التفاعلات الحرجة:

محددات وأنماط التفاوض مع جماعات العنف المسلح

Trending Events - Future Concepts - - باحث متخصص في الدراسات الأمنية وشؤون مكافحة الإرها -

يعد الموقف المبدئي الذي تتبناه أغلب دول العالم في مواجهة جماعات العنف المسلح أو الإرهاب هو رفضها التام الدخول في مفاوضات معها، وذلك رداً على تبنيها العنف، غير أن الواقع العملي يكشف أن العديد من الدول، وإن رفضت التحاور مع من تعتبرهم إرهابيين، فإنها قامت بالفعل بالدخول في مفاوضات معهم.

وتتمثل الأمثلة الشهيرة في هذا الإطار احتفاظ الحكومات البريطانية المتعاقبة بقنوات خلفية للتفاوض مع الجيش الجمهوري الإيرلندي، حتى بعد قيامه، بالهجوم بالمدفعية على مقر رئاسة الحكومة البريطانية في داونينغ ستريت خلال اجتماع وزاري سنة 1991، وقيام الحكومة الاسبانية بالجلوس مع ممثلي الحركة الانفصالية "إيتا" في عام 1988، وذلك بعد ستة أشهر من قيامها باستهداف متجر قتل فيه حوالي 21 من المتسوقين) .)

1 ويلاحظ أن الدول تتفاوض مع جماعات الإرهاب المحلي، ولا ينصرف إلى الجماعات الإرهابية العابرة للحدود الوطنية ذات المطالب الأيديولوجية غير العاقلة، خاصة أن التفاوض مع مثل تلك الجماعات يشجعها على التمادي في إرهابها) .)

2

اأولً: حوار اأم تفاو�ض؟

ينبغي التمييز في البداية بين الحوار والتفاوض. فالحوار لا يشترط تدخل الدولة فيه دائماً، إذ من قبيل الحوار تأتي مقابلات الباحثين والصحفيين مع أعضاء وقيادات الحركات المسلحة والإرهابية، سواء كانت بعد القبض عليهم داخل السجون، أو خارجها، ويتمثل الهدف الأساسي من مثل هذا الحوار في فهم نفسية وأهداف الجماعات الإرهابية والمسلحة.

أما التفاوض فيقتصر على الدولة، أو كيانات وسيطة، ويقصد به "الدخول في مفاوضات مع الجماعات الإرهابية أو المسلحة، بغرض إنهاء أو وقف عملياتها الإرهابية". وغالباً ما تكون أحد أهم الأسباب الدافعة للجوء الدولة لمثل هذا الأسلوب، هو عدم قدرتها على وقف العمليات الإرهابية، باستخدام الأساليب الأمنية والعسكرية، أو الحاجة إلى الجمع ما بين التفاوض والعمليات العسكرية لحسم الصراع، ومن ذلك المفاوضات التي تمت بين الحكومة البريطانية و"الجيش الجمهوري الإيرلندي"، والتي أدت في النهاية إلى توقيع "اتفاق سلام" عرف باسم "اتفاق الجمعة الجيد" ‪)Good Friday Agreement(‬ في عام 2007.

ثانياً: الموقف من التفاو�ض

يوجد اتجاهان للرأي حول قضية التفاوض مع الجماعات الإرهابية، يرفض الاتجاه الأول فكرة التفاوض، ويرجع ذلك لسببين أساسيين، وهما: أن التفاوض يمثل مكافأة للسلوك الإجرامي والعنيف، الذي تتبناه الجماعات الإرهابية، فإذا ما نجحت الجماعة في تحقيق أهدافها من خلال توظيف العنف، فإنها سوف تلجأ إليه في المستقبل. وعلى الجانب الآخر، فإن رفض الدولة التفاوض مع الجماعات الإرهابية، سوف ينزع الحوافز لدى الجماعة باستهداف الدولة مستقبلاً) .)

3 أما أنصار الرأي القائل بضرورة التفاوض مع الإرهابيين، فيرى أن هناك فوائد من هذه العملية تتمثل في فهم أسباب لجوء التنظيم وعناصره إلى الإرهاب، وذلك من خلال استنطاق الفواعل أنفسهم، سواء من أعضاء سابقين في منظمات مسلحة أو مسلحين نشطين فيها) (، ولربما كان لحدوثها في أسرع وقت وبأنسب

4 الطرق تأثير فعال في محاربة الإرهاب والعنف المسلح.

وفي حالة فشل التفاوض مع الجماعات الإرهابية، يرى أنصار هذا الرأي أن عملية التفاوض تمد الدولة بمعلومات مهمة عن قيادة التنظيم الإرهابي، وهيكله التنظيمي، وأيديولوجيته، كما قد يمد الدولة بفرصة تجنيد أفراد داخل التنظيم يعملون لصالح الدولة، بالإضافة لما يترتب عليه في بعض الحالات من زعزعة الاستقرار داخل التنظيم، خاصة إذا ما انقسم التنظيم داخلياً بين من يؤيد التفاوض ومن يعارضه، وهو ما قد يزرع الشك لدى قيادة التنظيم من إمكانية وقوع خيانة، وانشقاق بعض العناصر من التنظيم) .)

