عُقَد التاريخ:

مداخل تشكيل الماضي لتوجهات السياسة الخارجية

Trending Events - Future Concepts - - مفاهيم المستقبل -

على مدار عقود، ركزت غالبية اتجاهات تحليل السياسات الخارجية للدول على الأنساق العقيدية للقادة وبنية نظم الحكم وتركيبة النخب وتوازنات القوى وتأثيرات النظم الإقليمية والدولية، إلا أن الآونة الأخيرة قد شهدت صعوداً للمداخل التاريخية استناداً إلى افتراض مفاده أن الخبرات التاريخية السلبية تؤدي لتشكل "تعقيدات" في علاقة الدولة بالتاريخ وتنعكس في مراحل لاحقة على سياساتها الخارجية بهدف الحفاظ على بقائها.

اأولاً: اتجاهات الارتباط بين التاريخ والحا�سر

"إن التاريخ عائد بانتقام" تلخص مقولة الكاتب الأمريكي إريك شنورير منطق "التعقيدات التاريخية" في تفسير السياسات الخارجية للدول، فخبرات الماضي التي تشكلت على مدار عقود عبر التجربة والخطأ تدفع النخب والقيادات السياسية لاستبعاد خيارات معينة وتفضيل أخرى في حال مواجهة مواقف مشابهة في الحاضر في إطار محاولة تغيير مسار الماضي.

ويرتبط ذلك بتصاعد الاهتمام بدراسة التاريخ ضمن مؤلفات العلاقات الدولية، مثل كتاب الاقتصادي البريطاني الشهير ستيفن كينج والتحليلات التي سعت لتفسير التحولات التي شهدتها سياسات الدول عبر دراسة تأثير "تعقيدات التاريخ" Historical( ‪.) )Complexities‬ 1(

ولا تعد دراسة تأثيرات "عقد التاريخ" على سياسات الدول أحد مستجدات التنظير في حقل العلاقات الدولية، إذ ظهرت تجليات متعددة لها في كتابات "هانز مورجانثاو" و" إدوارد هاري كار"، و"مارتن وايت".

ويمكن الاستعانة بدراسة "جورج لاوسون" أستاذ العلاقات الدولية في كلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية و"جون هوبسون" أستاذ السياسة والعلاقات الدولية بجامعة شيفيلد بالمملكة المتحدة في استخلاص أربعة اتجاهات رئيسية لدراسة "تعقيدات التاريخ") ،)

2 تتمثل فيما يلي:

1- "التاريخ من دون تاريخانية" ‪History Without(‬ :)Historicism توظف الواقعية الجديدة والليبرالية الجديدة خبرات التاريخ في استخلاص دروس مستفادة لتوجيه السياسة الحالية بغض النظر عن الاختلاف في السياقات أو تفاوت حسابات التكلفة والعائد للسياسات بين الماضي والحاضر، وهو ما يعني وجود نزعة لتقديس التاريخ واعتباره المُحرك الأساسي للسياسة.

ويُعد المثال الأبرز على ذلك، استحضار خبرة الانسحاب الأمريكي من فيتنام في التدليل على مخاطر الانسحاب الكامل من العراق على الرغم من اختلاف السياقات بين الحربين واختلاف طبيعة إخفاق التدخل العسكري الأمريكي في كل منهما وتغير بنية النظام الدولي من الثنائية القطبية إلى الأحادية عقب نهاية الحرب الباردة بالإضافة لاختلاف السياقات الإقليمية بصورة جوهرية) .)

3

2- التاريخانية الراديكالية ‪:)Radical Historicism(‬ على النقيض الكامل من الاتجاه السابق، يأتي هذا الاتجاه ليرفض تأسيس الروايات الكبرى ‪Grand Narratives(‬ ) حول انعكاس التاريخ على الواقع الراهن، ويعتبره "وقوعاً في أسر التفسيرات التاريخية للأحداث لتبرير توجهات سياسية أو أيديولوجية معينة"، وعلى سبيل المثال، تشكك كتابات إدوارد سعيد في الروايات التاريخية الغربية باعتبارها تؤسس للهيمنة والإمبرالية وتتسم بالانحياز) .)

