الشك:

مؤشرات تصاعد عدم الثقة في العلاقات بن الدول

Trending Events - Future Concepts - - خبير بمركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرا - محمد عباس ناجي

يكتسب مصطلح "الشك" أو "عدم الثقة" أهمية خاصة في العلاقات الدولية، لاسيما أنه يرتبط بمفهوم الصراع، الذي كان ولا يزال يمثل متغيراً رئيسياً في التفاعلات الدولية منذ نشأة الدولة، وبات محوراً أساسياً في بعض النظريات الأكاديمية الرئيسية في هذا المجال، التي انقسمت بين اتجاه يعلي من تأثيره في التفاعلات الدولية على غرار النظرية الواقعية، واتجاه آخر يقلص من أهميته بالمقارنة بمتغيرات أخرى، مثل التعاون والسلام، والتي ترتبط بدورها بمصطلح "الثقة"، على غرار النظرية الليبرالية.

واللافت في هذا السياق، هو أن الاهتمام الأكاديمي بتأثير "الشك" في العلاقات الدولية لم يبدأ، في الغالب، إلا خلال فترة الحرب الباردة وما بعدها. ويعتبر كتاب "أندرو كيد" Andrew( kydd،) الذي قام بتأليفه في عام 2005، بعنوان "الثقة وعدم الثقة في العلاقات الدولية" ‪Trust and Mistrust in(‬ ‪،)International Relation‬ أحد أهم وأبرز الأدبيات الأكاديمية التي تناولت تأثير الشك على العلاقات الدولية، خاصة خلال فترة الحرب الباردة.

ويمكن تعريف "الشك" على أنه "حكم قيمي تصدره الدولة يقوم على عدم الثقة في وعود الطرف الآخر، والاعتقاد بأنه يريد الإضرار بالدولة ومصالحها") (. ويرى "كيد" أن عدم الثقة يساهم

1 في اندلاع الحروب وتصعيد حدة الصراع والتوتر، وذلك لأن بعض الفواعل الدولية قد تقوم بشن حروب وقائية ضد دول أخرى تشك في نواياها، وذلك استباقاً لإمكانية قيام الأخيرة بشن تلك الحروب مستقبلاً) .)

2 وبالتوازي مع ذلك، ظهرت خلال فترة الحرب الباردة مبادئ عديدة أعلت من دور وتأثير متغير الشك في العلاقات الدولية، على غرار مبدأ "ثق لكن تحقق" ‪Trust but Verify(‬ ،) الذي تبناه الرئيس الأمريكي الأسبق رونالد ريجان، منذ عام 1986 في التعامل مع السياسات التي كان يتخذها الرئيس السوفييتي الأسبق ميخائيل جورباتشوف، بعد الأزمات الدولية المتعددة التي كادت أن تهدد باندلاع حرب عالمية ثالثة بين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفييتي على غرار أزمة خليج الخنازير) .)

3 وسرعان ما بدأت اتجاهات أخرى، خاصة داخل الولايات المتحدة الأمريكية، في توجيه انتقادات إلى هذا المبدأ، باعتبار أنه لا يتسامح مع المعطيات التي تفرضها التفاعلات الجارية على الساحة الدولية، والتي تشير إلى أنه لا يمكن الثقة في السياسات التي تنتهجها بعض الدول، في ظل تبنيها أهدافاً وسياسات تناقض التوجهات الأمريكية.

وقد ظهرت هذه الانتقادات تحديداً بداية من عهد إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق جورج دبليو بوش، والتي اتبعت سياسة يمينية متشددة، خاصة تجاه بعض الدول على غرار كوريا الشمالية وإيران، التي قامت بتطوير برامجها النووية. وهنا، بدأت تلك الإدارة في انتهاج مبدأ "لا تثق.. تحقق فقط" ‪Never Trust(‬ ‪)only Verify‬ (، في التعامل مع كلتا الدولتين اللتين وضعتهما

4( فيما يسمى ب"محور الشر"، منذ عام 2002.

