الكذب:

أنماط غير تقليدية للخداع في السياسة الدولية

Trending Events - Future Concepts - - باحثة بمركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة - منى مصطفى محمد

يعد الكذب في مقدمة الممارسات التاريخية الأكثر شيوعاً في التفاعلات الداخلية والدولية، إذ ارتبط الكذب بدوافع متعددة، مثل تعزيز التماسك الوطني، وخداع الخصوم وتضليلهم، وتبرير الحروب والسياسات الاستعمارية التوسعية والتدخل الخارجي، وفي الآونة الأخيرة تصاعدت اتجاهات غير تقليدية للكذب في العلاقات الدولية يأتي في مقدمتها التضليل المتعمد )Misinformation( والحقائق البديلة وخطاب الشعبوية والكذب الافتراضي وحروب الصور والوثائق المزيفة.

اأولاً: مفهوم الكذب في العلاق�ت الدولية

لم يحظ "الكذب" باهتمام حركة التنظير في العلاقات الدولية لعقود عديدة، إذ كان الكذب يصنف ضمن الممارسات الفردية، بينما كان الاهتمام ينصب على الدول باعتبارها الفاعل الرئيسي في العلاقات الدولية، وحتى مع اتساع نطاق اهتمام العلاقات الدولية لتشمل الفاعلين من غير الدول والقادة تم التركيز على سماتهم الشخصية، ونسقهم العقيدي والإدراكي، وتأثير هذه العوامل كافة على صنع القرار، فيما تم تجاهل خطاب القادة وما قد يشوبه من كذب ومغالطات وتضليل وتأثير ذلك على علاقات الدولة الخارجية.

وتكاد أدبيات العلاقات الدولية تخلو من تأصيل نظري واضح لمفهوم "الكذب" باستثناء بعض الكتابات القليلة، مثل كتاب "جون جي.ميرشمير" ‪)John J. Mearsheimer(‬ المعنون "لماذا يكذب القادة"؟ ‪Why Leaders Lie?(‬ ) والصادر في عام 2013، ووفقاً لميرشايمر يرجع عدم التركيز على الكذب إلى عدم الإشارة للكذب في العلاقات الدولية بصورة صريحة على عكس ما هو شائع في تصورات كثير من العامة؛ ففي مجالات السياسة الدنيا لا تحتاج الدول إلى اختلاق الأكاذيب بسبب ارتفاع تكلفة الكذب في هذه المجالات قليلة الأهمية مقارنةً بالعائد منه، أما في مجالات السياسة العليا فإن الدول عادة تتشكك في تصريحات وخطابات الدول الأخرى، وتعمل على التحقق من صدقها بالوسائل الممكنة كافة، وغالباً ما تلجأ الدول لاتباع الكذب في سياساتها الداخلية أكثر من سياساتها الخارجية) .)

1

ويؤكد آخرون أن قلة الاهتمام بمفهوم "الكذب" في العلاقات الدولية يرجع إلى أنه لسنوات طويلة كانت هناك صعوبة في التحقق من مدى صحة تصريحات القادة، بيد أن التحولات الهيكلية في المقومات المركزية للنظام الدولي قد أدت إلى عدم قدرة الدول على السيطرة على حركة المعلومات وتدفقها، مع انتشار التسريبات مثل تسريبات "ويكيليكس" التي كشفت كثيراً من الأمور غير المعلنة عن العلاقات بين الدول) .)

2

وأيضاً قد يعود ضعف حركة دراسة الكذب في العلاقات الدولية إلى تركيز بؤرة الاهتمام على مفاهيم بديلة مثل: التلفيق، والخداع للتعبير بها عن كافة الممارسات المضللة التي تُمارس في العلاقات الدولية وذلك على الرغم من وجود اختلافات بينهم وبين مفهوم الكذب، فالكذب حسب تعريف "جون جي. ميرشمير" "هو فعل مخطط لخداع جمهور معين... ولا يتضمن الكذب فقط إدخال عناصر غير حقيقية إلى الرواية، بل يحتوي أيضاً على ترتيب الأحداث بطريقة خادعة" ويعرفه "أريك الترمان" Eric( Alterman) في كتابه "عندما يكذب الرؤساء" بأنه "إخفاء الحقيقة بهدف التأثير في الآخرين، وتشكيل الانطباعات، واكتساب الدعم والشعبية") .)

