‪History Cycles‬

الجدل حول تكرار الظواهر التاريخية في النظام العالمي

Trending Events - Future Concepts - - مفاهيم المستقبل مدرس العلوم السياسية المساعد - جام -

تثير الأحداث التاريخية الكبرى، مثل الحروب العالمية والثورات والصراعات الداخلية وسباقات التسلح، اتجاهات متعارضة حول إمكانية تكرارها في فترات لاحقة وسياقات مختلفة، ولقد انعكس هذا الجدل على نظريات العلاقات الدولية التي تعرضت لظواهر، مثل صعود وانحدار القوى الكبرى، وتغير بنية النظام الدولي والحروب العالمية، بحيث أضحى تحديد رؤيتها لتطور التاريخ ركناً أساسياً من افتراضاتها حول التفاعلات الدولية.

اأولاً: اأنماط تكرار الظواهر التاريخية الكبرى

استند "فرانسيس فوكوياما" إلى فلسفة "التقدم التاريخي"، حينما جادل في مقاله الشهير "نهاية التاريخ" بانقضاء التطور الاجتماعي والسياسي للبشرية، وتراجع سياسات القوة التقليدية على خلفية سقوط الاتحاد السوفييتي.

وفي هذا السياق طرح فوكوياما رؤيته حول نهاية التاريخ وتتويجه بانتصار الديمقراطية الليبرالية ممثلةً في ثالوث الحكومات المنتخبة، والحقوق الفردية، والرأسمالية. بينما رأت "جينفر ويلش" وآخرون أن عودة التاريخ ترتبط بتجدد الممارسات التي اعتقد كثيرون أنها تم محوها، ومنها: عمليات الإعدام العشوائية، ومحاولات إبادة الأقليات العرقية والدينية، وغيرها) .)

1 وتؤكد بعض الأدبيات أن القارة الأوروبية تشهد نمطاً آخر من عودة التاريخ مع انحسار العصر الذهبي للاندماج الأوروبي نتيجة تفاقم أزمة اليورو وانسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي وصعود التيارات اليمينية والقومية المتطرفة) (، وفي هذا الإطار تتمثل أهم

2 تجليات عودة التاريخ فيما يلي: 1- الحرب الباردة الجديدة: تشير بعض الأدبيات إلى اندلاع "حرب باردة جديدة" في وسط وشرق أوروبا بفعل التناقضات بين سياسات تعزيز الديمقراطية الأمريكية وسياسات دعم التيارات القومية الروسية) (. كما تكرر طرح مصطلح "الحرب الباردة الجديدة"

3 عقب التدخل العسكري الروسي في جورجيا، والأزمتين الأوكرانية والسورية) (، إذ ترى روسيا أن بإمكانها إعادة ترسيخ نفوذها كقوة

4 عظمى عالمية وإحياء الإمبراطورية الروسية) .)

5 وعلى الرغم من تصاعد الجدل بشأن عودة الحرب الباردة من جديد، فإن السمة المميزة للعلاقات الأمريكية - الروسية هي صراع المصالح لا الصراع الأيديولوجي، مما يزيد من عدم انطباق نموذج الحرب الباردة والاستقطاب الثنائي على الوضع الراهن للتفاعلات الدولية) .

)6 وفي هذا السياق، دفع بعض الدارسين بأن الصراعات بين القوى الكبرى ليست عالمية أو أيديولوجية) (. فعلى سبيل المثال، جادل

7 "روبرت ليجفولد" بعدم إمكانية العودة إلى الحرب الباردة بصورتها التقليدية لعدم وجود صراعٍ أيديولوجي بين قوتين عظميين. ويرى أن العلاقة الحالية بين روسيا والولايات المتحدة تعتمد بشكلٍ كبير على الهويات المتعارضة من منظورات قومية، وترتكز على الذاكرة التاريخية لهوية كل طرف) .)

8 2- صراعات المحاور الإقليمية: تؤكد بعض الاتجاهات أن الصراعات بين القوى الإقليمية في منطقة الشرق الأوسط تمثل عودة للصراعات التي شهدها الإقليم تاريخياً بين محوري الاستقرار الإقليمي والتغيير الراديكالي ومعسكري "الاعتدال" و"الممانعة"، كما عادت الحروب بالوكالة للتفاعلات الإقليمية، وهو ما يتجلى في الصراع الدائر في سوريا بين القوى الإقليمية والدولية) .