اأولاً: موؤ�صرات �صعود الحذر

يمكن القول إن التطورات التي تشهدها الساحة الدولية خلال الفترة الحالية أضفت نوعاً من الوجاهة والزخم من جديد على مصطلح "عدم الثقة" باعتباره متغيراً رئيسياً في التفاعلات الجارية على تلك الساحة، وذلك لاعتبارات أربعة رئيسية: يتمثل أولها، في حرص بعض الدول على العودة من جديد إلى تبنى مبدأ "ثق، لكن

تحقق" في تفاعلها مع التطورات الدولية والإقليمية المختلفة.

فخلال زيارتها واشنطن في 27 يناير 2017، دعت رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي الرئيس الأمريكي الجديد دونالد ترامب إلى اتباع سياسة حذرة في التعامل مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، واستدعت في هذا السياق القاعدة التي تعامل على أساسها الرئيس ريجان مع نظيره السوفييتي جورباتشوف. وفي هذا السياق قالت ماي: "عندما تتحدث عن روسيا فمن الحكمة أن تتخذ الرئيس ريجان مثالاً، فقد اعتاد على اتباع قاعدة "ثق لكن تحقق" في مفاوضاته مع الرئيس جورباتشوف"، مضيفة: "مع الرئيس بوتين، نصيحتي.. تعاون لكن بحذر") .)

5 ويتعلق ثانيها، بسعي بعض الاتجاهات إلى تقديم تبريرات مختلفة لتفسير أسباب إقدام إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش على اتخاذ قرار الحرب ضد العراق من أجل إسقاط نظام صدام حسين، في عام 2003، حيث أرجعت ذلك إلى اعتقاد الإدارة أن عدم إسقاط النظام العراقي سوف يكرس حالة "عدم الثقة" في قدرات القوة العظمى الوحيدة في العالم) (، سواء لدى

6 خصومها أو حلفائها، على اعتبار أن بقاء هذا النظام في السلطة، وفقاً لتلك الاتجاهات، يمثل تحدياً لتلك الإدارة ويهددها بفقدان مصداقيتها لدى حلفائها وخصومها في آن واحد.

وينصرف ثالثها، إلى استدعاء إدارة الرئيس الأمريكي المنتهية ولايته باراك أوباما ومؤيديها هذا المبدأ من جديد لتبرير إقدام الإدارة على المشاركة في الوصول إلى الاتفاق النووي مع إيران في 14 يوليو 2015، لكنه لم يحظ بقبول من جانب أطراف سياسية عديدة، داخلية وخارجية، والتي سرعان ما وجهت انتقادات حادة إلى أوباما على اعتبار أن الاتفاق لا يتضمن آليات كافية للتحقق من التزام إيران بالاتفاق) .)

7 ويرتبط رابعها، بالتأثيرات التي فرضتها التصريحات التي أدلى بها الرئيس الأمريكي الجديد دونالد ترامب، قبل وبعد الانتخابات الرئاسية الأمريكية في نوفمبر 2016، وكشف فيها عن رؤيته للعلاقات الأمريكية – الأوروبية، ومستقبل حلف الأطلنطي، والتي دفعت بعض المسؤولين الأوروبيين إلى الحديث عن "أزمة ثقة" في العلاقات الأمريكية – الأوروبية بعد تولي إدارة ترامب مهامها في 20 يناير 2017.

