات المفاهيم المركزية في الاستراتيجيات العسكرية"، ففي صدارة الملحق تركز د.مي درويش مدرس العلاقات الدولية بجامعة دورهام في بريطانيا على تحليل المفاهيم والأسس الرئيسية للاستراتيجية العسكرية الأمريكية، خاصة مفهوم "التوازن من الخارج" ‪OffShore Balancing(‬ ) والذي يقوم على بناء التوازنات الإقليمية وتجنب التدخل المباشر والتركيز على المصالح القومية للدولة وتجنب الاعتماد المتبادل.

ويحلل مصطفي شفيق علام الباحث المتخصص في العلاقات الدولية تحولات العقيدة العسكرية الروسية في مواجهة حلف الناتو وتطوير روسيا آليات جديدة للردع الاستراتيجي، خاصة ما يرتبط بالجمع بين الردع والإكراه وبين الاستخدام المباشر للقوة وحروب الوكالة والتوظيف المتزامن للآليات العسكرية وغير العسكرية في الضغط على الخصوم.

وتركز د.دلال محمود السيد أستاذ الدراسات الاستراتيجية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية في جامعة القاهرة على تحليل الأبعاد الدفاعية في الاستراتيجية العسكرية الصينية والتطبيقات الصينية لمفهوم الدفاع النشط في مواجهة الوجود العسكري الأمريكي في جنوب شرق آسيا وبحر الصين الجنوبي، وأخيراً يتناول د.أيمن الدسوقي الأستاذ المشارك بقسم العلوم السياسية في مجموعة جامعة أبوظبي للمعارف على مفهوم التحوط الاستراتيجي Strategic( Hedging) وتطبيقاته في سياسات القوى المتوسطة والصغيرة والمكاسب والمخاطر التي تترتب على اتباع هذه الاستراتيجية. المحرر

Newspapers in Arabic

Newspapers from UAE

© PressReader. All rights reserved.