3

ويمكن تعريف التلفيق بأنه "عرض الأحداث بصورة معينة تخدم مصالح الشخص، فالرواية هنا حقيقية إلا أنه يشوبها قدر من المبالغة والتشويه"، ويشير مفهوم الخداع إلى "اتخاذ خطوات معينة لمنع الأفراد من معرفة الحقيقة كاملة"، ومن ثم فإن كلاً من الرواية "الملفقة" و"الخادعة" قد تحتوي على قدر ما من الحقيقة على النقيض من الرواية "الكاذبة") (، وترى "حنا أرندت" أن الرواية

4 الكاذبة هي الأكثر انتشاراً وقبولاً وجاذبية بالنسبة للجمهور) .)

5

ث�ني�ً: دوافع الكذب في التف�علات الدولية

يصعب وضع حدود فاصلة بين الكذب الموجه للداخل والموجه للخارج؛ حيث إنه كثيراً ما تقوم دولة بالكذب على مواطنيها بهدف اتخاذ إجراء يؤثر على الخارج، أو قد تقوم الدولة باختلاق أكاذيب عن الخارج بهدف التأثير في الداخل، ومن خلال استعراض دوافع الكذب بين الدول يمكن توضيح هذا التداخل فيما يلي: 1- نظرية كبش الفداء ‪:)Scapegoat Theory(‬ قد يلجأ صانعو القرار إلى الادعاء بوجود تهديد قادم من دولة أخرى أو افتعال مشكلات خارجية قائمة على مجموعة من الأكاذيب بغرض تشتيت انتباه الداخل عن المشكلات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وهو ما تطلق بعض أدبيات العلاقات الدولية "فرصة المهرب الخارجي" ‪External Getaway(‬ () (، وقد

6 اتبعت "مارجريت تاتشر" هذا الأسلوب في إطار حرب فوكلاند عام 1982 عندما تمسكت بجزر فوكلاند وأثارت مجموعة من الادعاءات حول أهميتها الاستراتيجية لبريطانيا، في حين أنها كانت تهدف من وراء هذه الحرب إلى زيادة شعبيتها بعد اتباعها سياسات رأسمالية وتقشفية أدت إلى ارتفاع مستوى التضخم والبطالة، وأدى ذلك لتصاعد مستويات التأييد الجماهيري لها وإطلاق مُسمى "المرأة الحديدية" The( ‪Iron Lady‬ ) عليها تعبيراً عن صلابتها في إدارة المواجهات العسكرية. 2- سياسات الكراهية: قد تقوم بعض الدول باختلاق العديد من الروايات السلبية حول الأعداء بغرض استمرار الكراهية الشعبية لهم، ولضمان أن تؤدي هذه الروايات الكاذبة إلى تأثير نفسي أكبر لدى الجمهور، حيث يدعي القادة وصانعو القرار أن التهديد موجه إلى المواطنين بصورة شخصية وليس إلى الدولة ذاتها ومصالحها لتصوير التهديد على أنه تهديد للبقاء والأمن الفردي.

فعلى سبيل المثال، نقلت صحفية "باتريوت" Patriot() الهندية الموالية للاتحاد السوفييتي عن مصادر في "الكي جي بي" في عام 1983 أن الولايات المتحدة الأمريكية قد بدأت تطور الإيدز لاستخدامه كسلاح ضد المدنيين العزل، وأعادت العديد من الصحف الموالية للاتحاد السوفييتي نشر هذه الرواية بما في ذلك الصحفية الأسبوعية الرسمية التي يصدرها الاتحاد السوفييتي، كما تم تداول هذه الرواية فيما يزيد على 80 دولة، وهو ما أدى لتشويه صورة الولايات المتحدة والتي أبدت احتجاجها على هذه الرواية، إلا أن الاتحاد السوفييتي ظل مصراً عليها ولم يتراجع عنها إلا بعد سنوات طويلة) .)

