ما بعد الواقعية:

صعود تأثير القوى غير المادية في العلاقات الدولية

Trending Events - Future Concepts - - ما بعد الواقعية: -

لم ينقطع الجدل حول كيفية تفسير التحولات في سلوك الفاعلين في العلاقات الدولية، فعلى مدار عقود ركزت تفسيرات دارسي العلاقات الدولية لسلوك الدول على اتجاهين رئيسيين، أولهما يرى أنه يمكن تفسير التفاعلات الدولية من خلال تحليل سلوكيات الفاعل الفرد Agent() ممثلين في قادة الدول، وما يتخذونه من قرارات ترتبط برؤيتهم للعالم والنسق العقيدي والإدراكي لكل منهم، أما الاتجاه الثاني، فيري أن تفسير التفاعلات الدولية يرتبط بتحليل هيكل النظام الدولي Structure() الذي يفرض قيوداً على تحركات الدول، بحيث يفرض عليهم من يقوم بماذا، ومتى وكيف؟

وقد غاب عن هذا الجدل دور العوامل الأخرى، مثل القوى والدوافع القيمية وغير المادية، وتلك المتعلقة بالهوية، والدور الذي تلعبه في تفسير العلاقات الدولية، حتى ظهرت المدرسة البنائية Constructivism() في العلاقات الدولية، والتي أكدت الدور الحاسم الذي تلعبه العوامل غير المادية في دراسة العلاقات الدولية، إذ يرى البنائيون أن بنية النظام الدولي بنية اجتماعية تتضمن مجموعة من القيم والقواعد والقوانين، والتي تؤثر بدورها على هوية ومصالح الفاعلين، فهي محصلة التفاعل المستمر بين الفاعلين والبناء نفسه، وبالتالي فهي ترفض الافتراضات التي تذهب بوجود قواعد تحكم الظاهرة السياسية بعيداً عن إرادة الفاعل.

وعلى الرغم من ارتباط التركيز على القوى والعوامل القيمية وغير المادية بالمدرسة البنائية، فإن ذلك لا ينفي أن المدارس الأخرى في العلاقات الدولية قد تعرضت بصورة أو بأخرى للأبعاد القيمية وإن كان ذلك بصورة غير مباشرة وبمستوى أقل من الكثافة مقارنة بالمدرسة البنائية التي ركزت على الهوية والأفكار والمعتقدات ومعايير السلوك والقيم في تحديد مصالح الدول، وظواهر التحالفات والصراعات وسباقات التسلح ونزاعات الحدود وغيرها من أنماط التفاعلات الدولية.

وفي هذا الصدد تلعب الأفكار دوراً مؤثراً في العلاقات الدولية، نظراً لأنها تضفي الشرعية على أفعال الفاعلين من خلال الخطاب Discourse(،) وكذلك من خلال دورها في تشكيل الهوية، والتي تلعب بدورها دوراً مؤثراً في تحديد مصالح الأفراد والدولة، فوفقاً للبنائيين، فإن تعريف الدولة لهويتها يسبق تحديدها لمصالحها.

ونظراً لإدراك أهمية العوامل غير المادية في العلاقات الدولية، فسوف يسعى هذا الملحق للتركيز على القوى غير المادية في العلاقات الدولية مثل الهوية، والخوف وعدم الثقة والكذب. ويرجع انتقاء هذه المفاهيم إلى التحولات العالمية والإقليمية، والتي يتصدرها صعود الشعوبية والتيارات القومية واليمينية المتطرفة وتزايد اتجاهات رفض الهجرة والتجارة الدولية، وتصاعد الصراعات الداخلية، التي أحدثت استقطاباً إقليمياً ودولياً، على نحو ما يشهده الصراع الأوكراني، والعراقي والسوري والليبي، وهو ما تسبب في تمدد التهديدات الأمنية وانتقالها لدول الجوار.

وأدى انتشار الصراعات الداخلية إلى إعادة التركيز على مفهوم الهوية، خاصة مع تنامي الاستقطاب والاحتقان الطائفي والإثني، فضلاً عن تصاعد ممارسات "الكذب" بين الأطراف المتصارعة، وداعميهم الإقليميين والدوليين، ومحاولة كل طرف تسويق رواياته أو "أكاذيبه" لإقناع أكبر قدر ممكن من الفاعلين الدوليين الدولي بصحة ومشروعية مواقفه.