4

3- التاريخ التقليدي ‪:)Traditional History(‬ يرفض أنصار هذا الاتجاه المقارنة بين التاريخ والحاضر للبحث عن أوجه التشابه، كما لا يعترفون بتوظيف التاريخ لصياغة نظرية تفسيرية للواقع أو طرح "تعقيدات التاريخ" كمبرر للسلوك الحاضر للدول.

ويعتقد المؤرخون التقليديون أيضاً بتفرد وعدم قابلية الأحداث التاريخية للتكرار بسبب تباين السياقات والمسببات لكل منها، وهو ما يدفعهم لدراسة التاريخ بغرض تسجيل الماضي من دون الاستدلال به في تفسير الأحداث الراهنة، فضلاً عن التعامل مع كل حالة تاريخية على حدا من حيث السياقات والمسببات) .)

5

4- علم الاجتماع التاريخي ‪Historicist Historical(‬ :)Sociology يشغل "علم الاجتماع التاريخي" موقعاً وسيطاً بين الاتجاهات الثلاثة السابقة، حيث يعتبر أنصاره التاريخ عملية اجتماعية ممتدة، إذ تتشكل الأحداث الماضية عبر تفاعلات متتابعة ومعقدة تستمر خلال فترة طويلة وتشكل أنماطاً Patterns() يمكن دراستها إلا أنهم في الوقت ذاته يركزون على سياق الأحداث التاريخية وخصوصيتها وعدم إمكانية مقارنتها بالحاضر، ويعد "إدوارد هاري كار" من أهم المنظرين في هذا الاتجاه) .)

6

ثانياً: اأركان «عقدة التاريخ»

تتشكل "عقدة التاريخ" في ذاكرة الشعوب ولدى النخب السياسية عبر فترة زمنية ممتدة تتفاعل خلالها خبرات التاريخ مع سياسات الدولة في محيطها الإقليمي والدولي مما يزيد من تأثير الماضي على هذه السياسات، وتتمثل أهم أركان "عقدة التاريخ" فيما يأتي:

1- الخبرة السلبية: تتأسس عقد التاريخ على وجود خبرة تاريخية سلبية تدفع الدول لتجنب تأثيراتها في المستقبل أو محاولة تغيير مسار التاريخ في الحاضر، وعلى سبيل المثال فإن الإخفاق الأمريكي في حرب فيتنام، قد أثر بقوة على خيارات صانع القرار الأمريكي في فترات لاحقة حول أنماط توظيف القوة العسكرية لتحقيق مصالح الولايات المتحدة.

2- الشعور بالمظلومية :)Victimhood( يقصد بذلك شعور النخب السياسية بالانكسار الناتج عن هزيمة عسكرية أو تفكك وانهيار الإمبراطوريات، مثل التوجهات العدوانية التي دفعت لصعود النازية بسبب الهزيمة الألمانية في الحرب العالمية الأولى وما اعتبرته النخبة الألمانية "إذلالاً" للكرامة الوطنية في معاهدة فرساي.

3- اتجاهات الإنكار: يترسخ إصرار لدى النخب بإنكار أي مسؤولية للدولة عن خبرات الماضي السلبية، وعلى سبيل المثال تتمسك المؤسسة العسكرية الأمريكية بأن أسباب الإخفاق العسكري في فيتنام ليست ضعف الاقتدار العسكري ولكن عدم ملاءمة الأوضاع السياسية أو تخفيض الإنفاق العسكري من جانب السياسيين وهو ما تكرر عقب الإخفاق العسكري الأمريكي في أفغانستان والعراق.