ث�ني�ً: اأ�صب�ب غي�ب الثقة

يمكن تفسير تصاعد تأثير مفهوم عدم الثقة في العلاقات الدولية في ضوء اعتبارات عديدة يتمثل أبرزها في: 1- تصاعد الأزمات الدولية: وهو ما بدا جلياً في الخلافات الروسية – الأوروبية، والتي تصاعدت حدتها في فبراير 2014، بسبب السياسة التي تبنتها روسيا في التعامل مع الأزمة الأوكرانية، واتجاه موسكو إلى توظيف إمدادات الغاز الطبيعي إلى أوروبا كأحد أوراق الضغط خلال تلك الأزمة. 2- الذاكرة التاريخية السلبية: مازالت المشكلات التاريخية تمثل حافزاً لاستمرار تأثير متغير "عدم الثقة" في العلاقات بين الفاعلين الدوليين، وهو ما يعكسه الجدل المتصاعد داخل إيران حول العلاقات مع الولايات المتحدة الأمريكية، خاصة بعد الوصول إلى الاتفاق النووي في يوليو 2015 ورفع العقوبات المفروضة عليها في يناير 2016.

فهناك اتجاهات متشددة داخل إيران مازالت تتمسك باستمرار العداء مع ما يسمى ب"الشيطان الأكبر"، في ظل الأدوار التدخلية التاريخية التي قامت بها، على غرار دورها في الإطاحة برئيس الوزراء الإيراني الأسبق الدكتور محمد مصدق في عام 1953، ثم دعمها للعراق في الحرب مع إيران، إلى جانب إسهامها في رفع مستوى العقوبات المفروضة على إيران بداية من عام 2006 وحتى عام 2016.

واللافت في هذا السياق، هو أن عدم الثقة يمتد أحياناً إلى الحلفاء، الذين يتبنون سياسة تتوافق جزئياً مع مصالح إيران، على غرار روسيا. فعلى الرغم من الدعم الروسي لإيران، سواء في الملف النووي أو في الأزمة السورية، فإن ذلك لا ينفي أن ثمة مخاوف إيرانية تظهر بين الحين والآخر من خطورة التعويل على روسيا، كظهير دولي داعم لها في مواجهة الضغوط الخارجية.

ويستند أنصار هذا الرأي إلى أن روسيا كانت أحد مصادر تهديد الأمن القومي الإيراني على مدار عقود عديدة، خاصة خلال فترات الحروب التي اندلعت بين الدولتين. وقد تصاعد الحديث داخل إيران عن فقدان الثقة في "الصديق" الروسي عقب إعلان موسكو، في 16 أغسطس 2016، عن استخدام بعض مقاتلاتها وقاذفاتها قاعدة "نوجه" الجوية الإيرانية لتوجيه ضربات عسكرية داخل الأراضي السورية، حيث قال وزير الدفاع الإيراني حسين

دهقان إن إعلان روسيا عن هذا الأمر يمثل "خيانة للثقة") (، في

8 إشارة إلى أن هذه الخطوة تمت من دون تنسيق مع إيران. 3- النكوص عن الالتزامات: وهو ما انعكس في بعض المواقف التي اتخذتها إدارة الرئيس الأمريكي المنتهية ولايته باراك أوباما إزاء التعامل مع بعض الملفات الإقليمية في الشرق الأوسط، على غرار الملف السوري، إذ إن إسقاط إدارة أوباما ما يمكن تسميته ب"الخطوط الحمراء"، ساهم في اتساع نطاق عدم الثقة في علاقاتها مع الدول الحليفة في المنطقة على غرار تركيا.

وقد زاد من حدة ذلك، رفض الإدارة السابقة السياسة التركية في سوريا، خاصة فيما يتعلق بإقامة منطقة عازلة في شمال سوريا، فضلاً عن الدعم الذي قدمته الإدارة لأكراد سوريا، لاسيما "قوات سوريا الديمقراطية" و"وحدات حماية الشعب الكردي" في مواجهة تنظيم "داعش"، وتعتبر أنقرة المنظمتين متورطتين في دعم تنظيم "حزب العمال الكردستاني" الإرهابي، وقد عبر وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو عن ذلك بقوله في 4 يناير 2017، إن "الولايات المتحدة شريك مهم لنا ولدينا تعاون معها في المجالات كافة، لكن هناك حقيقة واقعة الآن وهي أننا نعاني أزمة ثقة معها") .)