5 ومن جهة أخرى، فإن الدخول في عملية تفاوض، يدعم جناح المعتدلين، ويضعف التأييد للجماعات الإرهابية في وسط حواضنها المجتمعية، كما أن جناح المعتدلين قد يسعى للضغط على الجناح المتشدد داخل التنظيم الإرهابي من أجل التوصل لتسوية سلمية) .)

6 وفي هذا الإطار يشير بريان مايكل، المحلل المتخصص في شؤون الإرهاب، إلى أن موقف الرفض التام السياسي للتفاوض مع الإرهابيين واعتبار ذلك مبدأً راسخاً لا يمكن التنازل عنه، ما هو إلا "فخ أيديولوجي") (، بعيد كل البعد عن الواقع السياسي الذي

7 يعكس الفوائد الكثيرة المترتبة على هذه العملية.

ثالثاً: محددات نجاح التفاو�ض

تذهب "نظرية الاستعداد" ‪Readiness Theory(‬ ) إلى أن الدول تلجأ إلى خيار التفاوض مع الجماعات الإرهابية، عند توفر شرطين أساسيين، هما: 1- جمود الصراع: أي أن الصراع لا يمكن تحقيق الانتصار فيه، أو أن يسود قناعة بأن استمرار الصراع سوف تترتب عليه هزيمة الدولة أو الجماعة الإرهابية في النهاية، فمثلاً بدأت حكومة جنوب أفريقيا في التفاوض مع نيلسون مانديلا عندما أيقنت عجزها عن احتواء العصيان المدني للسود، فضلاً عن فشلهم في إقناع بعض من جماعات السود بالتحالف مع البيض ضد مانديلا) .)

8 2- توقع التوصل إلى تسوية مقبولة: أي أن الطرفين سيكونان على استعداد للتوصل إلى حلول وسط، وعلاج الصراع القائم، وغالباً ما تلجأ الدول إلى قنوات التواصل الخلفية للتأكد من وجود فرص جيدة لتسوية الصراع، وبعدها، فقد تلجأ إلى المفاوضات العلنية) .)

9 وتجدر الإشارة هنا إلى أن المسارعة في تقديم تنازلات للجماعة الإرهابية كبادرة على حسن النية، قد يؤدي إلى نتائج عكسية، ومن ذلك قيام الحكومة الكولومبية في عام 1998، بالموافقة على إنشاء منطقة منزوعة السلاح، حيث يمكن لحركة الفارك المسلحة الوجود بها بدون تدخل من الحكومة، وذلك قبل قبول حركة الفارك الجلوس على طاولة المفاوضات، وهو ما أغرى المتشددين داخل الحركة بالتعنت في مفاوضات السلام، وهو ما دفع الحكومة إلى استعادة المناطق المنزوعة السلاح في عام 2002 عسكرياً) .)

10

رابعاً: اأنماط التفاو�ض مع الإرهابيين

يعد التمهيد للحوار والتفاوض مع الجماعات الإرهابية أصعب المراحل، إذ دائماً ما تحيط بتلك الخطوة العديد من المخاطر، حيث إن الإقدام عليها من دون التخطيط واتخاذ إجراءات احترازية، يمكن أن تترتب عليها تداعيات سلبية تهدد شرعية النظام السياسي بأكمله، كما أنها قد تكون تكتيكاً تهدف الجماعة الإرهابية من ورائه إلى كسب الوقت، والتقاط الأنفاس، حتى تشرع في إعادة تسليح نفسها بشكل أكبر لجولة تالية من المواجهات.

وفي ضوء التحديات السابقة، فإنه يجب على الدولة أن تقوم بإجراء تقييم شامل لتلك الجماعات قبل البدء في التفاوض معها. بحيث يكون من المعروف مسبقاً أي الأطراف يحظى بثقل داخل التنظيم ويمتلك تأثيراً ونفوذاً واسعين فيه، إضافة إلى تقييم مدى استعدادها بالفعل لعقد نوع من أنواع المصالحة أو الاتفاقات الساعية لترسيخ السلام.

ووفقاً لدانيال بايمان، الخبير المتخصص في مكافحة الإرهاب، فإن أنماط التفاوض مع الجماعات الإرهابية تتمثل في التالي: 1- دبلوماسية البيان ‪:)Diplomacy by declaration(‬ وهي أحد الأساليب الشائعة في التفاوض مع الجماعات الإرهابية من دون أن تكون هناك محادثات رسمية، وتقوم الحكومة في تلك الحالة بإصدار بيان رسمي تلمح فيه بإمكانية إجراء محادثات، إذا ما قدمت الجماعة الإرهابية تنازلات معينة، وغالباً ما يكون الإعلان غامضاً، ولا يعطي تفاصيل محددة، مثل إصدار قادة المملكة المتحدة وجمهورية إيرلندا بيان "داوننج ستريت" Downing(