4- دافعية الانتقام: قد تترتب على الخبرات التاريخية السلبية رغبة في الانتقام من الأطراف التي تسببت فيها وتغيير مسار التاريخ، فلقد تسبب تعرض الرئيس التركي رجب طيب أردوغان للسجن باتهامات تتعلق بالكراهية الدينية في عام 1998 وخبرة إقصاء القيادي بالتيار الديني في تركيا "نجم الدين أربكان" في تزايد رغبة الانتقام لديه من المؤسسات العسكرية والقضائية والنخب العلمانية وإصراره على تغيير الأركان الرئيسية للنظام السياسي التركي. وينطبق ذلك أيضاً على اتجاهات الثأر من القوى الإقليمية والدولية التي تسببت في سقوط الإمبراطورية العثمانية وفقاً لرؤيته) .)

7

5- إحياء الماضي: تهيمن على النسق العقيدي للقيادات التي تعاني "عقدة التاريخ" اتجاهات فكرية جامدة ومعتقدات متطرفة تحكم رؤيتهم للعالم والتطورات الراهنة، ويستند هذا التطرف الفكري على رؤية مثالية لفترات ماضية مثل السعي لإعادة تأسيس "الخلافة" أو إحياء "الإمبراطورية العثمانية"، أو استعادة أمجاد "روسيا القيصرية".

6- ملائمة السياق: يؤدي إدراك صانع القرار لتشابه السياقات الراهنة مع تلك التي تشكلت خلالها "عقدة التاريخ"، لتبني خيارات محددة واستبعاد أخرى في إطار الاستفادة من دروس الماضي وفق ما يراه صناع القرار.

ويفسر بعض المحللين السلوك العدواني لقطر تجاه دول الجوار وسياسات التدخل في الشؤون الداخلية ودعم التيارات الدينية المتطرفة بسعي النخب الحاكمة للاحتماء بهذه السياسات التدخلية خوفاً من سقوط نظام الحكم الذي لم يحظ بقبول دول الجوار منذ انقلاب أمير قطر السابق الشيخ حمد على والده الشيخ خليفة بن حمد آل ثاني عام ‪.) 1995‬ 8(

ثالثاً: م�سارات تاأثير «تعقيدات الما�سي»

لا يتعامل صانعو القرار مع التطورات الراهنة بحسابات تتسم بالحياد والرشادة، إذ إن صانعي السياسة عادة ما يكونون انتقائيين ومتحيزين لخبراتهم السابقة، وهو ما يرتبط برؤيتهم للتاريخ وعلاقته بالحاضر) وفي هذا الإطار تتمثل أهم أنماط تأثير "عقد

(9 التاريخ" على عملية صنع القرار فيما يلي:

1- سياسات الذاكرة الوطنية ‪:)Memory Politics(‬ يقصد بذلك توظيف خبرات الماضي الثابتة في الذاكرة الجمعية للمواطنين في الترويج لرؤى محددة وخيارات بعينها في السياسة الداخلية والخارجية) (، إذ إن تقدير الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لإرث

10 الاتحاد السوفييتي ورغبته في إحياء مكانة روسيا كقوة عظمى، يعد المسوغ الأساسي للترويج للسياسات القومية داخلياً واتجاهات التمدد الخارجي ومحاولة بناء نظام متعدد الأقطاب على المستوى الدولي) .)

11

"الإنسان يصنع التاريخ ليس كما يرغب أو وفق لسياقات يحددها بنفسه، وإنما في ظل ظروف موجودة مسبق ومعطيات الماضي بحيث يُكبل إرث الأجيال الراحلة نظرائهم الأحياء"، كارل ماركس.

-2 اتجاهات "المقاربة الإدراكية" Analogical( Reasoning:) يقوم صانعو القرار باستدعاء الأحداث والخبرات التاريخية المشابهة للمواقف والظواهر التي يتعرضون لها في الوقت الحاضر. وتعد المقارنة بين حرب فيتنام والتدخل العسكري الأمريكي في أفغانستان والعراق من أهم الأمثلة على ذلك.