)9 3- دورات الحروب العالمية: تدفع بعض التحليلات بتكرار اندلاع الحروب الكبرى وفقاً لنمطٍ دائري متكرر ‪World War(‬

Cycles،) تتشابه في إطاره الحروب العالمية التي شهدها القرن العشرين مع مثيلاتها في قرونٍ ماضية؛ بحيث تشابه الحرب العالمية الأولى مع الحرب الفرنسية - البروسية التي حققت الوحدة الألمانية في عام 1871 (، ويتم تفسير "دورات الحروب" بتغير بنية النظام

10( الدولي، والدورات الاقتصادية، والتنافس بين القوى الكبرى) .)

11 4- مصيدة الحروب الأهلية: توظف بعض الأدبيات مفهوم "مصيدة الصراع" ‪)Conflict Trap(‬ للإشارة إلى تجدد الحروب الأهلية، وترجح هذه الاتجاهات أن تعاني الدول التي سبق وشهدت حروباً أهلية موجةٍ ثانية منها، وذلك بالمقارنة بتلك التي لم تشهد اندلاع أي من تلك الحروب فيما مضي. فعلى سبيل المثال، شهدت كل من: إندونيسيا، والعراق، وبوروندي، ورواندا، وسريلانكا، حروباً أهليةً متكررة.

فقد مهدت الحروب الأهلية السابقة الطريق لاندلاع موجات جديدة مستقبلاً، لأن معالجة الأسباب التي قادت إليها عادة ما يكون متعذراً، كما تخلق الحرب بدورها مزيداً من الانقسامات العرقية التي يصعب التعايش معها، وينتج عنها تكاليف بشرية، وحواجز نفسية، وجيوش من المتمردين.

ولا يحظى ذلك الطرح بإجماع الآراء بطبيعة الحال؛ ذلك أن الإدارة السياسية للحروب الأهلية، ومستويات الرفاهية الاقتصادية، وإمكانية الوصول إلى أنظمة سياسية أكثر انفتاحاً، وغيرها من عوامل، من شأنها الحيلولة دون تجدد اندلاع الحروب الأهلية) .)

12 5- تطور الثورات الداخلية: حدد برينستون- استناداً إلى مقارنة الثورات الأمريكية والفرنسية والروسية- دورةً تمضي من خلالها الثورات قدماً. وتشمل هذه الدورة: انهيار النظام القديم واندلاع الثورة، مروراً بفشل المعتدلين وصعود المتطرفين، وصولاً لانتشار ظاهرة الإرهاب، وانتهاءً بإعادة التأكيد على السلطة المركزية التي تتشابه مع النظام القديم لاستعادة الاستقرار والأمن) .)

13

ثانياً: «دورات التاريخ» في نظريات العلاقات الدولية

يرجع الجدل السابق حول عودة الظواهر الدولية الكبرى إلى الاقترابات التطورية ‪)Evolutionary Approaches(‬ في العلاقات الدولية، حيث تجادل بوجود نمطين متباينين لتطور التاريخ؛ أولهما، النمط التطوري الخطي، وثانيهما، النمط التطوري الدائري.

ويدفع أنصار التطور الخطي ‪)Linear Evolutionists(‬ بعدم إمكانية تكرار العمليات التاريخية مثلها في ذلك مثل الزمن ذاته؛ ومن ثم يمضي تطور التاريخ في اتجاهٍ واحد فقط. فلا يمكن العودة للظروف السابقة، كما "لا يمكن تغيير مسار السهم عقب إطلاقه".

ووفقاً لهذه الرؤية، لن يكون المستقبل تكراراً للماضي، وإن كان ممكناً تشابه بعض مظاهره من فترة تاريخية إلى أخرى. ويعد كارل ماركس" أحد أبرز واضعي نظرية "عدم الانعكاس التاريخي"، حيث جادل بأن تطور المجتمعات يكون خطياً من الاقطاعية إلى الرأسمالية وانتقالها لاحقاً إلى الاشتراكية ثم الشيوعية على نحو يمكن توقعه تبعاً للتغير في أنماط الإنتاج.