7 3- صناعة الصورة: تتجه بعض الدول للمبالغة والكذب فيما يتعلق بأوضاعها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، من أجل تحسين صورتها في الأوساط الداخلية والخارجية، وهو ما يترتب عليه الحصول على التأييد الشعبي في الداخل والقدرة على الدخول في علاقات مع الدول الأخرى وإبرام معاهدات واتفاقيات معها، وهو الأمر الذي فعلته اليونان حينما قامت بتخفيض تحكمي وغير واقعي لحجم العجز في موازنتها في تقاريرها التي قدمتها للاتحاد الأوروبي، وذلك بهدف الانضمام إلى منطقة اليورو، وهو ما اعتبر لاحقاً ضمن ممارسات تزييف تقارير الأداء الاقتصادي الرسمية) (، وينطبق الأمر ذاته على التناقض بين تركيز الرسمي

8 للولايات المتحدة على الديمقراطية وحقوق الإنسان، وشيوع الانتهاكات الحقوقية في الممارسات السياسية الأمريكية داخلياً ودولياً.

4- إخفاء التدخل الخارجي: كثيراً ما قد تقوم الدول بإخفاء تدخلها الخارجي في دول أخرى والتغطية على هذا التدخل بأكاذيب متعددة نظراً لما قد يثيره هذا التدخل من استياء شعبي بين مواطني الدولة، لاسيما في النظم الديمقراطية، وما قد يسببه من غضب عالمي ضد الدولة، وتوتر للعلاقات بينها وبين الدولة الأخرى، فعلى سبيل المثال، قامت الولايات المتحدة بإرسال طائرة تجسس أمريكية )U-2) للقيام باستطلاع الأوضاع في الاتحاد السوفييتي وذلك عام 1960، على الرغم من أنه كانت توجد تفاهمات ومشاورات بين الدولتين لتوقيع معاهدة للحظر الشامل للتجارب النووية، وبعد قيام قوات الاتحاد السوفييتي بإسقاط الطائرة رفضت الولايات المتحدة الاعتراف بأنها طائرة تجسس وادعت أنها طائرة لرصد الأحوال الجوية، وأنه كان من المخطط أن تتجه لتركيا لكن يبدو أنها ضلت طريقها واتجهت إلى الاتحاد السوفييتي) (، وهو

9 ما تكرر في حادثة إسقاط طائرة التجسس الأمريكية في الأجواء الصينية عام 2000، والخطاب التبريري للتدخل العسكري الروسي في جورجيا عام 2008 لتحجيم تمدد حلف الناتو في محيطها الحيوي. 5- المصلحة الوطنية: في ظل الفوضى التي تسود النظام الدولي تقوم الدول باتباع الوسائل الممكنة كافة لحماية مصالحها بما في ذلك إطلاق الأكاذيب، وتتضمن هذه المصالح ردع العدو، فقد تبالغ في تضخيم قدراتها العسكرية بهدف منع أي اعتداء عليها، فعلى سبيل المثال، زعم "خروتشوف" في عام 1957 بعد إطلاق بلاده أول صاروخ باليستي أن دولته تمتلك قدرات في هذا المجال تفوق الولايات المتحدة بهدف ردع حكومة "أيزنهاور".

وقد تتجه بعض الدول للتقليل من قدراتها لتحاشي استفزاز دولة أخرى، أو لكي تتوقف الدول الأخرى عن تطوير وتحسين قدراتها، وهو ما فعلته إسرائيل عندما أنكرت أنها تقوم بتطوير قدراتها النووية في الستينيات كي لا تتدخل الولايات المتحدة

يعرف "جون ميرشمير" الكذب باعتباره "فعل مخطط لخداع جمهور معن... ولا يتضمن الكذب فقط إدخال عناصر غير حقيقية إلى الرواية بل يحتوي أيض على ترتيب الأحداث بطريقة مضللة".

الأمريكية وتقوم بإلغاء هذا البرنامج.

كما قد تكذب الدولة على حلفائها فيما يتعلق بدولة أخرى في حالة إذا استشعرت بوجود تهديد من هذه الدولة، فتقوم بالمبالغة في إمكانياتها الحربية وإعداد روايات كاذبة عن نواياها العدوانية، وهو ما قامت به الولايات المتحدة الأمريكية في عام 2005 عندما شعرت بأن حلفاءها من الدول الآسيوية لا يأخذون تهديدات كوريا الشمالية على محمل الجدية، فاختلقت رواية كاذبة عن بيع كوريا الشمالية مادة اليورانيوم لليبيا) .)