وبطبيعة الحال، فقد أدى ذلك إلى زيادة حالة "عدم الثقة" في التفاعلات بين الدول، وتنامي الشعور ب "الخوف"، حيال قدرات ونوايا الأطراف الأخرى، بالإضافة إلى توظيف الشعور بالخوف، أحياناً، للتأكيد على مركزية وأهمية الدفاع عن الدولة في ضوء ما تشهده من تحديات أمنية، خاصة في ضوء التدهور الأمني الحاد، الذي شهدته الدول التي انهارت سلطتها المركزية، وعجز الأطراف المتصارعة على حسم الصراع لمصلحتها.

وفي هذا الإطار، تتناول الأستاذة ميادة مدبولي، طالبة الدكتوراه في جامعة السوربون، مفهوم "الهوية"، والذي يعد أحد المفاهيم الأساسية في المنظور البنائي، حيث يرى منظرو البنائية أن هوية الدولة تلعب دوراً في تحديد مصالح الدولة، وكذلك في تفسير

التطورات التي تواجهها الدولة في المحيط الدولي، وكيفية الرد عليها، ومن ثم فهي تلعب دوراً مؤثراً في فهم وتفسير التطورات الدولية. ففي حين أن الواقعية ترى أن مصلحة الدولة يتم تحديدها بالاعتماد على الأبعاد المادية البحتة، كالرغبة في القوة، فإن البنائية ترى أنها غير كافية لتفسير العلاقة الودية التي تجمع بين الولايات المتحدة وبريطانيا، والعلاقة العدائية بين الولايات المتحدة وكوريا الشمالية، على الرغم من امتلاك كل من لندن وبيونج يانج أسلحة نووية، وهو ما يمكن تفسيره بالرجوع إلى التطابق أو التنافر في القيم والثقافات بين الدول.

وتناول الملحق مفهوم "الخوف" في المقالة المعنونة "الخوف:أبعاد توظيف إدراك التهديدات في السياسة الخارجية"، حيث يعد "الخوف" مفهوماً مركزياً لدى أغلب المدارس الفكرية المرتبطة بصورة أساسية بالمدرسة الواقعية، وقد أشارت المقالة إلى الكيفية التي تم بها توظيف "الخوف" من جانب التيارات المختلفة داخل المدرسة الواقعية، وتحديداً، الواقعية الدفاعية والهجومية، بالإضافة إلى مدرسة كوبنهاجن في الأمن، إذ إن الخوف يلعب، وفقاً لهذه المدارس، دوراً في بناء التحالفات، ودفع الدول لامتلاك القوة والنفوذ، بالإضافة إلى تبرير الهيمنة الدولية للقوى الكبرى في النظام الدولي.

أما داخلياً، فإن الدول تلجأ إلى توظيف الخوف لتعزيز وحدة الدولة في مواجهة التهديدات الخارجية، وكذلك لحشد التأييد الشعبي لأمننة قضايا معينة. وأوضحت المقالة وجود اتجاهين رئيسيين حول كيفية الحد من تداعيات الخوف، ويتمثل الأول في افتراض الأسوأ حول نوايا الدول الأخرى، بينما يتمثل الثاني في بحث فرص التعاون وبناء الثقة بصورة تدريجية.

وأشارت الباحثة منى مصطفى محمد في مقالتها "الكذب: أنماط غير تقليدية للخداع في العلاقات الدولية"، إلى مفهوم "الكذب"، وأشارت إلى الأسباب التي تدفع قادة وممثلي الدولة للجوء إلى الكذب للدفاع عن المصالح الوطنية للدولة، والتي أرجعتها إلى خمسة أسباب رئيسية أولها: محاولة قادة الدول افتعال مشكلات خارجية بغرض تشتيت الانتباه الداخلي عن المشكلات الاقتصادية والاجتماعية التي يعانونها، ثانيها: محاولة اختلاق روايات سلبية عن الأعداء لدعم الكراهية الشعبية تجاههم.