‪street declaration‬ ،) والذي عرض على الجيش الايرلندي الجمهوري دوراً في المفاوضات حول مستقبل إيرلندا الشمالية إذا ما أوقف العمليات الإرهابية. -2 دبلوماسية الصوت العالي Megaphone( :)Diplomacy وتقوم الحكومة أو الجماعة الإرهابية بإجراء حوار صحفي، أو تشجيع نشر تقارير إعلامية، التي تنقل رسالة كل طرف حول الشروط التي يجب أن يلتزم بها الطرف الآخر لبدء المفاوضات، وتمكن هذه الاستراتيجية الحكومة والجماعة الإرهابية من إجراء محادثات، بعد التأكد من استعداد الطرف الآخر لتقديم تنازلات. 3- الاعتماد على وسطاء موثوق بهم: والذين يقومون سراً بنقل رسائل بين الدولة والجماعات الإرهابية، وقد تستخدم الحكومة في ذلك وسطاء من حكومات أجنبية، أو أعضاء من الجماعة الإرهابية موثوق بهم، وتتمثل الميزة الأساسية في أن مثل هؤلاء الوسطاء يمكن التبرؤ منهم، نظراً لعدم وجود روابط رسمية تربطهم بالحكومة، وعلى سبيل المثال، فإن الحكومة البريطانية والجيش الجمهوري الأيرلندي تفاوضا على مدار سنوات من خلال رجل الدين أليكس ريد، والذي كان يثق فيه الطرفان. 4- التفاوض من خلال ضباط المخابرات أو غيرهم من المسؤولين: وتعد ميزة هذا الأسلوب في أنه الأقل تكلفة سياسياً مقارنة بالاتصال العلني بالجماعة الإرهابية، كما أنه يعكس جدية الحكومة في التفاوض عن الأساليب الأخرى، ولكن عيب هذا الأسلوب أنه قد يسبب إحراجاً كبيراً للحكومة، إذا ما تم تسريب معلومات عن تلك اللقاءات السرية إلى الإعلام، خاصة إذا ما كانت الحكومة تنكر وجود أي نوع من الاتصالات مع الجماعات الإرهابية. 5- التفاوض مع الجناح السياسي للجماعة الإرهابية: إذا كانت الاتصالات المباشرة مع الإرهابيين صعبة أو تلاقي اعتراضات كبيرة، فإن الحكومة يمكن أن تتحاور مع الجناح السياسي للجماعة الإرهابية، بل ويمكن أن تلعب دوراً في إنشائه، وذلك كوسيلة للتحاور مع الجماعة الإرهابية، ومثال ذلك سماح بريطانيا بتكوين حزب شين فين ‪Sinn Fein(‬ ) على الرغم من إدراكها جيداً أنه مجرد غطاء لمجلس حرب الجيش الجمهوري الإيرلندي، وتتمثل الميزة في أنه يمكن التفاوض معهم بتكلفة سياسية محدودة) .)

11

الخاتمة

في النهاية، يبدو جلياً أن فتح قنوات التواصل والحوار كخطوة أولى، ثم دخول الدولة في مفاوضات مع الجماعات المسلحة هو خيار تلجأ إليه الدول أحياناً، لمحاولة تجنب التكلفة المادية والبشرية المترتبة على استمرار العمليات الإرهابية، غير أنه يجب الأخذ في الاعتبار أن الدول غالباً ما تلجأ إلى اتباع هذا الأسلوب في مواجهة التنظيمات الإرهابية الداخلية، التي لا تتبنى أجندة عابرة للحدود الوطنية مثل "داعش" أو القاعدة.

ومن جهة ثانية، فإنه يجب الأخذ في الاعتبار أنه لا يتم الارتكان إلى أسلوب التفاوض وحده، ولكن غالباً ما يتم الجمع بين الضغط العسكري والتفاوض، كما أنه لا يجب إغفال حقيقة أن الدول، في بعض الحالات، رفضت التفاوض مع الجماعات الإرهابية، وفضلت انتهاج أسلوب الحسم الأمني والعسكري، في مواجهة تلك الجماعات وتنجح في ذلك مثل روسيا.

وفي الحالات، التي انتهجت الدول فيها خيار التفاوض مع الجماعات الإرهابية، فإنه لا يجب إغفال المخاطر المترتبة على ذلك، والتي تأتي من الغضب الشعبي من فكرة التفاوض مع الجماعات الإرهابية، خاصة إذا ما تورطت في عمليات سقط فيها مدنيون، أو استغلالهم لخيار التفاوض كوسيلة لكسب مزيد من الوقت لترتيب صفوفهم، ورفع الضغط الأمني والعسكري المفروض عليهم وأخيراً، لا يجب إغفال أن لجوء الدول للتفاوض لن يكلل بالضرورة بالنجاح، فقد تنهار المفاوضات، وتعود الدول حينها إلى الخيار الأمني والعسكري مرة أخرى.

شريف محيي الدين باحث متخصص في الدراسات الأمنية وشؤون مكافحة الإرهاب

Newspapers in Arabic

Newspapers from UAE

© PressReader. All rights reserved.