10

ث�لث�ً: الاتج�ه�ت ال�ص�عدة للكذب في العلاق�ت الدولية

لم يعد من السهل على الدول اختلاق الروايات الكاذبة ونشرها في ظل تدفق المعلومات العابر للحدود وانتشار التسريبات، وتصاعد دور الأفراد العاديين في نشر الأحداث عبر مواقع التواصل الاجتماعي والمدونات، بيد أن هذا لا ينفي استمرار الكذب والتضليل في العلاقات الدولية بصور أكثر تعقيداً، كما أنه أصبح من الصعوبة تحديد المسؤول عن انتشار الروايات الكاذبة؛ إذ إن المواطن العادي أيضاً أصبح له دور في نشر هذه الروايات، بل وصنعها في بعض الأحيان، ومن ثم يمكن استعراض أبرز اتجاهات التحوّل في الكذب فيما يلي: 1- الحقائق البديلة: يعد مصطلح "الحقائق البديلة" Alternative( facts) من ضمن المصطلحات التي قدمتها الإدارة الأمريكية الجديدة؛ حيث بالغ "جون سبايسر"– المتحدث باسم البيت الأبيض– في تقدير أعداد المواطنين الذين حضروا حفل تنصيب الرئيس الأمريكي الجديد "دونالد ترامب"، وفي إطار دفاع "كيليان كونواي" مستشارة ترامب عن هذا الأمر قالت "إن شون سبايسر أعطى حقائق بديلة لما يزعم"، وقد أصرت على موقفها حتى بعد أن تم عرض أعداد الذين استقلوا القطارات صبيحة حفل تنصيب ترامب) .)

11 وعلى الرغم من الجدل الذي تسبب فيه تصريحها، فإن فكرة "الحقائق البديلة" في حد ذاتها لا تعد من الأطروحات الجديدة، فعلى سبيل المثال، يعتقد المحافظون الجدد أن غالبية المواطنين لا يستطيعون التعامل مع الحقائق بصورة صحيحة، وهو ما عبّر عنه "إيرفنج كرستول" أحد أهم منظري هذا التيار "هناك حقائق مختلفة وفق اختلاف الناس ... التصور بأن هناك حقيقة واحدة تناسب الجميع ليس إلا وهم الديمقراطية الحديثة وهو غير قابل للتطبيق") (، ويبدو أن هناك اتجاهاً جديداً لمأسسة ما يطلق عليه

12 "سياسة ما بعد الحقيقة" ‪Post-truth politics(‬ ) والادعاء بأن كل رواية تقابلها رواية مضادة، حتى وإن احتوت الرواية على أرقام وإحصائيات لا تقبل الشك. 2- الأكاذيب الشعبوية: تبنت التيارات القومية المتطرفة الصاعدة بقوة في الدول الأوروبية خطاباً شعبوياً مناقضاً للخطاب السياسي التقليدي الذي يتسم بالرزانة والعقلانية والاعتماد على الحقائق في بعض الأحيان وإن خالفت توجهات الجمهور، في حين تعتمد الخطابات الشعبوية على تقديم حلول مبسطة للخطابات، وصياغة روايات غير حقيقية تلاقي قبولاً من الجمهور وفي الوقت نفسه تعمل على خدمة مصالحهم) .)

13

ولا يقتصر ذلك على خطاباتهم فقط، حيث يقومون بتوظيف الإنترنت، ووسائل التواصل الاجتماعي المختلفة، والمواقع التابعة لهم، للترويج لادعاءاتهم، وترسيخ مغالطات منطقية) (، وهو ما

14 يتضح، على سبيل المثال، في خطاب ترامب الذي حاول فيه ترسيخ أكاذيب بلا دلائل عن المهاجرين من المكسيك إلى الولايات المتحدة الأمريكية إذ صرح بأن معظمهم من تجار المخدرات، والمجرمين) .)