وفي مقابل تلك الرؤية، يفترض أنصار الاقترابات التطورية أن العلاقات بين الفاعلين الدوليين تتأثر بالخبرات التاريخية التي تعد ضمن العوامل التي تشكل سلوك الدول. وعلى الرغم من الاعتراف باختلاف السياقات التاريخية، فإن دراسة التاريخ تساعد على تحليل التفاعلات الدولية باعتبارها ضمن التفسيرات الممكنة للسياسات الخارجية للدول) .)

14 وفي سياق الرؤية الثانية، اهتم أنصار اتجاهات "التطور الدائري" ‪)Cyclical Evolutionists(‬ بالتحولات التاريخية للنظام الدولي. ويرون أن فهم بنية النظام الدولي يتطلب معرفة كيفية تطور ذلك النظام تاريخياً، لأن النظام الدولي الذي تأسس في أواخر القرن العشرين يمثل مجرد تعديل في بنية النظام الدولي التي كانت قائمة في القرن السادس عشر منذ معاهدة صلح وستفاليا عام 1648 .)

15( وبعبارةٍ أخرى، يرى أنصار هذه الرؤية أن التاريخ يمضي للأمام لا للخلف، إلا إن العمليات التاريخية يمكن أن تتكرر في حال توافر السياقات الملائمة. وعليه، فقد يتشابه المستقبل مع الماضي لكنه لا يكون نسخة متطابقة منه ومكررة بتفاصيلها كافة.

وتتمثل أهم النماذج على ذلك في تأكيد "أرنولد توينبي" و"أوزوالد سبينجلر" على صعود وانحدار الحضارات بشكلٍ دوري) (. ونظريات دورات الحرب والسلام وتحول القوة،

16 وأطروحات موديلسكي، وجيلبن، ودوران) .)

17 فقد قدم موديلسكي وتومسون في عام 1989 تفسيراً للهيمنة العالمية من خلال نظرية "الدورات الطويلة"؛ فمنذ عام 1500، تعاقبت قوى عالمية على الهيمنة على النظام الدولي وفقاً لدوراتٍ منتظمة نتجت عن حروبٍ عالمية. وفي نهاية المطاف، تتدهور قدرات تلك القوى وشرعيتها السياسية، وتجتذب منافسين، لتتوزع القوة بينهم لا مركزياً. وبذلك، تمر الدورة الطويلة بأربع مراحل هي: الحرب العالمية، والقوة العالمية، والتجريد من الشرعية، واللامركزية.

وتستغرق زعامة العالم في الدورة الواحدة مائة عام أي ثلاثة أجيال؛ فقد صعدت البرتغال بعد حروب المحيط الهندي وإيطاليا خلال الفترة بين عامي 1494 و1516، وصعدت هولندا بعد الحروب الإسبانية الهولندية )1609–1580.)

وبدأت أول دورة من دورات الهيمنة البريطانية عقب حروب لويس الرابع عشر بين عامي 1688 و1713، وبدأت الدورة البريطانية الثانية بعد حروب الثورة الفرنسية والحروب النابليونية 1792( - 1914(، أما الدورة الأمريكية فقد بدأت بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية) .)

18 وتتسم هذه الدورات بالمرونة بسبب استنادها للتغير في توزيع القوة بين الدول الكبرى وتفجر الحروب العالمية، وهو ما يعني أن حدوث انتقال القوة وصعود قوى جديدة وانحدار القوى المهيمنة لا يمكن التنبؤ به أو توقعه.

ويدور جوهر نظرية "حرب الهيمنة" لروبرت جيلبن حول الحروب بين القوى المهيمنة والصاعدة، وتنشب تلك الحروب بفعل عدم التوازن بين الوضع الراهن للنظام الدولي من ناحية، والتوزيع الفعلي للقوى من ناحيةٍ أخرى، في ظل تراجع مكانة القوى المهيمنة تدريجياً، وصعود قوة دول جديدة.

ويعود تراجع مكانة القوى المهيمنة إلى ارتفاع تكلفة الحفاظ على الهيمنة، والنفقات العسكرية، وانحسار القدرة على الحفاظ على

استقرار الاقتصاد العالمي وفرض قواعد الاستقرار على الوحدات الدولية. ويتوقف استقرار النظام الدولي على شعور الدول الأقوى بالرضا عن التوزيع السائد للحقوق والمنافع.