9 4- اضطراب التحالفات التقليدية: إذ يبدو أن الانتقادات القوية التي وجهها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، خلال فترة الحملة الانتخابية، إلى الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو، سوف تفرض تداعيات سلبية مباشرة على العلاقات الاستراتيجية بين الطرفين التي تقوم في الأساس على مبدأ الثقة، حيث قال ترامب في هذا السياق إن "الاتحاد يتجه إلى التفكك"، وإنه "لن يبالي إذا حدث ذلك"، إلى جانب اعتباره خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بأنه "تطور عظيم"، وأن "حلف الأطلنطي عفا عليه الزمن") ،)

10 وذلك في إطار تبنيه سياسة مهادنة تجاه روسيا، وهو ما يعزز حالة عدم الثقة حيال توجهاته تجاه أوروبا.

ث�لث�ً: اإجراءات بن�ء الثقة

يمكن الإشارة إلى مجموعة من الآليات التي يمكن الاستناد إليها في مواجهة اتساع نطاق عدم الثقة في العلاقات الدولية، وذلك على النحو التالي: 1- الالتزام بالسياسات المعلنة: إذ إن تعمد بعض الدول اتخاذ خطوات إجرائية مناقضة لالتزاماتها المعلنة، يزيد من تأثير عدم الثقة في العلاقات الدولية، على غرار إيران، التي تواصل تدخلاتها في الشؤون الداخلية لدول المنطقة وتهديد أمنها ومصالحها، على الرغم من تأكيد مسؤوليها المستمر على التزامها بسياسة حسن الجوار ورغبتها في تحسين علاقاتها معها، من دون أن تكون هناك مؤشرات على الأرض تؤكد ذلك. 2- تفعيل دور المنظمات الإقليمية والدولية: إذ إن الصراعات والخلافات بين الفواعل الدولية الرئيسية فرضت تأثيرات سلبية على أدوار المنظمات الإقليمية والدولية وجهودها في تسوية الأزمات المختلفة، بشكل ساهم في توسيع نطاق عدم الثقة على الساحة الدولية. ومن هنا، فإن دعم أدوار تلك المنظمات وتأييد جهود مبعوثيها في مناطق الأزمات من الممكن أن يساهم في الوصول إلى مرحلة بناء الثقة التي قد تمهد المجال أمام تسوية الأزمات الإقليمية المختلفة. 3- التركيز على الملفات التي تحظى بتوافق مشترك: وذلك من خلال التركيز على مواجهة التهديدات الأمنية التي تنعكس سلباً على الدول بصفة عامة، مثل الإرهاب، إذ إن رفع مستوى التنسيق والتعاون في هذا المجال، سيساهم تدريجياً في تقليص حدة عدم الثقة ويساهم في علاج الخلافات والصراعات بين القوى المعنية بتلك القضية. 4- توسيع نطاق التعاون الاقتصادي والثقافي: على أساس أن رفع مستوى العلاقات على المستويين الاقتصادي والثقافي يمكن أن يساعد في تقليص حدة التوتر والصراع على المستوى السياسي، بما يساهم في دعم فرص تقليص عدم الثقة في العلاقات بين الدول المختلفة.

وفي النهاية، ربما يمكن القول إن تأثير عدم الثقة في التفاعلات الدولية يبدو أنه سوف يستمر، إن لم يكن سيتصاعد خلال المرحلة القادمة، في ظل عزوف كثير من الفواعل الدولية عن الالتزام بتعهداتها، وتقييد نشاط المنظمات الإقليمية والدولية، وتراجع تأثير المتغيرات الاقتصادية والثقافية، إلى جانب اتساع نطاق الخلافات حول العديد من الملفات الإقليمية والدولية التي تحظى باهتمام تلك الدول.

Newspapers in Arabic

Newspapers from UAE

© PressReader. All rights reserved.