15

3- الكذب الافتراضي: أدى كم المعلومات الهائل المتدفق عبر الإنترنت وصعوبة التحقق من شخصية المستخدمين إلى انتشار عدد كبير من الأكاذيب والمغالطات، وقد كان الاعتقاد الشائع في البداية أن هذه الأكاذيب قد تؤثر على العلاقات المجتمعية وعلاقات المواطنين بحكوماتهم، لكنها وصلت إلى درجة التأثير على العلاقات بين الدول من دون معرفة إذا كان مصدر الخبر مواطناً عادياً أو دولة تهدف إلى إثارة البلبلة، فعلى سبيل المثال، نشر أحد المواقع الإلكترونية في ديسمبر 2016 خبراً عن تهديد إسرائيل لباكستان بتوجيه ضربة نووية، وبناء على هذا قام وزير الدفاع الباكستاني "خواجة محمد آصف" بنشر تغريدة على موقع تويتر يهدد فيها إسرائيل باستخدام السلاح النووي) .)

16

4- حروب الصور: لم يعد الكذب مقتصراً على الخطابات والنصوص المكتوبة فقط، إذ يتم توظيف الصور المفبركة أو الصور التي تم التقاطها في سياق مختلف لخدمة قضية معينة، وهو ما يمكن أن يطلق عليه حرب الصور ‪Image warfare(‬ ،)

وعادة ما يتم توظيف هذه الصور في الحروب غير المتماثلة ‪Asymmetric wars(‬ ) من قبل الفاعلين من غير الدول بهدف كسب التعاطف الدولي لصالحهم، واستقطاب المؤيدين من دول مختلفة، وهو ما اعتمدت عليه بعض الجماعات الإرهابية في إطار الأزمة السورية، كما قد يستخدمها بعض الفاعلين من غير الدول لإظهار قدراتهم واستعراض قوتهم، وهو ما أشار إليه "سكوت ماكدونالد" في كتابه المعنون "الدعاية وحرب المعلومات في القرن الحادي والعشرين" حيث أشار إلى "تزايد استخدام الصور الكاذبة في الحروب بهدف اكتساب ميزة نسبية ضد القوات العسكرية المتفوقة مثل جيش الولايات المتحدة الأمريكية") .)

17 5- التسريبات المزيفة: كشفت موجات تسريبات الوثائق الرسمية والمحادثات الهاتفية وانتشارها على شبكات التواصل الاجتماعي، عن تشكل مساحات افتراضية لتداول المعلومات تفتقد للضوابط أو سلطة مركزية تنظم تدفق المعلومات وتضمن دقتها وصحتها، مما أدى لاستغلال بعض الفاعلين للمجال الافتراضي في نشر تسريبات مزيفة للتشكيك في مصداقية ونزاهة بعض القيادات وتحقيق مكاسب سياسية في الصراعات السياسية المحتدمة داخل بعض الدول، وقد يكون هدف هذه التسريبات المزيفة تقويض شرعية نظم الحكم وإضعاف التأييد الجماهيري للقيادات.

ويرتبط ذلك بظاهرة "الفوضى الافتراضية" التي مكنت الأفراد والجماعات المختلفة من تأسيس منصات إعلامية من دون ضوابط تنظيمية أو ضمانات للمهنية والمصداقية، بحيث تغيب الحقائق المطلقة وسط ركام هائل من المعلومات التي لا يمكن التحقق من صحة أيٍ منها، خاصة في ظل تزايد عمليات الترويج لمعلومات غير دقيقة أو شائعات عبر المساحات الافتراضية والتناقضات في محتوى المعلومات وعدم جود قيود المعايير المهنية وقواعد الممارسة الإعلامية على منصات الإعلام البديل التي تدار بواسطة الأفراد.

إجمالاً، من المرجح أن تتزايد تجليات الكذب في السياسة نتيجة فوضي المعلومات والإعلام الناتجة عن انتشار الشبكات العابرة للحدود ومواقع التواصل الاجتماعي ومنصات الإعلام البديل، وتصاعد الاستقطاب السياسي والصراعات الداخلية وانتشار العداء والصدام بين القوى الدولية والإقليمية، وهو ما سيؤدي في المحصلة النهائية لتفاقم "معضلة المصداقية" وانتشار أزمات الثقة وثقافة التشكيك في المجتمعات والتنظيمات الدولية، واتجاهات الانعزالية والاعتماد على الذات في العلاقات الدولية.

Newspapers in Arabic

Newspapers from UAE

© PressReader. All rights reserved.