ويعد النظام الدولي أحادي القطبية أحد أكثر الأنظمة استقراراً على عكس الأنظمة الدولية ثنائية أو متعددة الأقطاب التي يصاحبها عدم الاستقرار بفعل تراجع التفوق العسكري للقوة المهيمنة، وصعود قوى أخرى تسعى للإحلال محلها في ظل تنامي قدراتها من ناحية، وعدم رضاها عن موقعها في النظام الدولي من ناحيةٍ أخرى.

وعلى مستوى آخر طرح "تشارلز دوران" نظرية "دورة القوة النسبية" التي تشير إلى أن قدرات الدول تتبع طريقاً دائرياً في النمو والتدهور، من خلال صعود القوة النسبية وصولاً إلى ذروتها ثم انحدارها. وترتبط هذه الدورة إلى حدٍ كبير بمعدلات النمو الاقتصادي والانتصار في الحروب العالمية الكبرى) .)

19

ثالثاً: تقييم اتجاهات «عودة التاريخ»

يجادل بعض المؤرخين بأن "أولئك الذين لا يعرفون التاريخ هم على الأرجح من يقومون بتكراره"، كما يرى الكاتب الفرنسي "بول فاليري" أن "التاريخ هو علم الأشياء التي لا تكرر نفسها، لأنه لم يتشكل من دوراتٍ، بل هو مجرد شريط يتكشف بشكلٍ مستقيم".

وتكاد تتطابق الاتجاهات النظرية في التسليم بأن كل عصر فريد من نوعه، ولا توجد طريقة للتنبؤ بما سيحدث مستقبلاً، فإذا كان ممكناً مقارنة بعض الظواهر التاريخية ورصد أوجه التشابه فيما بينها، فإنه ينبغي الأخذ في الاعتبار العناصر المختلفة التي قد تجعل تلك المقارنة خاطئة.

وفي المقابل فإن التطورات الراهنة قد تتضمن استدعاءً لبعض الخبرات التاريخية التي تؤثر على مسار التفاعلات، وهو ما يعني عدم إمكانية استبعاد التاريخ كمحفز لسلوك الفاعلين الدوليين، وفي هذا الإطار تتعدد النماذج على تجليات الماضي ضمن التطورات الراهنة؛ ومن ذلك اعتقاد بعض المحللين بأن الصراعات الداخلية الراهنة في الشرق الأوسط لا تعدو كونها تفكيكاً للوحدات السياسية في الإقليم، وإعادة إنتاج لاتفاقية سايكس بيكو عام 1916، والتي تضمنت تقسيماً لدول الشرق الأوسط بين القوى الاستعمارية.

ويجادل بعض الدارسين بأن التدخل العسكري الأمريكي في كل من )هايتي، وكوسوفو( يجد جذوره في السياسات الأمريكية في الخمسينيات، حين شنت الولايات المتحدة الحرب الكورية تعزيزاً لمصداقيتها في مواجهة الاتحاد السوفييتي. وقد أدى ذلك الدافع إلى بقاء القوات الأمريكية في فيتنام لفترةٍ طويلة بعد أن أدرك صانعو القرار خسارتهم للحرب) .)

20 وفي السياق ذاته، تتوقع بعض الأدبيات تراجع الهيمنة الأمريكية على النظام الدولي وصعود الصين لشغل مكانة القوة المهيمنة نتيجة للتراجع في القدرات الاقتصادية الأمريكية وعدم رضا الصين عن مكانتها الراهنة في النظام الدولي، وهو ما وصفه الأستاذ بجامعة هارفارد جراهام أليسون بمصطلح "فخ ثيوسيديدس" ‪Thucydides Trap(‬ ) إشارةً لتحليل المؤرخ الإغريقي لحرب البلوبونيز التي نشبت بين أثينا وإسبرطة نتيجة صعود قوة إسبرطة، وسعيها لتعزيز مكانتها، مما تسبب في الصدام مع القوة المهيمنة آنذاك "أثينا") .)

21 وقد تتشابه الظواهر والتطورات الراهنة مع بعض الخبرات التاريخية، وهو ما لا يعني تكرار الماضي كما هو في الوقت الحاضر. وبعبارةٍ أخرى، يصبح التكرار فعلياً عندما يكون هناك تطابق تام بين الماضي والحاضر بالتفاصيل كافة وبدونها يصبح التكرار صدفة لا أصل لها) .)

22

رغدة البهي مدرس العلوم السياسية المساعد - جامعة القاهرة

Newspapers in Arabic

Newspapers from UAE

© PressReader. All rights reserved.