وفي هذا الصدد، لم ينقطع الجدل حول الدروس المستخلصة من حرب فيتنام في الولايات المتحدة، ما بين أنصار ضرورة الالتزام بحدود القوة الأمريكية وتجنب التدخل العسكري، ومن يدافعون عن مركزية التدخل العسكري في السياسة الخارجية الأمريكية) .)

12 3- صياغة "الروايات التاريخية" ‪:)Historical Narratives(‬ تهدف صياغة الروايات التاريخية لتشكيل رؤية الرأي العام لأحداث التاريخ وخبرات الماضي، فالخلافات بين الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما والقيادات العسكرية الأمريكية حول السياسة الواجب اتباعها في الشرق الأوسط ربما ترجع إلى تبني كل فريق لرواية تاريخية مختلفة حول خبرات التدخل العسكري الأمريكي.

وعلى سبيل المثال، كان الكتاب المفضل لأوباما خلال فترة حكمه هو كتاب "جوردن جولدشتين" المعنون "دروس في الكارثة" الذي أدان التصعيد العسكري الأمريكي في جنوب شرق آسيا في الستينيات من القرن الماضي وعارض ضمنياً التدخل العسكري الأمريكي في أفغانستان.

أما القيادات في وزارة الدفاع الأمريكية فكانت تفضل كتاب "لويس سورالي" الصادر بعنوان "حرب أفضل"، والذي تضمن ادعاءات عن تمكن الجيش الأمريكي من تطوير استراتيجيات فعالة لمواجهة التمرد في الستينيات والسبعينيات وأن نهاية حرب فيتنام ترجع إلى انهيار الدعم الشعبي والإرادة السياسية، وهو ما استخلص منه العسكريون أن الجيش الأمريكي يمكنه تحقيق انتصار في حروب مكافحة التمرد بشرط توافر الدعم السياسي والموارد الكافية) .)

13

4- استدعاء متلازمات الماضي ‪Invoking Syndromes(‬ :) قد يقوم بعض صانعوا القرار أو عناصر النخب السياسية باستدعاء خبرات سلبية في الماضي لدفع الرأي العام لتأييد سياسات معينة أو تجنب سياسات أخرى مثل الاعتماد على الخبرة السلبية لسياسات تشامبرلين التي غلبت عليها المهادنة في مواجهة التوجهات العدوانية لألمانيا النازية خلال الحرب العالمية الثانية ‪)Chamberlain Syndrome(‬ لدفع الرأي العام الأمريكي لتأييد سياسات أكثر تشدداً في مواجهة الدول الصاعدة مثل روسيا والصين) .)

14

إجمالاً، على الرغم من الاتجاهات النظرية التي ترفض الارتباط بين التاريخ والتطورات الراهنة، فإن واقع التفاعلات الدولية يؤكد عدم إمكانية الفصل بين الماضي والحاضر نتيجة تأثير "التعقيدات التاريخية" على النسق العقيدي للنخب السياسية ورؤيتهم للعالم وتفضيلاتهم فيما يتعلق بالسياسات الداخلية والخارجية) .)

15

ويتوقع أن تتصاعد موجة الكتابات التي تعتمد على التاريخ كإطار تحليلي لفهم العلاقات الدولية وتطرح مقولات "عودة التاريخ"، و"انتهاء العولمة" و"تصدع النظام الدولي" و"تجدد الحرب الباردة" وصعود صراعات القوى الكبرى في ظل "تسييس" بعض الدول والنخب السياسية للتاريخ واستدعائهم خبرات الماضي في تبرير سياستهم ومواجهة غموض وضبابية تحولات المستقبل.

بسمة الإتربي رئيس التحرير التنفيذي للموقع الإلكروني الإنجليزي، المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، أبوظبي

Newspapers in Arabic

Newspapers from UAE

© PressReader. All rights reserved.