أما ثالث هذه الأسباب، فيرتبط برغبة بعض الدول في المبالغة في تصوير أوضاعها السياسية والاقتصادية والاجتماعية من أجل تحسين صورتها في المحافل الإقليمية والدولية، وينصرف رابعها إلى رغبة الدول في إخفاء تدخلها الخارجي في الدول الأخرى، وأخيراً، رغبة الدول في حماية مصالحها، والدفاع عن أمنها من خلال ترويج الأكاذيب لردع العدو.

وأشارت الباحثة كذلك إلى الأنماط الصاعدة من الكذب في العلاقات الدولية، وأشارت في هذا الاتجاه إلى الحقائق البديلة، والأكاذيب الشعبوية، والكذب الافتراضي، بالإضافة إلى حروب الصور، والتسريبات المزيفة.

وقدم الأستاذ محمد عباس ناجي، الخبير بمركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام، في مقالته "الشك: مؤشرات تصاعد عدم الثقة في السياسة الدولية" مفهوم "عدم الثقة"، والذي يكتسب أهمية خاصة لدى المدرسة الواقعية، إذ تعتبره النمط السائد الذي يغلف العلاقات بين الدول، فالثقة والتعاون هما الاستثناء من القاعدة، وقد أشار إلى الأسباب التي أعلت من "عدم الثقة" في العلاقات الدولية، والتي تتمثل، وفقاً له، في تصاعد الأزمات الدولية، والرجوع إلى الذاكرة التاريخية السلبية، بالإضافة إلى ميل بعض الدول إلى النكوص عن التزاماتها، واضطراب التحالفات الإقليمية.

وأشار الأستاذ ناجي إلى الآليات التي يمكن توظيفها لمواجهة حالة عدم الثقة، والتي تتمثل في الالتزام بالسياسات المعلنة، وتفعيل دور المؤسسات الإقليمية والدولية، فضلاً عن التركيز على الملفات التي تحظى بتوافق مشترك بين الدول، وتوسيع نطاق التعاون الاقتصادي والثقافي.

وفي ضوء العرض السابق، يلاحظ أن المدرسة الواقعية، وإن أعلت من دور العوامل المرتبطة بهيكل النظام الدولي في دراسة سلوك الفاعلين )الدول(، فإن المراجعة الدقيقة لأبرز كتابات المدرسة الواقعية مثل جون ميرشايمر، وكينيث والتز، توضح أن تحليلاتها استندت إلى حد كبير إلى عدد من المفاهيم غير المادية، كالخوف وعدم الثقة والكذب، وأنها مثلت افتراضات أساسية أقاموا عليها تصوراتهم لسلوك الفاعلين من الدول، وكيفية تفاعلهم مع النظام الفوضوي.

ومن جهة أخرى، فإن الجمع بين الاعتبارات والعوامل المادية والقيمية، سوف يسهم في تقديم فهم أكثر عمقاً لواقع العلاقات الدولية، والتفاعلات التي تتم بين الدول. وقد بدأت بعض التيارات الفكرية تنادي بضرورة الجمع بين المدرسة الواقعية والبنائية في دراسة العلاقات الدولية، على الرغم من أن كلا المدرستين نُظر إليهما في حقل العلاقات الدولية باعتبارهما متناقضتين لبعضهما البعض.

ويرى أنصار هذا الاتجاه أن كلا المدرستين تركزان على دراسة أحد أبعاد العلاقات الدولية، فالمدرسة الواقعية تركز على دراسة المؤسسات السياسية باعتبارها تكوينات اجتماعية Social( Construct،) في حين أن المدرسة الواقعية تركز على الأبعاد السياسية المتصلة بالقوة، باعتبارها من السمات الرئيسية في أي "بناء" Structure(،) وبالتالي فإن الجمع بين الاقترابين يسهم في فهم أكثر تكاملاً للعلاقات الدولية، وفي الجمع بين الجوانب القيمية والمادية في فهم العلاقات الدولية.

Newspapers in Arabic

Newspapers from UAE

© PressReader. All rights reserved.